“ممنوعون من الوداع الأخير”… كيف تحرم الغارات الإسرائيلية لبنانيين من دفن موتاهم في أرض الأجداد؟
في الحروب، لا يُقاس الألم بعدد القتلى فقط، بل بما يُحرم منه الأحياء. في جنوب لبنان، لم تعد المأساة تقتصر على الفقد، بل امتدت لتسلب العائلات حقها الأخير: دفن موتاها في أرض الأجداد.
في أحد أحياء بيروت، تقف عائلة صباغ أمام قبور مؤقتة، كأنها محطة عبور لا نهاية لها. الأم التي قُتلت في غارة جوية، والابن الذي استغرق العثور على جثمانه يومين، لم يُدفنا حيث يجب أن يكونا—في النبطية، حيث تمتد جذور العائلة، وحيث تنتظر قبور الأجداد أبناءها.
يقول وائل، أحد أفراد العائلة – بحسب رويترز، بصوت يختلط فيه الغضب بالعجز: “نحن من الجنوب… من النبطية، لكننا لا نستطيع العودة. كيف نودعهم؟ كيف نتركهم هنا؟”.
الحداد المؤجل
تحوّلت طقوس الدفن في جنوب لبنان إلى ترف مستحيل. مئات العائلات، وربما آلاف، تعيش حالة “حداد مؤجل”، حيث يُدفن الموتى مؤقتًا في بيروت أو مناطق أكثر أمانًا، على أمل العودة يومًا ما لنقل الرفات إلى مثواها الأخير.
لكن هذا “اليوم” يبدو بعيدًا.
النبطية، المدينة التي كانت تنبض بالحياة، تحوّلت إلى ركام. الطريق إليها لم يعد مجرد مسافة جغرافية، بل رحلة محفوفة بالموت. القصف المستمر يجعل حتى فكرة إرسال شخص لدفن الموتى مغامرة قد تنتهي بجنازة جديدة.
جغرافيا الموت
منذ تصاعد المواجهات، أعلنت إسرائيل نيتها فرض منطقة عازلة بعمق يصل إلى 30 كيلومترًا داخل الأراضي اللبنانية، ما جعل الجنوب ساحة مفتوحة للغارات.
النتيجة لم تكن فقط دمارًا عمرانيًا، بل تفكيكًا للعلاقة بين الناس وأرضهم—حتى في الموت.
وفق السلطات اللبنانية، قُتل أكثر من 2160 شخصًا خلال أسابيع، فيما نزح أكثر من 1.2 مليون. أرقام ضخمة، لكنها لا تروي القصة كاملة: قصة الأمهات اللواتي لم يُودعن، والأبناء الذين لم يُشيّعوا، والقبور التي بقيت فارغة.
“رحلة أخيرة” مستحيلة
العائلة التي فقدت الأم والابن لم تواجه فقط صدمة الفقد، بل تعقيدات إضافية: العثور على الجثامين وسط الركام
التعرف على الضحايا بوسائل بدائية، مثل وشم على الذراع
ترتيب نقل جثمان عاملة المنزل إلى إثيوبيا
لكن التحدي الأكبر بقي: كيف يُعاد الموتى إلى الجنوب؟
الإجابة حتى الآن: لا يمكن.
تقول العائلة إنها تفكر في اتخاذ إجراءات قانونية ضد المسؤولين عن مقتل أفرادها، لكن العدالة تبدو بعيدة بقدر بعد النبطية نفسها.
في المقابل، تبقى الذاكرة هي الملاذ الوحيد.
يقول علي، شقيق الضحايا، وهو ينظر إلى موقع المنزل المدمر حيث بدأ عمال البناء بالفعل تشييد مبنى جديد: “عد بعد بضع سنوات… سيكون هناك مبنى جديد، أطفال جدد… لكن من سيتذكر؟”.
دورة لا تنتهي
الحرب في لبنان ليست حدثًا طارئًا، بل دورة متكررة من الدمار وإعادة البناء. الجديد هذه المرة ليس حجم القصف فقط، بل عمق الأثر الإنساني: حرمان الناس من أبسط حقوقهم—وداع موتاهم كما يليق.
في هذا البلد، لا يُدفن الموتى دائمًا حيث ينتمون. أحيانًا، يبقون معلقين بين مدينتين، بين حربين، وبين ذاكرة لا تجد مكانًا تستقر فيه.
