طفل شايلو بندقية!: لماذا لم يصدق ابني الصغير ما يحدث في السودان؟
بروفيسور/ سيف الدين عبد الرحمن يكتب..
بالأمس، لم تكن الصورة التي رسمها الكاركتيرست هي الصدمة، بل كان رد الفعل، أرسلت لابني الصغير كاريكاتيرًا ساخرًا يصور طفل يحمل حقيبته المدرسية، في جيبه بخرة، و في يده بندقية، يمضي نحو قاعة امتحان تشبه ساحة معركة و أمه تدعو له التوفيق.
جاءني رده سريعًا، بسيطًا، و صادمًا “طفل شايلو بندقية!” ثم أردف “إنت ما عندك موضوع.” لم يكن اعتراضه سخرية، بل إنكارًا لما يحدث.
لكن ما لم يكن يعلمه ابني و ربما ما لم يعد كثيرون قادرين على تصديقه أن هذه الصورة ليست خيالًا خالصًا. إنها في أصلها، مستندة إلى واقعة حقيقية، حادثة تلميذ في امتحانات الشهادة السودانية في منطقة ود الحليو، ضُبط في حالة غش داخل قاعة الامتحان، فتم طرده، ليعود لاحقًا حاملًا بندقية، ناشرًا الرعب في أوساط التلاميذ و المعلمين معًا.
حين رسم الكاريكاتيرست هذا المشهد، لم يكن يبالغ بقدر ما كان يُكشف الحقيقة، لقد أخذ حادثة واقعية، و وضعها في إطار رمزي ساخر، طفل يذهب إلى الامتحان كما لو كان ذاهبًا إلى معركة.
رد ابني “إنت ما عندك موضوع” لم يكن حكمًا على الصورة، بل كان شهادة على المسافة بين عالمين، عالم ابني الذي يعيش بعيدًا عن جغرافيا الرعب ولا يزال يرى الطفولة كمساحة للبراءة،
و عالم آخر انكسرت فيه هذه المساحة بالكامل.
الحادثة في ود الحليو ليست مجرد واقعة فردية، بل عرض لمرض أعمق، حين يحمل تلميذ بندقية ليعود بها إلى قاعة امتحان، فإن المشكلة لا تكمن في سلوك فردي منحرف، بل في بيئة أصبح فيها السلاح لغة متاحة و مفهومة.
هذا هو السياق الذي يجعل الحديث عن تجنيد الأطفال أكثر إلحاحًا و خطورة، تقارير منظمات دولية مثل هيومنرايتس و اليونسيف تشير بوضوح إلى أن الأطفال في مناطق النزاع في السودان لا يُدفعون فقط إلى هامش الحياة، بل إلى قلب العنف ذاته كمقاتلين، أو مساعدين.
و في هذا السياق، لا تبدو حادثة الطالب الذي عاد ببندقية شذوذًا، بل امتدادًا مأساويًا لمنطق بدأ يتسلل أن السلاح ليس غريبًا عن حياة الطفل.
فالكاريكاتيرست هنا لم يخلق الفكرة، بل كشفها، لم يختلق الواقع، بل أعاد ترتيبه في صورة واحدة صادقة، صادمة، و مؤلمة.
ربما كان ابني على حق بطريقته، ليس لأن الكاريكاتير بلا موضوع، بل لأن الواقع نفسه فقد منطقه، و حين يفقد الواقع منطقه، يصبح تصديقه عبئًا ثقيلا.
فبين كاريكاتير يروي الحقيقة، و طفل يرفض تصديقها، يقف السودان اليوم حائرا لأن الواقع أصبح يشبه الخيال،
و الخيال أصبح أقرب إلى الحقيقة من أي وقت مضى و بإستمرار الحرب فإننا لا نفقد جيلاً واحدًا، بل نفقد فكرة الطفولة ذاتها.
