
أزمات متشابكة: كيف يواجه السودان تأثيرات تغيير العملة في ظل الحرب؟
في ظل أزمة اقتصادية متفاقمة، تعاني السودان من تداعيات تغيير العملة الذي أطلقته الحكومة في محاولة للحد من تزوير العملات وإعادة الثقة بالنظام المصرفي. إلا أن الخطوة، التي تكلفت ما يزيد عن 600 مليون دولار، أثارت جدلاً واسعاً وتسببت في تعقيد المشهد الاقتصادي المتدهور أصلاً بسبب الحرب المستمرة منذ أبريل 2023.
- تغيير العملة: خطوة في زمن الانقسام
أعلنت الحكومة السودانية ممثلة ببنك السودان المركزي تغيير العملة المحلية بهدف استعادة السيطرة على الكتلة النقدية، وتقليل تداول الأموال المزورة التي تزايدت بعد سرقة كميات ضخمة من العملات أثناء النزاع. ومع ذلك، قوبلت هذه الخطوة برفض حاد من قوات الدعم السريع، التي أصدرت بيانات تمنع التعامل بالعملة الجديدة في المناطق التي تسيطر عليها.
تسببت هذه الأزمة في انقسام العملات داخل البلاد، حيث باتت ثلاث عملات رئيسية مبرأة للذمة: الجنيه السوداني الجديد، الجنيه القديم، بالإضافة إلى عملات أجنبية مثل الفرنك التشادي وجنيه جنوب السودان، اللذين أصبحا بدائل حتمية في مناطق دارفور وكردفان.
- أزمة السيولة: بين الركود والمخاوف
في ظل ندرة العملة الجديدة، ظهرت أزمة حادة في السيولة النقدية. في المناطق الواقعة تحت سيطرة الحكومة، حددت البنوك سقفاً منخفضاً للسحب النقدي اليومي، لا يتجاوز 100 ألف جنيه. أما في مناطق سيطرة الدعم السريع، فقد فاقمت الحرب الوضع، حيث تعاني الأسواق من نقص السيولة وارتفاع رسوم التحويل من التطبيقات البنكية إلى مستويات تصل إلى 30%.
- تداعيات اجتماعية واقتصادية
أثرت هذه الأزمة بشكل مباشر على حركة التجارة، حيث لجأ المواطنون في المناطق النائية مثل شرق دارفور إلى المقايضة كبديل نقدي، بينما ارتفعت أسعار السلع الأساسية بشكل جنوني. يقول بابكر إسماعيل، أحد سكان دارفور لـ”الغد السوداني”: “أصبحت عمولة التحويلات عبئاً إضافياً على المواطنين، وارتفعت أسعار المحاصيل رغم وفرتها بسبب غياب النقد.”
في المقابل، أصبحت العملات الأجنبية مثل الفرنك التشادي هي الوسيلة الأساسية للتعامل في مناطق غرب دارفور، في ظل رفض الإدارة المدنية الحاكمة التعامل بالجنيه السوداني الجديد. ويؤكد حسن الدومة من الجنينة في حديثه لـ”الغد السوداني” أن “الألف فرنك تشادي يعادل 18 ألف جنيه نقداً أو 21.5 ألف جنيه عبر التحويلات الإلكترونية.”
- تصاعد الجدل حول شرعية التعامل بالعملة الجديدة
أثار قرار تغيير العملة جدلاً دينياً واقتصادياً. البعض اعتبره ضرورياً لضبط الاقتصاد، بينما وصف آخرون الإجراءات بأنها غير كافية لمعالجة الأزمة، خاصةً أن الكميات المطبوعة من العملة الجديدة لا تغطي الحاجة الفعلية.
أوضح المصرفي عبد العظيم محمد أحمد، في حديثه لـ”الغد السوداني” أن البنوك فشلت في تحريك الاقتصاد بسبب النقص الحاد في النقد الجديد. وأضاف: “النظام المصرفي السوداني يعاني انهياراً كاملاً، مما يجعل الحلول التقليدية غير كافية.”
- الدعم السريع: قانون خاص ومخاوف من تقسيم السودان
على الجانب الآخر، اعتبرت قوات الدعم السريع تغيير العملة محاولة لتقسيم السودان، وأعلنت قانوناً يمنع التعامل بالعملة الجديدة. وأكدت في بيان رسمي أن تداولها يعرض المواطنين للمساءلة القانونية، بينما لجأت إلى صرف رواتب عناصرها بالدولار كبديل للعملة المحلية.
- الاقتصاد في مهب الريح
ساهمت الحرب والانقسام السياسي في تحويل الاقتصاد السوداني إلى ساحة من الأزمات. قبل اندلاع الحرب، كانت 95% من الكتلة النقدية خارج النظام المصرفي، وهو ما دفع الحكومة إلى تغيير العملة لإعادة تلك الأموال إلى البنوك. إلا أن التحديات الأمنية والاقتصادية، إضافة إلى ضعف البنية التحتية المصرفية، زادت من تعقيد الوضع.
في الأسواق الشمالية والشرقية، أدى نقص السيولة إلى ركود تجاري حاد، حيث أصبح التجار يتجنبون البيع والشراء بسبب انعدام الكاش. كما حذر المصرفيون من تأثير الأزمة على النشاط التجاري، مشيرين إلى أن معظم الحركة الاقتصادية باتت تتم عبر التطبيقات الإلكترونية، مما يعمق معاناة من لا يملكون حسابات مصرفية.
- ماذا بعد؟
مع استمرار الأزمة، يطالب المواطنون بإجراءات عاجلة من الحكومة لتوفير السيولة وضمان استقرار الأسواق. يشير علاء الدين إسحاق من الجزيرة في حديثه لـ”الغد السوداني” إلى أن الوضع أصبح لا يُحتمل، حيث يضطر المواطن لدفع عمولات باهظة للحصول على الكاش، في وقت ترتفع فيه أسعار السلع الأساسية مثل السكر إلى مستويات غير مسبوقة.
وفي الوقت الذي تتصاعد فيه معاناة المواطنين، تبقى الأسئلة مفتوحة حول قدرة الحكومة على تحقيق الاستقرار الاقتصادي، وسط انقسام سياسي وعسكري عميق، وعراقيل تفرضها قوات الدعم السريع على مناطق واسعة من البلاد.
يظل السودان في عين العاصفة الاقتصادية، حيث يتحمل المواطن العبء الأكبر في مواجهة تداعيات أزمة السيولة والانقسام المتزايد في العملة. وبينما تسعى الحكومة لتحقيق أهدافها من تغيير العملة، يبدو أن الطريق نحو الاستقرار ما زال طويلاً وشاقاً.