السودان.. بين أنوار البدايات وإشراق النهايات

الجميل الفاضل يكتب:
​”من علامات النجاح في النهايات، الرجوعُ إلى البدايات”.
هو قولٌ لابن عطاء الله السكندري، الذي قال أيضًا: “من أشرقت بدايته، أشرقت نهايته”.
​لكن، كيف تُشرق نهايتُنا الآن بنجاح، كما أشرقت من قبلُ بداياتُنا بصلاحٍ مشهودٍ لا تخطئه عين؟ ذلك رغم غيوم الفساد وسحب الاستبداد التي تُلبّد سماءَ بلادنا في الوقت الراهن.
​للإجابة علي هذا السؤال، لا بد أن نعرف أولًا سرَّ إشراق تلك البدايات، قبل أن نفكر اليوم في نجاح مثل هذه النهايات.
ولعل من نبل البدايات ما سطره “خاليوت بن بعانخي” على مسلته بمعبد جبل البركل سنة 750 ق.م، قائلاً:
​”إنني لا أكذب، ولا أعتدي على ملكية غيري، ولا أرتكب الخطيئة، وقلبي ينفطر لمعاناة الفقراء.
إنني لا أقتل شخصاً دون جرمٍ يستحق القتل، ولا أقبل رشوةً لأداء عملٍ غير شرعي، ولا أدفع بخادمٍ استجار بي إلى صاحبه، ولا أنكح امرأةً متزوجة، ولا أنطق بحكمٍ دون سند، ولا أنصب الشراك للطيور المقدسة أو أقتل حيواناً مقدساً.
إنني لا أعتدي على ممتلكات المعبد، بل أقدم العطايا له؛ أقدم الخبز للجياع، والماء للعطشى، والملبس للعراة.
أفعل هذا في الحياة الدنيا، وأسير في طريق الخالق، مبتعداً عن كل ما يغضب المعبود؛ كي أرسم الطريق للأحفاد الذين يأتون بعدي في هذه الدنيا، وللذين يخلفونهم إلى الأبد”.
​هنا أيضا سران، استأهل بهما السودان أن يكون أول أرض هجرةٍ في الإسلام: إقامةُ مُلكٍ لا يُظلم عنده أحد، في أرضٍ نعتها نبينا الكريم بأنها “أرض صدق”. بالطبع هي ذات الأرض التي قال رجلٌ صالحٌ منها، هو الشيخ فرح ود تكتوك: “لو أن الصدق فيها لم يُنجِك، فإن الكذب لن يُنجيك بالمرة”.
​المهم، فإن “العدل” و”الصدق” قيمتان عليتان، لو لم يجد السودانيون سبيلاً لاستعادتهما أو الرجوع إليهما، فلن يُشرق لهم حال؛ لأن السر لم يكن يوماً في ظاهر الحكاية، بل في جوهرها: في “مُلكٍ لا يُظلم عنده أحد”، وفي “أرض صدق”.
​بيد أن الطريق، مهما التوى، لا ينسى بالضرورة مساره، والنور مهما احتُجب لا يموت.
ولذا، إن أردنا للنهايات أن تُشرق من جديد، فليس علينا أن نعود إلى الماضي ذاته، بل إلى “سرّه” الذي جعله مؤتلقاً.
​هنا، وفي مثل هذه اللحظة فقط، تبدأ النهايات في التوهج؛ لا كخاتمة رحلة، بل كبدايةٍ أخرى أكثر جمالاً، وعذوبةً، وصفاءً، وأشدَّ اقتراباً من الروح وسرها، الذي سيضفي -لا محالة- على وجودنا، وعلى ما به من علات، طعماً خاصاً ومعنىً عميقاً.