بستان السودان في وردة الشعر

الجميل الفاضل يكتب:

من مكنون سر السودان، هذا الكائن المجهري الدقيق، أنه لا يوجد دائما منفردا في الطبيعة كسائر البلدان.

لكن علي هيئة ما وصف محمد المكي ابراهيم بقوله:

“تختبيء الصدفة فى منعطف الطريق

والعسل البريئ فى الرحيق

وطائر الفينيق فى الحريق

يختبىء الحريق فى الشرر

يختبىء البستان فى الوردة

والغابة في الشجر”.

إذ حين تضيق الأرض بأهلها، وتغدو البلاد سؤالاً معلقاً بين الدم والتراب، لا يبقى للأمم غير مثل هذا الصوت العميق.

ذلك الصوت الذي لا يخرج من أفواه الساسة، لكن من بين تضاعيف خفية بدواخل النفوس.

من هناك، من عناقيد الشعر المعلقة بين الذاكرة والنبوءة، يطل السودان على نفسه.

لا باعتباره أزمة هوية، بل باعتباره هويةً تبحث عن العالم.

فهذا البلد الذي أنهكته الحروب، ليس مجرد جغرافيا تتكسر على حواف الخرائط.

إنه بحر قديم، تتدفق فيه منذ فجر الخليقة مياه كثيرة، عجزت الأسماء عن الإحاطة بها.

كلما حاولوا اختصاره في جهة، فاض إلى الجهات كلها.

وكلما أرادوا حبسه في تعريف، انفتح على ألف معنى.

ولذلك سبق شعراؤه مؤرخيه.

وسبق حدسهم خرائط ساسته.

فعرفوا أن السودان ليس رقعةً عند أطراف العالم، لكنه موضع التقاء العالم بنفسه.

كان محمد المهدي المجذوب أول من سمع النداء القديم يصعد من جوف الطمي.

فخلع عن الروح أثقال النسب، وأطلق صرخته حافيةً في براريها الأولى: “ليتني في الزنج ولي رباب تميد به خطاي وتســــــــــتقيم

وفي حقويَّ من خرزٍ حـزام وفي صدغيَّ من ودعٍ نظيــــم

واجترع “المريسة” في الحــواني وأهـــذر لا أُلام ولا ألــــــــوم

وأصرع في الطريق وفي عيوني ضباب السكر والطرب الغشوم

طليق لا تقــــيدني قريـــــــش بأحســــــاب الكـــــرام ولا تميم”.

كأنه لم يكن يشتهي الزنوجة ولا العروبة، بقدر ما كان يشتهي الإنسان قبل أن تفرقه الأسماء.

كان يبحث عن النبع.

عن البراءة الأولى.

عن ذلك الكائن الحر الذي لم تلوثه عصبيات الدم، ولم تقيده سلاسل القبيلة.

وحين صاح:

“طليق لا تقيدني قريش

بأحساب الكرام ولا تميم”

لم يكن يهجو قريشاً ولا تميم.

بل كان يهجو الأقفاص.

كل الأقفاص.

وكان يفتح في جدار الهوية نافذةً تطل على سماء أوسع.

ثم جاء النور عثمان أبكر.

لا ليختار بين الغابة والصحراء.

بل ليطفئ الحرب بينهما.

نظر إلى مرايا السودان الكثيرة، فرأى وجهاً لا يشبه إلا نفسه.

وقال كلمته التي ما تزال تتردد كأنها آية وجود:

“أنا بعض هذا

وبعض ذاك

ولكنني صرت شيئاً سواهما

صرت نفسي.”

يا لها من كلمة.

“صرت نفسي.”

كأن السودان كله كان يبحث عنها منذ آلاف السنين.

فالنهر لا يعتذر لروافده.

والشجرة لا تنكر جذورها.

والفجر لا يسأل الليل من أي الجهات جاء.

هكذا أراد النور عثمان للسودان أن يكون:

نفسه.

فقط نفسه.

ثم أطل عاطف خيري من شرفة الدهشة.

ورأى ما هو أبعد من سؤال الهوية ذاته.

رأى السودان لا بوصفه لغزاً يحتاج إلى حل، لكن بوصفه حلاً يحتاج إلى من يكتشفه.

