مصفوفة باكو.. هل تنجح شراكة السودان وأذربيجان في إنعاش الاقتصاد أم تبقى حبراً على ورق؟

الخرطوم ،الغد السوداني –  أمين محمد الأمين
​”بين طموحات الانفتاح على شركاء جدد كأذربيجان، ومخاوف بقاء الاتفاقيات الدولية ‘حبيسة الورق’، يقف الاقتصاد السوداني أمام مفترق طرق تاريخي. فبينما يرى أكاديميون في مصفوفة التعاون مع باكو ‘وثبة استراتيجية’ لربط مناطق الإنتاج بموانئ التصدير وتطهير قطاع التعدين، يحذر خبراء من استمرار ‘الجمود الإداري’ الذي قد يحول هذه الفرص إلى مجرد ‘سياحة إدارية’ مكررة. ‘الغد السوداني’ تفتح ملف التوجه شرقاً، وتستنطق الخبراء حول فرص بناء اقتصاد مرن يزاوج بين ‘الربط والسيادة’.”

مصفوفة باكو
وكانت قد انطلقت أمس الأول في العاصمة الأذربيجانية “باكو” أعمال اللجنة الفنية المشتركة، حيث قدم الوفد السوداني برئاسة وكيل وزارة النقل، مجدي محمد عبد اللطيف، مصفوفة مشروعات استراتيجية للجانب الأذربيجاني. وتركزت “خارطة الطريق” المقترحة على الطاقة، والبنية التحتية، والتعدين.

تحول جذري
اعتبرت عميدة كلية الاقتصاد بجامعة السودان العالمية، الدكتورة ماجدة مصطفى، أن وضع “قطاع الطرق” على رأس أولويات المصفوفة القومية بالتزامن مع الانفتاح نحو أذربيجان، يمثل تحولاً جذرياً في العقيدة التنموية السودانية نحو “الواقعية الجيوسياسية”، مؤكدة أن هذا التحرك يتجاوز التدابير المؤقتة ليلامس جوهر إعادة هيكلة الدولة.

​المسارات الهيكلية
وأوضحت د. ماجدة أن العائق التاريخي أمام الاقتصاد الوطني لم يكن نقص الموارد، بل “اختناق المسارات”. ووصفت إدراج قطاع الطرق في مصفوفة الاستثمار بأنه وثبة في التفكير الاقتصادي؛ إذ انتقل الهدف من رصف طرق داخلية إلى إنشاء “أحزمة لوجستية” استراتيجية تربط مناطق الثقل الإنتاجي بموانئ التصدير على البحر الأحمر.

الاستثمار النوعي
وأشارت إلى أن هذا التوجه يفتح الباب أمام الاستثمارات الأجنبية بنظام (BOT)، حيث يتحول الطريق من “خدمة عامة” إلى “أصل استثماري” جاذب لرؤوس الأموال الساعية لتأمين سلاسل الإمداد الغذائي والمعدني. وأكدت أن ربط الإنتاج بمنافذ الصادر هو الضمانة الوحيدة لتحويل الإمكانات الكامنة إلى تدفقات نقدية بالعملة الصعبة.

تنويع المحافظ
وبحسب عميدة كلية الاقتصاد، فإن التحرك نحو أذربيجان يعكس رغبة جادة في كسر احتكار “المانحين التقليديين”. واعتبرت التوجه شرقاً “تنويعاً للمحافظ الاستراتيجية” وبحثاً عن “شراكة الأنداد”؛ حيث تتوفر الخبرة التقنية في النفط والتعدين بعيداً عن الإملاءات الأيديولوجية، مما يمنح القرار السوداني هامشاً أوسع للمناورة الدولية.

​النمذجة المؤسسية
ودعت د. ماجدة لاستلهام التجربة الأذربيجانية في إدارة الموارد، لاسيما نموذج شركة “سوكار” وصندوقها السيادي (SOFAZ)، مؤكدة حاجة السودان لتبني “نموذج الحوكمة” الذي يفصل بين الملكية السياسية للموارد وإدارتها التجارية الفنية لضمان الاستدامة.

الاستخراج النظيف
وفي قطاع التعدين، رأت أن السودان يمكنه الاستفادة من تقنيات باكو في “الاستخراج النظيف” والخرائط الجيومغناطيسية لتعظيم عائدات الذهب، وتحويله من نشاط عشوائي مستنزف للبيئة إلى قطاع منظم يرفد الميزانية العامة بإيرادات مستقرة.

السيادة الاقتصادية
واختتمت الدكتورة ماجدة مصطفى إفادتها بالتأكيد على أن المزاوجة بين تطوير البنية التحتية والانفتاح على شركاء جدد، تعكس إدراكاً بأن مفاتيح النهضة تكمن في “الربط والسيادة”. وخلصت إلى أن السودان يمضي نحو بناء اقتصاد مرن لا يرتهن لجهة واحدة، بل يسعى لتحقيق مصلحة المواطن في كافة الاتجاهات.

حلقة وصل
وفي السياق أكدت الأكاديمية وخبيرة العلاقات الدولية، الدكتورة سهير أحمد صلاح، أن تطوير البنيات الأساسية، وفي مقدمتها قطاع الطرق، يمثل شرطاً جوهرياً لنهضة الأمم اقتصادياً؛ باعتبارها حلقة الوصل الحيوية بين مناطق الإنتاج والاستهلاك ومصادر المواد الخام. وأوضحت أن شبكات النقل قادرة على تغيير الأهمية الاستراتيجية للمدن، حيث ارتبط ازدهار الحواضر تاريخياً بمدى فاعلية مسارات العبور والربط اللوجستي.

