الخرطوم بدونك ضهباني وتفتش لي واحات عيونك
ابراهيم سالكا يكتب
كانت رحلتي الى الخرطوم بعد انقطاع طويل اشبه بخروج انسان من غرفة ضيقة ظل حبيسا فيها سنوات ثم فتح نافذته فجأة على عالم مختلف تماما عما كان يتخيله
وربما لهذا السبب شعرت منذ اللحظات الاولى ان هذه الرحلة لم تكن مجرد انتقال من مدينة الى اخرى بل كانت مواجهة صريحة بيني وبين نفسي وبين تلك السنوات الثلاث التي مرت علينا ببطء ثقيل حتى كادت تتحول الى جزء من طبيعتنا اليومية
اتحدث هنا بصدق كامل لا تحكمه المجاملة ولا الرغبة في صناعة صورة مثالية للواقع
فانا واحد من الذين عاشوا تلك السنوات الثلاث في حالة من السكون الطويل تحت ظل النيم بعيدا عن الحركة والسفر والتنقل
لم اذهب الى الدبة خلال هذه الفترة الا مرات معدودة جدا ولا الى دنقلا سوى اربع مرات وشندي مرة واحدة فقط رغم انني قبل ذلك كنت انسانا لا يعرف الاستقرار بحكم طبيعة عملي التي ظلت لعشرين عاما قائمة على السفر الدائم حتى صار الطريق جزءا من يومياتي وصارت حقيبة السفر اقرب الاشياء الي
بل انني حين احسب سنوات الجنوب والغرب اجد ان معظم عمري المهني كان قائما على الحركة والترحال وملاحقة تفاصيل الحياة من مدينة الى اخرى ومن ولاية الى اخرى
لكن الحرب وما تبعها من ظروف قاسية صنعت واقعا مختلفا تماما
تدريجيا تكيفنا مع التوقف ومع غياب العمل ومع ضيق الحال والفلس ومع حياة الانتظار الطويل
والانسان بطبيعته كائن قادر على التكيف حتى مع اكثر الظروف قسوة ولذلك خلقت لنفسي قدرا كبيرا من الرضا النفسي حتى لا اسقط في حفرة التذمر واليأس
اقنعت نفسي ان الهدوء نعمة وان البقاء وسط الاهل والعشيرة كاف لمنح الانسان بعض الطمأنينة
ومع مرور الوقت اصبحت الحياة الساكنة تبدو وكأنها قدر طبيعي لا يحتاج الى مقاومة
لكن هذه الرحلة نسفت كثيرا من تلك القناعات
اكتشفت بعد شهر كامل من الحركة والتنقل انني لم اكن فقط متوقفا عن السفر بل كنت متوقفا عن الحياة نفسها بشكل غير مباشر
ادركت ان السنوات الثلاث الماضية رغم كل مبرراتها كانت تحمل قدرا كبيرا من الجمود الذي اصاب الروح والجسد معا
ذلك التكلس البطيء الذي يجعل الانسان يفقد حماسه للحياة دون ان يشعر
ويجعله يظن ان العزلة راحة بينما هي في احيان كثيرة استنزاف صامت للعمر
صحيح ان للعشيرة دفئا خاصا لا يمكن انكاره
وصحيح ان وجود الانسان وسط اهله يمنحه شيئا من الامان المعنوي حتى في اقسى الظروف
لكن البقاء الطويل في دائرة مغلقة يجعل الحياة متشابهة بصورة تقتل الدهشة وتضعف الروح
ورغم ما في المجتمعات الصغيرة من مودة وتكافل الا انها احيانا تحمل قدرا من القسوة والخشونة التي تولدها الضغوط الاقتصادية وضيق الحياة وتراكم الهموم
لهذا فهمت بعمق معنى الحكمة القديمة التي تقول ان في السفر فوائد عظيمة
فالسفر ليس مجرد انتقال جغرافي بل هو اعادة ترتيب للنفس من الداخل
هو كسر لحالة الركود واستعادة لاحساس الانسان بالحياة
ولذلك انا هنا لا اتحدث من باب التنظير بل من تجربة شخصية كاملة
واخص بالكلام النازحين الذين ارتبطت حياتهم واعمالهم وارزاقهم بالحركة والتنقل
فهؤلاء تحديدا يتأذون من السكون اكثر من غيرهم حتى لو اقنعوا انفسهم بالعكس
اما اهل المدن والقرى التي استقروا فيها فهم اعتادوا هذا النسق البطيء من الحياة ووطّنوا انفسهم عليه منذ سنوات طويلة
قبل الرحلة كنت اتخيل السودان كله غارقا في الخوف
وكنت اظن اننا نعيش في ركن صغير نحتمي فيه من غابة كبيرة مشتعلة
بل ان صورة الخرطوم في ذهني كانت اقرب الى مدينة اشباح كما يصورها البعض في مواقع التواصل والاحاديث اليومية
مدينة خالية من الناس ومطفأة الحياة ومهجورة تماما
لكن حين وصلت وجدت واقعا مختلفا بصورة كبيرة
نعم الخرطوم مدينة مجروحة
