21 دولة و 5 منظمات.. فأين السلام؟ السودان بين ضجيج المؤتمرات و وجع الضحايا
بروفيسور/ سيف الدين عبد الرحمن يكتب
لم تعد أزمة السودان تكمن في غياب المبادرات الدولية و الإقليمية، و لا في ندرة المنابر التي تستضيف اجتماعات بحثًا عن السلام، بل في العجز عن تحويل هذا الزخم الدبلوماسي المتراكم إلى مسار سياسي موحد و ملزم يوقف الحرب و ينهي معاناة السودانيين. فمنذ اندلاع الحرب في أبريل 2023، توالت مسارات الوساطة، و تعددت المبادرات بين جدة و المنامة و جنيف و القاهرة و أديس أبابا و غيرها من المحطات، بينما ظلت البلاد تنزف، و تفاقمت الكارثة الإنسانية، و اتسعت دائرة النزوح و اللجوء و الدمار.
في هذا السياق، لا ينبغي النظر إلى اجتماع جنيف الأخير في يوم الاربعاء 21 اكتوربر، الذي ضم الرباعية، و التي تضم الولايات المتحدة و السعودية و الإمارات و مصر، و بمشاركة ممثلين عن المجموعة الخماسية، التي تضم الأمم المتحدة و الاتحاد الأفريقي و الهيئة الحكومية الدولية المعنية بالتنمية «إيقاد» و الاتحاد الأوروبي وجامعة الدول العربية و ممثلين عن 21 دولة، باعتباره نجاحًا في حد ذاته لمجرد اتساع المشاركة أو تعدد الأطراف الحاضرة. فالسؤال الجوهري ليس كم دولة اجتمعت، و لا كم منظمة شاركت، و إنما ما الذي اتفقت عليه هذه الأطراف؟ و ما الذي ستفعله لتنفيذ ما اتفقت عليه؟ و من سيضمن التزام أطراف الحرب بأي تفاهمات يتم التوصل إليها؟
إن تعدد المبادرات، في غياب التنسيق الفعلي و المرجعية السياسية الموحدة، قد يتحول من وسيلة لتقريب فرص السلام إلى عامل يشتت الجهود و يمنح أطراف الصراع مساحة للمناورة بين المنابر المختلفة. فحين تتباين أولويات الوسطاء، و تتعارض حسابات القوى الإقليمية و الدولية، و تتنافس المبادرات على قيادة العملية السياسية، يصبح من الممكن أن تتحول الوساطة نفسها إلى ساحة أخرى للصراع، بدلًا من أن تكون أداة لإنهائه.
إن المأساة السودانية لا تحتاج إلى بلاغة سياسية لوصفها؛ فالأرقام وحدها تكشف فداحة الكارثة. ففي العام الحالي، يحتاج 33.7 مليون سوداني إلى المساعدات الإنسانية، و يواجه نحو 19.5 مليون منهم انعدامًا حادًا في الأمن الغذائي، بينما يعيش ملايين آخرون تجربة النزوح داخل البلاد أو اللجوء خارجها. و تجاوز عدد حالات المفقودين التي تتعامل معها اللجنة الدولية للصليب الأحمر و الهلال الأحمر السوداني 11 ألف حالة، في حين وثّقت منظمة الصحة العالمية مئات الهجمات على الرعاية الصحية منذ اندلاع الحرب، مع خروج أكثر من ثلث المنشآت الصحية عن الخدمة. أما الأطفال، فيدفعون ثمنًا مضاعفًا، ملايين خارج المدارس، و مئات القتلى و الجرحى خلال أشهر قليلة، و مئات الآلاف معرضون لسوء التغذية الحاد الوخيم.
المطلوب ليس بالضرورة إلغاء تعدد المبادرات، بل إنهاء تعدد المسارات المتنافسة و توحيدها حول عملية سياسية واحدة، بأهداف واضحة، و جدول زمني محدد، و آليات مراقبة ومساءلة، و ضمانات لتنفيذ الالتزامات. و ينبغي أن يبدأ هذا المسار بوقف العدئيات، و ضمان وصول المساعدات الإنسانية، ثم الانتقال إلى عملية سياسية مملوكة للسودانيين، لا تُختزل في التفاوض بين أطراف الحرب، و لا تُفرض نتائجها بإرادة الأطراف الخارجية و أجندات بعض القوى المختطفة للازمة.
كما أن أي تسوية مستدامة لا بد أن تعالج جذور الأزمة السودانية، بما فيها الاختلالات البنيوية للدولة، و احتكار السلطة و الثروة، و تسييس المؤسسات العسكرية و القضائية، و شبكات المصالح الاقتصادية المرتبطة باستمرار الحرب. فالاتفاق الذي يوقف إطلاق النار مؤقتًا، من دون معالجة هذه الأسباب، قد يؤجل انفجار الأزمة بدلًا من إنهائها.
لقد دفع السودانيون ثمنًا باهظًا لتجارب السلام المتعثرة و الوعود المتكررة. و لذلك، فإن مسؤولية المجتمع الدولي لا تقف عند تنظيم الاجتماعات و إصدار البيانات، بل تمتد إلى ممارسة ضغط منسق على الأطراف المتحاربة، و محاسبة من يعرقلون التسوية، و توفير الدعم السياسي و الإنساني اللازم لعملية سلام قابلة للاستمرار.
إن مأساة السودان ليست أن العالم لا يبحث عن السلام، بل أن البحث عن السلام لم يتحول بعد إلى إرادة دولية موحدة قادرة على فرض شروط إنهاء الحرب. و ما لم تنتقل الوساطات من إدارة التنافس الدبلوماسي إلى تنسيق الجهود و الالتزامات، فسيظل السودانيون أسرى حلقة مفرغة من الاجتماعات و المبادرات، بينما تستمر الحرب في تدمير الإنسان و الدولة و المستقبل.
أمام هذه المآسي ، يصبح السؤال عن جدوى تعدد المبادرات الدولية سؤالًا أخلاقيًا و سياسيًا. فما قيمة الاجتماعات إذا لم تتحول إلى وقف لإطلاق النار، و تأمين للممرات الإنسانية، و حماية للمدنيين، و محاسبة للمسؤولين عن الانتهاكات؟ و ما جدوى تنافس المنابر على قيادة الوساطة بينما يظل المدنيون يدفعون ثمن استمرار الحرب؟ إن نجاح أي جهد دولي ينبغي أن يُقاس بما ينقذه من أرواح، و ما يوقفه من نزوح، و ما يتيحه من غذاء و علاج و تعليم، لا بعدد المشاركين في المؤتمرات أو البيانات الصادرة عنها.
