وهل ثمة نصف فارغ في هذا الكوب؟
الجميل الفاضل يكتب من رواندا:
ليست هذه الأرض كتلةً من الطين تدور في فراغ، ولا مسرحًا صامتًا تعبره الكائنات ثم تمضي؛ إنها كتاب مفتوح على عوالم متداخلة، تتعانق في بعض أسرارها أجنحة الملائكة، وخطى الإنس، وأصداء الجن، بينما تجري على أديمها معركة لا تراها الأبصار، وإن كانت تترك آثارها في كل شيء.
هي تتروحن حين يخفّ فيها ثقل المادة تحت وطأة الروح، وحين يعلو ذكر الله على ضجيج الأهواء، وعندما تتشابك فيها أنفاس الصالحين من الإنس والجن على محبة الحق.
بيد أنها تتشيطن أيضًا حين تتعاضد إرادات الشر، وحين تتحالف شياطين الإنس والجن على صناعة الغواية، وعلى زخرفة الأكاذيب لإلباس الباطل أثواب الحق.
ليس ما أقوله هنا محض استعارة؛ فقد كشف القرآن عن هذا التداخل في قوله تعالى:
﴿شَيَاطِينَ الْإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾.
هكذا لا يبقى الشر مجرد نزوة عابرة تنبعث من صدر إنسان يتكلم، بل قد يتحول الشر إلى مناخ عام، وقد يستحيل أحيانًا نظامًا يتنفسه الناس جلهم، وتثقل به الأمكنة، وتستوحش تحت ظلاله الحياة.
فالشيطنة كما أراها: ليست دائمًا قرونًا وأنيابًا؛ إذ قد ترتدي ربطة عنق، وتجلس على عرش، وقد تتحدث على منصة بودكاست، فيما هي تزرع مزيدًا من الدمار والخراب على الأرض، بأثر مثل هذه التنزلات الشيطانية التي صوب نحوها تعالى، بقوله:
﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَىٰ مَن تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ تَنَزَّلُ عَلَىٰ كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ﴾.
لكن للطين كذلك ذاكرة أخرى، وللأرض وجهها الذي لا تحجبه الظلال.
هناك، في ذات الضفة المستورة من الوجود، جنٌّ سمعوا القرآن فقالوا:
﴿إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ﴾.
وهناك ملائكة سياحون في الآفاق، يلتمسون مجالس الذكر، تحفّ أجنحتهم مواطن السكينة والاستقامة والوقار، قبل أن تتنزل بشائرهم على قلوب أضناها الخوف، لتسترد من دياجير هذا الليل شيئًا من ضياء اليقين، الذي لخصه سبحانه في قوله:
﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾.
فأيُّ أرض هذه التي تتجاور في غيبها عوالم التسبيح والوسوسة، وتتنازع على وجهها آثار النور والظلام؟
وأيُّ سرٍّ يجعل بقعةً من ترابها أضيق من زنزانة، فيما تتحول رقعة أخرى، بذكر الله ومحبة خلقه، إلى فسحة لا تحدها حدود؟
لعل الأرض لا تتغير في جغرافيتها، لكنها تتغير في روحها؛ فما يُسكب عليها من ظلم يثقل طينها، وما يُسكب على أديمها من رحمة ربما يخفف عنها كثافة مادتها.
وهنا يصبح الإنسان أكثر من عابر سبيل مشى فوق ترابها.
فبعض الناس يتركون وراءهم مدنًا تتشح بالسواد، وبعضهم يتركون في أكثر الأمكنة وحشةً نافذةً للضوء. بعضهم يوسّع رقعة الجحيم بأطماعه، وبعضهم يفتح في جدار الأرض كوةً للرحمة بصدقة، أو بدعائه، أو بقلب أبيض يحمله لا يعرف ضغينة.
المهم، ليس السؤال إذن عن العوالم التي تسكن معنا هذا الكوكب فحسب، إنما عما يمكن أن نضيفه نحن أنفسنا إلى عوالمها الخفية تلك؛ أيُّ أثر سنتركه على طينها؟ وأيُّ رائحة تحملها خطانا القصيرة إلى أبعد منها؟
وللحقيقة، فالأرض التي تتنازعها وساوس الشيطان ونفحات الإيمان، لا تحتاج إلى مزيد من الذين يتناوشونها، بقدر ما تحتاج إلى الذين يطهّرون قلوبهم ومواضع أقدامهم عليها.
فما بين الطين والملكوت، لا تُقاس إقامة الإنسان بما يتركه من آثار أقدام، لكن بما يتركه من أثر في روح هذه الأرض ذاتها، وعلى خصائصها كلها، مادية وغير مادية.