الشركاء الجدد
وأشارت د. سهير إلى وجود دلالات سياسية واقتصادية عميقة لتوجه السودان شرقاً نحو “باكو” أو الصين وروسيا ودول شرق آسيا. وبينت أن دول الشرق، على نقيض القوى الغربية، لا تسعى لفرض نفوذ سياسي أو التدخل في الشؤون الداخلية، بل تركز على نماذج تعاون ناجحة قادرة على التكامل مع أفريقيا والسودان، خاصة في ظل امتلاك البلاد لموارد طبيعية ضخمة تجذب المستثمر الحقيقي الساعي لشراكات استراتيجية في الزراعة والصناعة والطاقة.

الاستقلال السياسي
واستدعت خبيرة العلاقات الدولية التجارب السودانية السابقة مع الشركاء الغربيين، مثل تجربة شركة “شيفرون” في السبعينات، والتي توقفت لأسباب سياسية محضة. وأوضحت أن حسابات الغرب ليست اقتصادية فحسب، بل تمتد لتشمل أبعاداً حضارية وفرض سيطرة، مما يجعل المنح والديون أحياناً أدوات لإضعاف اقتصاديات الدول. ومن هنا، اعتبرت أن البحث عن بدائل تحقق النهضة ورفاهية الشعب هو “قرار استراتيجي” يضمن استقلال القرار السياسي الوطني.

سلسلة الصناعات
وشددت د. سهير على أهمية التعاون في مجالات الطاقة، لاسيما التوليد الحراري والمائي والطاقة الشمسية، بالإضافة إلى الصناعات البتروكيماوية. وأكدت أن الجانب الأكثر حيوية يتمثل في إدارة وتطوير قطاع التعدين، حيث تمتلك أذربيجان خبرات عريقة في هذا المجال، مما يتيح فرصاً واسعة للتدريب وتبادل الخبرات الفنية.

تحرير المعادن
واختتمت الدكتورة سهير صلاح إفادتها بالتأكيد على أن الشراكة مع باكو ستسهم في فتح أسواق جديدة وخيارات متعددة لمنتجات قطاع التعدين، مما يساعد في تحرير هذا القطاع من الاحتكار في أسواق محددة، ويؤدي بشكل مباشر إلى إغلاق منافذ التهريب وحماية موارد الدولة الاستراتيجية.

رصيد ضخم
إلى ذلك وجه الخبير الاقتصادي، الدكتور الفاتح عثمان محجوب، انتقادات حادة لآلية تعامل الدولة مع الاتفاقيات الدولية، مؤكداً أن السودان يمتلك رصيداً ضخماً من بروتوكولات التعاون مع مختلف دول العالم، لكنه يفتقر للمقدرة الفعلية على تحويل هذه التفاهمات إلى واقع ملموس، واصفاً البيانات الصادرة في هذا الصدد بأنها “تقليدية” ولا تحمل جديداً.

​الفجوة التنفيذية
وأشار د. الفاتح إلى وجود هوة واسعة بين توقيع الاتفاقيات وتطبيقها؛ حيث اعتبر أن مثابرة بعض المسؤولين على حضور اجتماعات اللجان الوزارية المشتركة في الخارج تغلب عليها طابع “السياحة الإدارية” أكثر من كونها مساعٍ جادة لتنفيذ مشروعات قابلة للتطبيق، مما يجعل تلك الاتفاقيات مجرد وثائق حبيسة الأدراج.

​الجمود الإداري
وانتقد الخبير الاقتصادي نمطية الأداء الحكومي، لافتاً إلى أن البيانات الرسمية الصادرة عن مجلس الوزراء بخصوص هذه اللجان غالباً ما تأتي مكررة ولا تختلف عن سابقاتها، مما يعكس غياب الإرادة في تحديث الآليات المتبعة لتطوير العلاقات الاقتصادية الخارجية.

​التحديث الهيكلي
وشدد الفاتح عثمان على أن الدولة السودانية بحاجة ماسة لإحداث تحسينات كبرى في طريقة العمل الحكومي وتطوير البنية التحتية، فضلاً عن تحديث أدوات التواصل المالي مع النظام العالمي. وأكد أن هذه المشكلات هي العائق الحقيقي الذي يحول دون تحول الاستثمارات الدولية من مجرد وعود ورقية إلى مشروعات إنتاجية على أرض الواقع.

تحديات الراهن
إن التوجه شرقاً نحو شركاء جدد ليس مجرد خيار دبلوماسي، بل هو ضرورة تمليها تحديات الراهن وقسوة الواقع الاقتصادي. ومع وضع ‘مصفوفة باكو’ على الطاولة، يجد السودان نفسه أمام فرصة تاريخية لفك ارتهان الموارد واستعادة السيادة الاقتصادية، شريطة أن تسبق حركة ‘الآليات’ في الميدان ثورة في ‘العقلية الإدارية’؛ فالبناء يبدأ بقرار جريء، لكنه لا يكتمل إلا بتنفيذٍ يتجاوز حدود الورق والبيانات التقليدية.