سرديات

لِمَ تؤرق هذه الروايةُ مضجعي؟ لمَ كلما قرأتُها ازدادت إليَّ قرباً، وكأنها شيءٌ مني وشيءٌ منك؟
شيء عجيب

إدفنوني في جزيرة النجوم..
هكذا كتب الرجلُ العجوزُ وصيتَه، حين دنا أجلُه..

يشيد نقاد كثر بالطفرة التي حققها الأدب الكوري بعد الحرب، والتي لم تنته بين شقي الجزيرة الى يومنا هذا..الحرب لم تنته بين الكوريتين، ولكن صمتت لعلعة البنادق بينهما، بموجب هدنة هشة، وقع عليها الطرفان في ٢٧ يوليو من عام ١٩٥٣، ولم تكن اتفاقية سلام..فالفرق بين اتفاقية هدنة واتفاقية سلام كبير..وعلى تداعيات هذه الهدنة، كتبت رواية، تعد هي الاولى في قائمة الأدب الحديث، الذي ظهر في كوريا بعد الحرب..رواية *جزيرة النجوم* تحولت إلى فيلم في التسعينيات، شاهدته من قبل، ثم قرأت الرواية لاحقا، فتأكدت بنفسي من الطفرة التي حققها الأدب الكوري كما يقول النقاد..

مؤلف الرواية هو كاتب كوري اسمه: *إيم تشول-وو*
*Im Chul-woo*
ويميزه النقاد عن الآخرين، لأن معظم الكتاب الكوريين بعد الحرب، كانت اعمالهم تدور حول فكرة هاحدة هي أن الشمال شرير، والجنوب بطل، أو العكس.

أما *إيم تشول* فكان أول كاتب كوري يجرؤ على القول:

*”نحن، الكوريون العاديون، قتلنا بعضنا بعضاً. لسنا ضحايا فقط، نحن أيضاً مجرمون.”*

لهذا، مُنعت رواياته لفترة طويلة في كوريا، واعتُبرت خطيرة. لأنها كانت تفضح المجازر التي ارتكبها الجيش الكوري الجنوبي نفسُه ضد شعبه، مثل مجزرة الجزيرة التي جاءت في الرواية، وهي مجزرة حقيقية حدثت في عدة جزر كورية، ولم تعترف بها الحكومة الكورية إلا بعد سنة 2000…

مركب صغير يتهادى على صفحة البحر كمقطع شعر باك..في جوفه يحمل شابين، أحدهما شاعر، وبينهما تابوت، في داخله والد الشاب غير الشاعر ..الشاب يمسك في يده وصية والده المطالبة بدفنه في جزيرة النجوم..المركب يبحر ببطء نحو الجزيرة التي تتلألأ فيها النجوم في سمائها، فيزداد حزن الشابين، لأن النجوم تقول لهما ما لم تقله الكتب…

هناك روايات تُقرأ، وهناك روايات تُدفن. رواية *”إلى جزيرة النجوم”* للكاتب الكوري *إيم تشول-وو* تنتمي إلى النوع الثاني. هي ليست رواية عن الحرب الكورية، بل رواية عن ما بقي بعد الحرب، عن جثة لا تجد قبراً، وعن قرية لا تجد غفراناً.

صدرت الرواية في زمن كانت فيه كوريا قد بدأت تتنفس أخيراً بعد عقود من الديكتاتورية والرقابة. كان الكوريون قد سمعوا كثيراً عن بطولات الجنود، وعن مجازر العدو، لكنهم لم يسمعوا أبداً عن المجازر التي ارتكبوها بأيديهم. جاء إيم تشول-وو، ابن الجزر الجنوبية، ليكتب الرواية التي لم يجرؤ أحد على كتابتها. وبعدها بسنوات، حوّلها المخرج *بارك كوانغ-سو* إلى فيلم سنة 1993،فصار الفيلم بدوره علامة من علامات السينما الكورية الجديدة.

تبدأ الرواية في سيول، في فصل الشتاء. يموت رجل عجوز اسمه *مون دوك-باي*..يموت وحيداً، منسياً بعد أن يترك وصية أخيرة كتبها بيد ترتجف: *ادفنوني في جزيرة كويسونغ، الجزيرة التي وُلدت فيها..*

ابن الرجل العجوز واسمه *مون جاي-غو* يحمل التابوت، ويرافقه صديقه الشاعر *كيم تشول*.. الشابان يركبان قارباً صغيراً نحو الجزيرة. القارب هو المسرح الأول للرواية. البحر هادئ، والسماء رمادية، والشابان صامتان. كل واحد منهما يعرف أن هذه الرحلة ليست رحلة دفن، بل هي رحلة محاكمة.