والحرب تركت آثارها في كل شيء
في البيوت والشوارع والنفوس وحتى في طريقة حديث الناس ونظراتهم
لكن المدينة لم تمت كما كنت اتصور
بل رأيت مدينة تحاول النهوض بهدوء
ورأيت حياة تتسلل من بين الركام بصورة تدريجية
ورأيت بشرا بسطاء عادوا يحملون احلامهم القديمة ويعيدون ترتيب تفاصيل حياتهم من جديد
ومن وجهة نظري ان كثيرا من الاوصاف التي تنقل عن الخرطوم لا تعبر عن الواقع بصورة دقيقة
لأن كل انسان يتحدث من زاوية تجربته الخاصة ومن حجم خسارته ومن وضعه المادي وطبيعة حياته
فمن فقد كل شيء يرى المدينة خرابا كاملا
ومن عاد ووجد جزءا من حياته ما زال قائما يرى فيها بارقة امل
كما ان كثيرا من الناس يتحدثون عن الخرطوم وكأنها مدينة خرجت من ظرف عادي بينما الحقيقة انها مدينة عائدة من حرب قاسية جدا
والمدن بعد الحروب لا تستعيد عافيتها في يوم وليلة
بل تعود ببطء شديد مثل انسان خرج لتوه من غرفة العمليات وما زال يتعلم كيف يمشي من جديد
لكن رغم ذلك يمكن للعين المنصفة ان ترى بوضوح ان الحياة بدأت تعود بالفعل
الاسواق تتحرك
الورش تفتح ابوابها
الناس ينظفون بيوتهم
الازقة تستعيد بعض اصواتها القديمة
والطبقة المتوسطة تحديدا بدأت تعود بصورة ملحوظة الى مناطق مثل السجانة وغيرها
عاد الناس الى محالهم واعمالهم الصغيرة
نفضوا الغبار عن الجدران وعن الذاكرة ايضا
وبدأوا محاولة شاقة لاعادة بناء ما تهدم
اما الذين يملكون الثروات الكبيرة والاستثمارات الضخمة فهؤلاء ما زالت عودتهم بطيئة
وذلك امر مفهوم
لأن حياتهم ارتبطت خلال الحرب باستثمارات ودراسة واستقرار في الخارج
ولذلك فإن حساباتهم مختلفة تماما عن حسابات المواطن العادي الذي لا يملك سوى بيته الصغير ورغبته في النجاة
ومن الاشياء التي فاجأتني ايضا ان الامن والامان متوفران بدرجات جيدة في كثير من المناطق
والخدمات موجودة ولو بصورة متفاوتة
طبعا لا يمكن الحديث عن وضع مثالي
فالبلد ما زالت خارجة من حرب
لكن الصورة ليست بالسواد الكامل الذي يتداوله البعض
ولهذا اقول دائما ان من يرى بعينه ليس كمن يسمع
ومن يتحرك ليس كمن يبقى اسير التخيلات والقصص المنقولة
لذلك انا احرض الناس على السفر وعلى تفقد بيوتهم وارضهم وذكرياتهم
ليس فقط من اجل الممتلكات بل من اجل علاقتهم بالحياة نفسها
فالانسان حين يبتعد طويلا عن مكانه يبدأ داخله بالتآكل دون ان يشعر
وتصبح العودة النفسية اصعب من العودة الجغرافية
كما ان ادراك الواقع اليوم افضل من تأجيله الى الغد
فالخرطوم بعد الحرب ليست هي الخرطوم القديمة
ولا يمكن مقارنتها بما كانت عليه قبل الكارثة
لكنها ايضا ليست مدينة ميتة كما يتصور البعض
هي مدينة تحاول الوقوف
وستظل بطيئة ومتعبة ما لم يعد الناس اليها ويعيدوا ضخ الحياة في شوارعها من جديد
واكثر ما تعلمته من هذه الرحلة ان الحركة نفسها نوع من العلاج
وان الانسان حين يخرج من دائرة الركود ولو لرحلتين او ثلاث تتغير نفسيته بصورة عجيبة
يستعيد جزءا من طاقته
يتصالح مع الحياة
يشعر ان العالم اوسع من ذلك الركن الضيق الذي حبس نفسه فيه سنوات طويلة
لقد اكتشفت متأخرا ان السفر لا يغير الاماكن فقط بل يغير الانسان نفسه
يعيد اليه فضوله القديم
ويوقظ داخله القدرة على الحلم من جديد
ولهذا ربما كانت اعظم خسائر الحرب ليست فقط ما دمرته في المدن بل ما زرعته في النفوس من خوف جعل الناس يعتادون السكون اكثر مما ينبغي
لكن الحياة بطبيعتها لا تحب الجمود
ومن يتوقف طويلا يشعر مع الوقت انه يذبل ببطء
ولهذا اقول لكل من عاش سنوات النزوح والانتظار
تحركوا
سافروا
زوروا اماكنكم
افتحوا النوافذ المغلقة في ارواحكم قبل بيوتكم
فالحياة مهما اثقلتها الحروب تبقى قادرة على العودة متى ما عاد اليها الناس بقلوب لم تمت بعد
