
محمد الفكي: الإسلاميون أشعلوا حرب السودان لإجهاض الانتقال المدني.. والبرهان “يعيد تشكيل الجيش لضمان بقائه في السلطة”
الخرطوم، الغد السوداني- اتهم عضو مجلس السيادة السوداني “الشرعي” والقيادي بالتجمع الاتحادي محمد الفكي سليمان، الإسلاميين بالوقوف وراء تفجير الحرب في السودان، معتبراً أنهم كانوا “الأسرع في الدعوة للحرب” بهدف إجهاض المسار المدني الانتقالي، بينما شن هجوماً حاداً على قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان، متهماً إياه بإجراء تغييرات داخل المؤسسة العسكرية لضمان بقائه في السلطة وتحقيق “حلم حكم البلاد عبر البندقية”.
وفي حوار مطول مع منصة “الهدف”، قال الفكي إن القوى المدنية لم تتأخر في قراءة مؤشرات الحرب، بل كانت تدرك منذ وقت مبكر خطورة وجود “جيشين بقيادتين متوازيتين”، مشيراً إلى أن القوى المدنية سعت، عقب انقلاب أكتوبر، إلى تسريع الحل السياسي لتجنب الانزلاق نحو المواجهة العسكرية.
وأضاف أن العلاقة المتوترة بين قيادة الجيش وقوات الدعم السريع كانت واضحة بالنسبة للمدنيين، لافتاً إلى أن “الإسلاميين داخل القطاعات الأمنية والعسكرية كانوا الأكثر استعداداً للحرب والأسرع في تفجيرها”، بسبب خبرتهم العسكرية مقارنة بالقوى المدنية.
“شرعية السلاح” أطاحت بالدور المدني
وتحدث الفكي عن التناقض بين “الشرعية الدستورية” وواقع السيطرة العسكرية على الأرض، قائلاً إن الحرب قلّصت فعالية المدنيين، باعتبار أن “العسكريين خبراء في العنف والسيطرة الحربية”، لكنه شدد على أن القوى المدنية واصلت العمل عبر الأدوات السياسية والإعلامية والدبلوماسية، بهدف حماية المدنيين والدفع نحو حل سياسي ينهي الحرب.
وأكد أن الأزمة الحالية لا تعني غياب القوى المدنية عن المشهد، وإنما تغير طبيعة أدوارها في ظل الحرب، معتبراً أن المستقبل سيقود في النهاية إلى “الاستعاضة عن الحرب بالعمل السياسي”.
دفاع عن القوى المدنية وتحالفاتها
ورفض الفكي اتهام القوى المدنية بالتشتت، موضحاً أن هناك توافقاً واسعاً بين التحالفات المدنية المختلفة حول قضايا رئيسية، أبرزها وقف الحرب، واستعادة المسار الديمقراطي، وبناء جيش مهني موحد.
وأشار إلى أن الاجتماعات التي عقدت في نيروبي بين قوى مدنية متعددة، بينها التجمع الاتحادي وقوى من تحالف “صمود” وحركات مسلحة وشخصيات سياسية، تمثل مؤشراً على إمكانية بناء رؤية مشتركة لإنهاء الحرب.
وقال إن اختلاف القوى المدنية “أمر طبيعي” في الحياة السياسية، مضيفاً أن “الخطورة الحقيقية كانت في اختلاف العسكريين، وهو ما قاد البلاد إلى الحرب والدمار”.
“وثيقة 2019 أثبتت استحالة الشراكة مع العسكر”
وفي تقييمه لتجربة الفترة الانتقالية بعد ثورة ديسمبر، قال الفكي إن وثيقة تقييم التجربة، التي أعدتها القوى المدنية بعد انقلاب 2021، خلصت إلى استحالة استمرار الشراكة بين المدنيين والعسكريين داخل جهاز حكم واحد، بسبب “رغبة العسكر الدائمة في الانفراد بالسلطة”.
وأوضح أن الخلافات بين الطرفين كانت يومية طوال المرحلة الانتقالية، حيث كان المدنيون يستندون إلى شرعية الثورة، بينما اعتمد العسكريون على “القوة والسلاح”.