عندما يقترب القارب من الشاطيء، يخرج أهل الجزيرة كلهم إلى الشاطئ. لا يستقبلوا التابوت ومن بداخله بل ليمنعوا من دخول التابوت الى الجزيرة..فيسدون الطريق وفي أيديهم عصي وحجارة…يتقدم كبير القرية ويقول لمن في المركب: *هذا الرجل لا يدخل جزيرتنا، لا حياً ولا ميتاً*..

هنا تتوقف الرواية عن أن تكون حكاية دفن، وتتحول إلى حكاية ذاكرة. لماذا يكره أهل جزيرة صغيرة، رجلاً ميتاً، كلَّ هذا الكره، بعد أربعين سنة من موته؟

يعود الروائي إيم تشول-وو أربعين سنة إلى الوراء، ليرسم صورة الجزيرة قبل الحرب. جزيرة كويسونغ لم تكن جنة، لكنها كانت هادئة. أهلها صيادون، يعيشون على السمك والأرز. لا حكومة، لا شرطة، لا إيديولوجيا. فقط معبد صغير، ومدرسة صغيرة، وصراع قديم بين عائلتين على قطعة أرض وبئر ماء.

في الجزيرة ثلاثة أصدقاء أكثرهم ذكاء هو والد كيم تشول، (صاحب التابوت) ..كان الرجل كذلك أكثر الأصدقاء طموحاً وقسوة. كان يريد أن يملك القوارب، وأن يصير كبير الجزيرة. وكان يرى أن أهل الجزيرة سُذّج.

*الحرب لم تخلق الحقد في الجزيرة. الحرب فقط أعطت الحقد سلاحاً.* هكذا تقول الرواية التي يصبح فيها الجار قاضياً وجلاداً

في صيف 1950، وصلت الحرب الكورية إلى الجزيرة (جزيرة النجوم).. جاء جنود الشمال وقالوا: نحن حررناكم. ثم جاء جنود الجنوب وقالوا: نحن حررناكم. أهل الجزيرة لم يفهموا شيوعية ولا رأسمالية. كان سؤالهم الوحيد: من سيأخذ أرزنا من الحقول؟ ومن سيقتل أبناءنا؟

هنا يلعب الرجل العجوز لعبته الشيطانية. يعرف أن القوميين سيعودون وهم أقوى، فيذهب إليهم سراً، ويطلب منهم مجموعة من الجنود، يلبسونهم ملابس الجيش الشعبي (الشمالي) ، ويتركونه يتصرف.

وفي ليلة مظلمة، يدخل الجنود المتنكرون، ويرفعون أعلام الشمال، ويجمع العجوز مون دوك-باي أهل الجزيرة في ساحة المعبد، ويقول لهم بصوت حنون: لقد جاء جيش الشعب ليخلصكم من الخونة. من يعرف خائناً فليقل الآن، وسنحميه. لا تخافوا.

وبدأ الناس يتكلمون. واحد يقول: جاري كان يخفي أرزاً. وآخر يقول: فلان كان يتعامل مع الجنوب. وثالث يقول: ابن عمي كان يقرأ جريدة قومية. كانوا جائعين وخائفين، فوشوا بجيرانهم واحداً بعد واحد، كأنهم يتسابقون على الخيانة.

*وكان مون دوك-باي يكتب الأسماء في دفتر صغير، وهو يبتسم*…

وفي الصباح، خلع الجنود ملابسهم، وكشفوا عن حقيقتهم: نحن لسنا جيش الشعب، نحن الجيش القومي. وهذه القائمة التي كتبتموها بأيديكم هي قائمة الإعدام.

بدأت المجزرة. قُتل العشرات في نفس الساحة، أمام زوجاتهم وأبنائهم، بأيدي الجنود، وبوشاية الجيران.

هذه هي اللحظة المركزية في الرواية كلها. الروائي *إيم تشول-وو* لا يتهم الجنود. الجنود ينفذون أوامر. هو يتهم الدفتر الصغير. يتهم اللحظة التي صار فيها الإنسان العادي، الجائع والخائف، قاضياً على جاره.

ومن يومها، انقسمت الجزيرة إلى نصفين: نصف قتل، ونصف وشى. ولا أحد يستطيع أن ينظر في وجه الآخر. فالذنب لا يموت..

بعد المجزرة، هرب العجوز مون دوك-باي إلى سيول، وصار غنياً، واشترى بيوتاً وقوارب. لكنه لم ينم ليلة واحدة مرتاحاً.

وهرب كيم تشول أيضاً وهو والد الشاعر لكنه هرب لسبب آخر. هو لم يوشِ، لكنه لم يدافع. كان واقفاً في الساحة، يسمع، ولم يفعل شيئاً. وهذا الذنب، في منطق الرواية، أثقل من الوشاية نفسها. لأن الذي وشى كان خائفاً، أما الذي سكت فقد كان شاهداً.

