
جمهورية الفقر.. شلل الإنتاج يلتهم السودان
الغد السوداني،أمين محمد الأمين – تواجه الدولة السودانية معضلة اقتصادية وإنسانية غير مسبوقة، تجسدت في القفزات المخيفة لمعدلات الفقر التي باتت تنهش في جسد المجتمعين الداخلي والخارجي على حد سواء. ومع دخول الحرب الشاملة عامها الثالث، لم يعد التدهور المعيشي مجرد عرض جانبي للمواجهات العسكرية، بل تحول إلى أزمة هيكلية مركبة أطاحت بسلاسل القيمة، وعطلت ماكينات الإنتاج، وسط شلل شبه تام في الأجهزة التنفيذية؛ مما يضع البلاد أمام اختبار البقاء الاقتصادي الحقيقي في ظل متغيرات إقليمية ودولية ضاغطة.
تداعيات الحرب
يرى المحلل الاقتصادي، الدكتور الفاتح عثمان محجوب، أن الحرب ألقت بظلالها السالبة على الشعب السوداني من خلال التدمير الواسع الذي طال سبل كسب العيش، لا سيما في ولاية الخرطوم التي تشكل المركز الاقتصادي والحيوي للبلاد، في حين تشهد بقية الولايات عدا دارفور وغرب وجنوب كردفان مؤشرات تعافٍ تدريجي ملموس.
مؤشرات الفقر
ويقر محجوب بأن معدلات الفقر تظل مرتفعة، مستدركاً بأنها هبطت حالياً لتستقر عند حاجز 50% تقريباً، لافتاً إلى أن الكتلة الحرجة من المواطنين القابعين تحت خط الفقر تتركز بشكل أساسي في ولايتي الخرطوم ودارفور، بالإضافة إلى جنوب كردفان ومعسكرات النازحين.
انتعاش تشغيلي
ويتوقع محجوب حدوث تحسن تدريجي في الأوضاع المعيشية لمواطني ولاية الخرطوم، مدفوعاً بالتوسع الراهن في إعادة افتتاح المصانع والشركات، وانتعاش قطاع الخدمات الحيوي الذي يستوعب وحده نحو 60% من إجمالي حجم العمالة والوظائف في الولاية.
الأجور الحكومية
ويعزو المحلل الاقتصادي تفاقم ظاهرة الفقر إلى ضعف هيكل المرتبات في القطاع العام، كاشفاً في الوقت ذاته عن مساعٍ ومعالجات حكومية متدرجة تهدف إلى رفع سقف الأجور لتقترب من مستويات ما قبل الحرب، وهو ما سينعكس إيجاباً على تحسين مستوى معيشة شريحة واسعة من العاملين بالدولة في العاصمة.
انسداد كامل
من جانبه، يؤكد الكاتب الصحفي والمحلل الاقتصادي، جعفر النجيب، أن اتساع رقعة الفقر يُعد نتاجاً طبيعياً لظروف الحرب الشاملة، التي تعطلت فيها عجلة الإنتاج بشكل كامل في كل مناحي الحياة الزراعية، والحيوانية، والصناعية، والتجارية، فضلاً عن انقطاع التواصل الجغرافي بين مناطق الإنتاج وأسواق الاستهلاك والتصدير.
عقبات لوجستية
ويوضح النجيب أنه على الرغم من عودة التعافي النسبي إلى بعض المناطق التي حررها الجيش، إلا أن التدقيق في التفاصيل يكشف عن فقدان المنتجين لكافة مدخلات العملية الإنتاجية والصناعية، ناهيك عن الأزمات اللوجستية الحادة التي تواجه قطاعات الإنتاج والتعدين، مما يتطلب تحركاً حكومياً أنشط لاستغلال العلاقات الخارجية في توفير هذه الاحتياجات.
أزمة الطاقة
ويصف النجيب قطاع الكهرباء بأنه المحور الأساسي للعملية الإنتاجية والأمنية والحياتية، مؤكداً أنه القطاع الأكثر تضرراً من الحرب. وينتقد التركيز الحكومي على تغذية القطاع السكني استجابةً لاحتجاجات المواطنين، وتجاهل “الكهرباء الإنتاجية” المخصصة للمصانع والمشاريع الزراعية، والتي تمثل الطوق الوحيد لإنعاش الميزان التجاري ومحاصرة الفقر المتسارع.
المنطق الاقتصادي
ويؤكد المحلل الاقتصادي أن إيقاف الحرب يظل الشرط الأساسي لتحقيق الاستقرار، وتنشيط القطاع الخاص، وجذب المستثمرين؛ فرغم صحة الحسابات العسكرية والاجتماعية الداعية إلى حسم التمرد وعدم التفاوض معه، إلا أن المنطق الاقتصادي الجاف يجزم باستحالة استقرار الاقتصاد ما لم تتوقف الحرب.
تكلس حكومي
ويوجه النجيب انتقادات حادة للجهاز التنفيذي لحكومة “كامل إدريس”، واصفاً إياها بالتكلس والبطء في تلبية احتياجات المواطنين، مشيراً إلى إلقاء كافة الملفات على عاتق الولاة المكلفين الذين انحصرت جهودهم في قضايا فرعية كإدارة الامتحانات وفتح المجاري المائية، داعياً رئيس الوزراء ومجلس السيادة إلى تحريك الوزراء ليعملوا كخلية نحل لسد الفجوة القائمة.
مؤثرات خارجية
ويضيف أن التوترات الإقليمية الناتجة عن الصراع الأمريكي الإيراني وإغلاق مضيق هرمز، أدت إلى قفزات حادة في أسعار الوقود العالمية والسلع الأساسية، مما فاقم الأزمة داخلياً بالتزامن مع تدني مستويات الدخل، والانهيار المتسارع لقيمة الجنيه السوداني مقابل العملات الأجنبية، ليدفع بالمواطنين إلى حافة النزوح واللجوء.
العلاقات الخارجية
ويطالب النجيب وزارة الشؤون الاجتماعية برفع وتيرة التنسيق مع المنظمات الدولية ووكالات الأمم المتحدة المتخصصة لجلب الدعم وسد الفجوة الإنسانية، خاصة في معسكرات ومناطق النزوح، مع ضرورة إدماج القادرين سريعاً في الدورة الاقتصادية لتجاوز حالة الركود.
عجز تجاري
وفي ختام إفادته، يعزو النجيب الخلل الهيكلي التاريخي في الاقتصاد السوداني إلى ضعف الإنتاج والاعتماد المفرط على الاستهلاك المستورد، مستدلاً باستيراد السلع البسيطة كالثوم وبترول الطاقة، مما يشكل ضغطاً مستمراً على العملة الصعبة في ظل غياب شبه تام للصادرات الصافية التي تضمن توازن الميزان التجاري.
خاتمة وقراءة
في المحصلة، تبرهن القراءة التحليلية للمشهد أن مكافحة الفقر في السودان ليست معركة دعم إنساني مؤقت، بل هي معركة إحياء ماكينات الإنتاج المعطلة. إن الخروج من نفق الركود الراهن يتطلب ثورة إدارية تقتلع التكلس التنفيذي، وتدعم طاقة العمل والإنتاج، وتدرك جيداً أن الاستقرار الأمني والنمو الاقتصادي وجهان لعملة واحدة لا يمكن الفصل بينهما.