وأضاف أن جميع القوى المدنية باتت متفقة على ضرورة إعادة بناء جيش مهني غير مؤدلج، يتفرغ لحماية الدستور والأرض، مع قيام سلطة مدنية تقود البلاد نحو الانتخابات.
اتهامات للعسكر والإسلاميين بإفشال الانتقال
وكشف الفكي أن لجنة إزالة التمكين كانت تمتلك معلومات عن اجتماعات تعقدها عناصر النظام السابق تحت حماية الاستخبارات العسكرية، إضافة إلى دعم مجموعات موالية للنظام السابق، معتبراً أن تلك التحركات كانت مؤشرات واضحة على وجود ترتيبات لإجهاض الفترة الانتقالية.
وأشار إلى أن إدخال قادة حركات مسلحة، مثل مني أركو مناوي وجبريل إبراهيم، في ترتيبات سياسية خارج إطار قوى الحرية والتغيير، كان جزءاً من عملية “تشتيت الانتباه” تمهيداً لعدم تسليم السلطة للمدنيين.
“الاتفاق الإطاري لم يكن لإعادة الشراكة”
ورفض الفكي الاتهامات الموجهة للقوى المدنية بأنها سعت عبر الاتفاق الإطاري إلى إعادة إنتاج الشراكة مع الجيش، مؤكداً أن الاتفاق كان يهدف إلى إقامة “حكومة مدنية كاملة” دون وجود للعسكر في رئاسة الدولة.
وأوضح أن الاتفاق الإطاري صُمم أساساً لتفادي الحرب، عبر فتح المجال أمام عملية دمج القوات العسكرية داخل مؤسسة واحدة واستعادة المسار الديمقراطي، لكنه اتهم “العسكر والإسلاميين” بالدفع نحو المواجهة العسكرية.
هجوم على البرهان وتغييرات الجيش
وفي واحدة من أكثر فقرات الحوار حدة، وصف الفكي التغييرات التي أجراها البرهان داخل المؤسسة العسكرية بأنها “بدعة” غير مسبوقة في تاريخ الجيش السوداني.
وقال إن البرهان “يعيد تشكيل الجيش وكأنه حزب سياسي”، معتبراً أن تلك التغييرات تهدف إلى ضمان استمرار نفوذ الجيش السياسي وبقاء البرهان قائداً للبلاد.
وأضاف أن قائد الجيش “تجاوز كل الإشارات الحمراء وزج بالبلاد في الحرب لتحقيق حلمه بحكم السودان عبر البندقية”.
كما رأى أن البرهان بات مرتبطاً سياسياً بالإسلاميين، لأن وقف الحرب ـ بحسب تعبيره ـ قد يؤدي إلى خروجه من السلطة، بينما يمثل الإسلاميون حلفاءه الأقرب في استمرار السيطرة على الدولة.
هل يتجه السودان إلى الانقسام؟
ورغم الحرب والانقسامات المتصاعدة، أبدى الفكي تفاؤله بإمكانية الحفاظ على وحدة السودان، قائلاً إن البلاد تواجه اليوم “حكومتين وليستا دولتين”.
وأشار إلى وجود انقسام جغرافي واجتماعي ووجداني يتغذى بفعل الحرب، لكنه شدد على أن السودانيين ما تزال تجمعهم مصالح مشتركة وتاريخ واحد، مؤكداً أن وقف الحرب والانفتاح على العمل السياسي يمكن أن يعيدا توحيد البلاد.
“لا بديل للديمقراطية”
وفي ختام الحوار، أكد الفكي أن السودان لا يمكن أن يُحكم إلا بالديمقراطية والفيدرالية، معتبراً أن المركزية والحكم بالقوة العسكرية هما السبب الرئيسي في الأزمات التي تعيشها البلاد.
وقال إن السودان “بلد قارة” متعدد الشعوب والثقافات، ولا يمكن إدارته عبر “الحديد والنار”، داعياً إلى توزيع عادل للسلطة والموارد ومنح الأقاليم صلاحيات أوسع في الحكم والخدمات والتنمية.
وشدد على أن “الديمقراطية ليست خياراً ممكناً فقط، بل أصبحت إلزامية”، مضيفاً أن أي محاولة لتأجيلها ستقود البلاد إلى مزيد من الأزمات والانقسامات.