أما الذين بقوا في الجزيرة، فقد عاشوا أربعين سنة في صمت. دفنوا موتاهم، وتزوجوا، وأنجبوا، وصلوا في نفس المعبد الذي قُتل فيه أهلهم. لكنهم لم يتكلموا أبداً عما حدث. كأنهم اتفقوا على الكذب الجماعي.

ولهذا، عندما عاد التابوت، انفجر كل شيء. لأن عودة الجثة تعني أن عليهم أن يتكلموا أخيراً. ودفن الأب في الجزيرة يعني أنهم سامحوه. وهم لا يستطيعون أن يسامحوه، لأنهم إذا سامحوه، فيجب أن يسامحوا أنفسهم أولاً، وهو أمر يستحيل تنفيذه..

في نهاية الرواية ، يحاول الابن أن يدفن أباه سراً في حفرة صغيرة على طرف الجزيرة؛ فيكتشفه أهل الجزيرة، فيحفرون القبر، ويخرجون التابوت، ويعيدونه إلى القارب.

تنتهي الرواية بنفس الصورة التي بدأت بها: القارب في البحر، والتابوت في الوسط، والجزيرة بعيدة، والنجوم فوقها.

وفي الجملة الأخيرة، والتي صارت شهيرة في كوريا، يقول الشاعر كيم تشول لصديقه وهو ينظر إلى الجزيرة: ” *نحن لم نعد نريد أن نذهب إلى تلك الجزيرة*. *نحن نريد فقط أن نستطيع أن ننظر إليها من بعيد، بلا خوف*.”

عظمة رواية “إلى جزيرة النجوم”
To The Starry Island
ليست في أنها رواية حرب، بل في أنها رواية ما بعد الحرب..أي رواية تداعيات الحرب..

أدب الانقسام الكوري عادة يسأل: من انتصر؟ هذه الرواية تسأل سؤالاً أخطر: من الذي جعلنا نكتب أسماء جيراننا في دفتر الموت؟

هي لا تقول إن الشمال قتل الجنوب، أو الجنوب قتل الشمال. هي تقول إن الإنسان العادي، عندما يجوع ويخاف، يتحول إلى وحش، إذا أعطاه أحد ما. قلماً وقال له: اكتب اسم عدوك..

ولهذا غهي في ظني رواية مرعبة أكثر من أي رواية حرب. لأنها لا تتكلم عن جنود في الجبهة، بل تتكلم عنا نحن، عن الجيران، عن الأصدقاء، عن العائلات.

والفيلم المقتبس عنها، لم يخفف من هذه القسوة، بل صور المخرج الجزيرةً بلا رومانسية، بلا نوستالجيا، بفقرها وعنفها وذكوريتها. المخرج في السيناريو، جعل الزمن يقفز بين الحاضر والماضي بلا إعلان، كأن الماضي لا يزال يعيش في الحاضر، وهذا هو بالضبط شعور الكوريين تجاه الحرب الكورية حتى اليوم.

“إلى جزيرة النجوم” هي في النهاية جنازة لم تتم.. جنازة أب، وجنازة جزيرة، وجنازة أمة كاملة، لم تستطع بعد أن تدفن موتاها، لأنها لم تستطع بعد أن تواجه حقيقتها.

والنجوم التي في العنوان ليست نجوم السماء. إنها النجوم التي يراها الإنسان عندما يبقى طوال الليل في قارب، بين البحر واليابسة، لا هو في الأرض، ولا هو في السماء، ينتظر قبراً في البر لن يأتي.

الجزيرة الحقيقية لا اسمها جزيرة النجوم، ولا فيها نجوم أكثر من غيرها. اسمها في الرواية *كويسونغ*، وهي جزيرة صغيرة، فقيرة، معزولة، في جنوب كوريا. أهلها صيادون لا ينظرون إلى السماء، بل ينظرون إلى البحر.

لذلك لنا أن نتساءل لماذا سماها الروائي *إيم تشول-وو* *”جزيرة النجوم”*؟ ولماذا سماها مخرج الفيلم بنفس الاسم: *”أريد أن أذهب إلى تلك الجزيرة”*؟

رمزية النجوم في الرواية كما فهمتها، لم يستطع مخرج الفيلم ان يظهرها ويفسرها للمشاهد، بل تجاهل ذلك..فالنجوم في الرواية مهمة جدا:

– *النجوم هي ذاكرة الطفولة*

عندما كان *كيم تشول* صاحب التابوت و *مون جاي-غو* والد الشاب الشاعر، أطفالاً، قبل الحرب، كانا ينامان على شاطئ الجزيرة في الصيف، وينظران إلى السماء.

الجزيرة لم يكن فيها كهرباء. في الليل، كانت السماء سوداء تماماً، والنجوم كانت قريبة جداً، كأنك تستطيع أن تلمسها بيدك.