فأنشد:

“المارق منك رجّع للغابات العرب العاربة

وللعتمور الزنج الهاربة

وأدّى الكون مفتاح الحل.”

فجأة لم تعد الغابة ضد الصحراء.

ولا العربي ضد الإفريقي.

ولا الشمال ضد الجنوب.

ولا أولاد البحر ضد أولاد الغرب.

كلها صارت أنهاراً متعددةً تعود إلى بحر واحد.

وصار السودان، في تلك الرؤيا الخاطفة، أشبه بقلبٍ كوني كبير، تتصالح داخله الأشياء بعد طول خصام.

لكن الرحلة لم تكن قد بلغت منتهاها بعد.

ففي آخر الطريق كان يقف محمد الحسن سالم “حميد”.

ذلك الولي الذي أخفى مسبحته بجيب قصيدته.

ومضى بين الناس يغني يوزع أنواره.

لم يكن مشغولاً بسؤال: من نحن؟

كان مشغولاً بسؤال أكبر:

كيف نصير بشراً كما أراد الله لنا أن نكون؟

ولهذا وقف يشدو:

“من حقي أغني العالم

إبداع، وعلم، حرية،

إنسان وشعوب نتسالم

نتسالم بي حنية،

على نخب الود نتقادم

لا جنس ولا لونية،

لا عِرق لا آه نتقادم،

سكتنا بياض النية.

مش كلنا جينا من آدم؟

مش آدم أبو البشرية؟

السجن إذاً يترادم

نبنيها قلاع ثورية،

عقبال الخير يترادم

والدنيا تمش دغرية،

مد كفك يا بني آدم،

حرية، سلام، حرية.

مردفا:

“وما بتحير بين الفوق

وبين الناس التحتانية

إلا مغير، ولا عقوق،

ولا كفيف الإنسانية.

وحلم العالم ناس تتسالم

والبني آدم صافي النية.

للاطفال الناشفة ضلوعها

بطمن روعها، وتبدا تغنى

غناوى البكرة الكم مسموعة”.

“إنسان وشعوب نتسالم

نتسالم بي حنية.”

يا لروعة هذه العبارة.

“نتسالم بي حنية.”

كأنها ليست جملة شعرية.

بل وصفة نجاة للعالم كله.

فالعالم الذي تتناطح فيه الهويات اليوم، لم يعد ينقصه السلاح ولا المعرفة.

إنما تنقصه هذه الكلمة السحرية “الحنية”.

وتنقصه تلك البراءة التي سماها حميد:

“بياض النية.”

قبل أن يعود ذلك العارف الكبير ليأخذ البشرية من يدها إلى أصل الحكاية:

“مش كلنا جينا من آدم؟

مش آدم أبو البشرية؟”

وكأن كل هذه الرحلة الطويلة، من ود المكي الي المجذوب إلى النور عثمان إلى عاطف خيري، لم تكن سوى طريق يقود إلى هذه الحقيقة البسيطة:

أن الإنسان أخو الإنسان.

وأن القلوب أكبر من الرايات.

وأن الأرواح أوسع من الحدود.

لذلك، كلما اشتدت المحنة على السودان، درجت أعود إلى شعرائه.

فأجدهم يعرفون الطريق أكثر من الجميع.

أجد محمد المكي يفك الشفرة، واجد المجذوب يحرر الروح من أغلالها.

وأجد النور عثمان يعيدها إلى ذاتها.

وأجد عاطف خيري يسلمها مفتاح العالم.

وأجد حميد يفتح أوسع الأبواب.

باب الإنسان.

هناك، حيث لا جنس ولا لون.

ولا غالب ولا مغلوب.

ولا غابة ولا صحراء.

بل إنسان يمد كفه لإنسان.

ويقول، كما لو أنه يلخص رسالة السودان كلها:

“حرية…

سلام…

حرية.”

ولعل هذا هو السر الذي ظل هذا البلد يحمله بين جوانحه منذ البدء.

بلد لم يُخلق ليكون هامشاً في قصة البشرية.

بل ليذكر البشرية، كلما نسيت نفسها، بمعني وجودها الأول.