سوداني يواجه الحرب بشتلات التين
جبل اولياء ، الغد السوداني – في زمن الحرب والنزوح وانقطاع الخدمات، اختار السوداني عثمان الصديق طريقاً مختلفاً. فبينما كانت الظروف القاسية تدفع كثيرين للانشغال بتدبير شؤون الحياة اليومية، كان هو منشغلاً بإنقاذ الأشجار وزراعة المزيد منها، مؤمناً بأن غرس شتلة قد يكون فعلاً من أفعال المقاومة والأمل.
بدأت رحلة عثمان مع شتلات التين قبل سقوط منطقة جبل أولياء، عندما قام بترحيلها إلى جنوب المنطقة حفاظاً عليها. وبعد سقوط جبل أولياء، نقل الشتلات مرة أخرى إلى قريته، الحسين آدم بشرق الجزيرة، أملاً في أن تجد بيئة آمنة للنمو.
لكن الحرب لم تترك له فرصة للاستقرار. فمع دخول قوات الدعم السريع إلى الجزيرة، انقطعت الكهرباء وتوقفت إمدادات المياه في القرية، ما هدد حياة الشتلات التي كان يعتني بها. عندها لجأ إلى نقلها إلى مزرعة خارج القرية حتى لا تموت عطشاً.
وبعد أن تمكن أهالي القرية من توفير ألواح طاقة شمسية لتشغيل بئر المياه، ظن عثمان أن الأزمة قد انتهت، إلا أن المزرعة التي نقل إليها الشتلات تعرضت لسرقة ألواح الطاقة الشمسية، فعاد مجدداً لترحيل الشتلات إلى القرية في رحلة جديدة من الصبر والعناية.
ومع تدهور الأوضاع وتوقف مظاهر الحياة الطبيعية في الجزيرة، عادت وسائل النقل التقليدية لتفرض نفسها، وأصبحت الدواب وسيلة التنقل بين القرى. هنا وجد عثمان فرصة جديدة لنشر الخضرة، فكان يحمل شتلات التين على عربة “الكارو” وينتقل بها بين القرى المجاورة.
وصلت شتلاته إلى قرى عديدة، منها ود الفضل، والغنوماب، وريبا، والقبة، وتمبول، وكريعات، وزرقة، وغيرها من القرى التي شهدت زراعة التين في أصعب فترات الحرب وسيطرة الدعم السريع على المنطقة.
ولم تتوقف جهوده عند التين فقط، إذ كان يتردد على سوق تمبول لإرسال الشتلات إلى من يطلبونها من القرى المختلفة، كما اعتاد جمع بذور المانجو من محلات العصائر وزراعتها، إيماناً منه بأن كل بذرة تحمل فرصة لحياة جديدة.
يقول عثمان إن علاقته بالأشجار ليست مجرد هواية، بل أسلوب حياة. فهو يجد الأنس والراحة في مرافقة الشتلات والنباتات، ويحب الحديث عن الزراعة والأشجار لأنها – على حد تعبيره – من أفضل المواضيع التي لا يتضرر منها أحد، بل تعود بالنفع على الجميع.
ورغم أن قصته مع الأشجار أطول بكثير مما يمكن أن يُروى في سطور، فإنه يحرص على مشاركة جانب منها لعلها تكون مصدر إلهام للآخرين كي يحبوا الطبيعة والخضرة، ويشاركوا في نشرها.
ويستند عثمان في رحلته إلى حديث النبي محمد صلى الله عليه وسلم: “إذا قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة فإن استطاع ألا تقوم حتى يغرسها فليغرسها”، وهو المبدأ الذي ظل يوجه خطواته، حتى في أحلك الظروف، ليؤكد أن غرس شجرة قد يكون رسالة حياة تتجاوز الحرب والخراب