بالنسبة للطفل، الجزيرة كانت هي الجنة، لأن النجوم كانت فوقها فقط. كانوا يسمونها بينهم: جزيرة النجوم.

عندما كبرا وهربا من الجزيرة بعد المجزرة، بقيت النجوم في ذاكرتيهما هي الصورة الوحيدة النظيفة. كل شيء آخر في الجزيرة تلوث: المعبد الذي صار ساحة إعدام، والساحة التي صارت مقبرة، والجيران الذين صاروا وشاة.

النجوم وحدها لم تتلوث، لأنها كانت في السماء، بعيدة عن أيدي البشر.

لهذا عندما يقول الأب في وصيته: ادفنوني في جزيرة النجوم، فإنه لا يقصد الجزيرة الحقيقية التي قتل فيها الناس. بل يقصد جزيرة طفولته، الجزيرة التي كانت قبل أن يعرف الحقد.

هو يريد أن يُدفن في الذاكرة، لا في الأرض.

– *النجوم هي الشهود الذين لم يتكلموا*

في ليلة المجزرة، في الرواية، هناك جزئية صغيرة قد تفوت على الكثيرين مع انها هي قلب الرواية:

عندما كان الجنود يقتلون الناس في ساحة المعبد، كانت السماء صافية، والنجوم تنظر إليهم.

لم يطفئ أحد النجوم. لم يبكِ أحد من السماء. النجوم بقيت مضيئة، باردة، صامتة.

الروائي يقصد هنا شيئاً قاسياً: النجوم رأت كل شيء، ولم تفعل شيئاً. مثل كيم تشول، والد الشاعر الذي كان واقفاً في الساحة، يرى، ولا يفعل شيئاً.

النجوم في الرواية هي رمز *الشاهد الصامت*. هي نحن، عندما نرى الجريمة ونصمت.

ولهذا، أهل الجزيرة يكرهون النجوم بعد الحرب. لأنهم كلما نظروا إلى السماء في الليل، تذكروا أن النجوم كانت هناك في ليلة المجزرة، ورأتهم وهم يوشون بجيرانهم، ولم تمنعهم.

النجوم صارت بالنسبة لهم ليست جمالاً، بل اتهاماً…

– *النجوم هي كوريا المقسومة نفسها*

في الفيلم، المشهد الأخير ليس في الجزيرة، بل في القارب. القارب في وسط البحر، في الليل. من بعيد، ترى أضواء الجزيرة الصغيرة، وترى نجوم السماء. لا تستطيع أن تفرق بينهما. أضواء البيوت تشبه النجوم، والنجوم تشبه أضواء البيوت.

الروائي يقول لك بصورة واحدة: كوريا كلها صارت جزيرة نجوم. الشمال والجنوب، كل واحد منهما يلمع من بعيد، لكن لا يستطيع أن يصل إلى الآخر. مثل نجمين في السماء، قريبان في النظر، وبعيدان في الحقيقة بملايين السنين الضوئية.

النجوم لا تلتقي أبداً. كل نجمة وحيدة، في ظلامها.

وهذا هو الانقسام الكوري: شعب واحد، ينظر إلى بعضه بعضاً من بعيد، كأنه ينظر إلى النجوم، يعرف أنهما من نفس السماء، لكنه لا يستطيع أن يلمس الآخر.

حين اختار الروائي حزيرة النحوم عنوانا لروايته اراد أن يقول لنا في ظني:

الجزيرة التي نريد أن نذهب إليها لا توجد على الخريطة. هي الجزيرة التي كانت قبل الخيانة، قبل الدفتر، قبل المجزرة. جزيرة الطفولة التي كانت النجوم فيها قريبة.

أما الجزيرة الحقيقية، التي بعد الحرب، فلم تعد جزيرة نجوم، بل صارت جزيرة أشباح. أهلها أحياء، لكنهم يعيشون تحت سماء من النجوم التي تتهمهم كل ليلة.

لذلك نجد أن الشاعر يقول لصديقه:

_”*نحن لم نعد نريد أن نذهب إلى تلك الجزيرة. نحن نريد فقط أن نستطيع أن ننظر إليها من بعيد، بلا خوف*.”

إنه يقول: نحن لا نريد أن نعود إلى الماضي، نحن نريد فقط أن نستطيع أن ننظر إلى السماء في الليل، بلا ذنب، بلا خوف من أن النجوم ترانا وتعرف ما فعلناه.وهكذا يا سادتي تبقى هذه الرواية بعبعا يقلق مضجعي، وتقترب مني أكثر كلما قرأتها، عكس ما هو الحال للفيلم الذي اختزل بعض المواقف (كرمزية النجوم كما ارادها الروائي) فجاء ذلك خصما على متعة القراءة!