بعد 19 عاماً على رحيله.. الكنيسة القبطية تعلن الأنبا صرابامون “قديس السودان”

الخرطوم، الغد السوداني – في خطوة أعادت اسمه إلى الواجهة الكنسية والشعبية، أعلن المجمع المقدس للكنيسة القبطية الأرثوذكسية الاعتراف بقداسة الأنبا صرابامون، مطران الخرطوم وأم درمان، بعد عقود طويلة من رحيله، ليُضاف رسميًا إلى سجل قديسي الكنيسة الذين تركوا أثراً روحياً واجتماعياً واسعاً داخل مصر والسودان.

وجاء الإعلان خلال الجلسة السنوية للمجمع المقدس برئاسة البابا تواضروس الثاني، الجمعة، في قرار وصفه أقباط بأنه “تكريم لمسيرة استثنائية” لرجل دين ارتبط اسمه بالتقشف والتعليم وخدمة الفقراء.

ويُعد الأنبا صرابامون من أبرز الشخصيات الكنسية التي لعبت دوراً محورياً في تاريخ الكنيسة القبطية بالسودان خلال النصف الأول من القرن العشرين، حتى أصبح يُعرف بين كثيرين بـ”مطران السودان”.

من صعيد مصر إلى طريق الرهبنة

وُلد الأنبا صرابامون في السابع من يناير عام 1860 بمدينة إسنا، ونشأ في قرية العضايمة بمحافظة الأقصر، وسط بيئة ريفية محافظة تأثر فيها مبكراً بحياة النسك والرهبنة.

وتقول الروايات الكنسية إن إصابته بمرض شديد في شبابه شكّلت نقطة تحول في حياته، بعدما نذر التوجه للرهبنة إذا تعافى، وهو ما حدث بالفعل، ليلتحق بعدها بـ دير السريان وهو في السابعة عشرة من عمره.

داخل الدير، تدرج في المسؤوليات الكنسية سريعاً، فرُسم كاهناً ثم قمصاً، قبل أن يتولى وكالة الدير ورئاسته لاحقاً، حيث ارتبط اسمه بأعمال التعمير وبناء القلالي وتوسعة الخدمات الخاصة بالرهبان والزائرين.

مطران الخرطوم وأم درمان

في عام 1897، اختير الأنبا صرابامون أسقفاً على الخرطوم وأم درمان، في مرحلة كانت فيها الكنيسة القبطية تسعى لتوسيع وجودها وخدماتها داخل السودان.

وخلال سنوات خدمته، قاد نهضة واسعة في مجالات التعليم والرعاية الكنسية، فأسس كنائس ومدارس في الخرطوم وأم درمان وعطبرة وبورسودان والأبيض، كما لعب دوراً بارزاً في إنشاء الكلية القبطية للبنين والبنات، التي تحولت لاحقاً إلى واحدة من المؤسسات التعليمية المعروفة في السودان.

وبحسب شهادات متداولة داخل الأوساط الكنسية، كان الأنبا صرابامون يعتبر التعليم “رسالة قبل أن يكون مؤسسة”، حتى إنه اضطر في إحدى الأزمات المالية إلى بيع حماره الخاص لتوفير رواتب المعلمين واستمرار الدراسة بالمدارس القبطية.

“ادّوني ثمن فرخة”

لم يرتبط اسم الأنبا صرابامون بالمناصب الكنسية فقط، بل أيضاً بحياة الزهد والبساطة التي عاشها، وهو ما جعله قريباً من عامة الناس.

وكانت عبارته الشهيرة “ادّوني ثمن فرخة” واحدة من أكثر الجمل تداولاً بين أبناء الكنيسة، إذ استخدمها لحثّ الناس على التبرع للكنائس والمدارس، في رسالة مفادها أن العطاء لا يُقاس بحجمه بل بالمحبة التي يُقدَّم بها.

كما ارتبطت سيرته بالعديد من القصص الإنسانية والروايات التي يصفها أقباط بـ”المعجزات”، والتي تناقلتها الأجيال داخل السودان ومصر، وأسهمت في ترسيخ صورته كأحد أبرز رجال الكنيسة الذين جمعوا بين الخدمة الروحية والعمل الاجتماعي.

الاعتراف بالقداسة بعد عقود من الرحيل

عاد الأنبا صرابامون إلى مصر عام 1926 بعد سنوات طويلة من الخدمة في السودان، وظل بها حتى وفاته في 18 يونيو 1935، حيث دُفن في كنيسة أبي سيفين بمصر القديمة.

وبعد مرور 19 عاماً على وفاته، أعلنت الكنيسة القبطية الأرثوذكسية الاعتراف الرسمي بقداسته، في خطوة اعتبرها مراقبون توثيقاً لدوره التاريخي في بناء المؤسسات التعليمية والكنسية بالسودان، ولحياة وصفها محبوه بأنها “سيرة ناسك عاش للفقراء قبل أن يعيش لنفسه”.

ويرى متابعون للشأن الكنسي أن الاعتراف بالأنبا صرابامون يعكس أيضاً المكانة التاريخية التي شكّلتها الكنيسة القبطية داخل السودان، خصوصاً في مجالات التعليم والخدمات الاجتماعية، خلال فترات مفصلية من تاريخ البلاد.