الحكم العسكري بين انهيار الاقتصاد ووهم القوة (1-3)

مهدي داود الخليفة يكتب..

حين تصبح البندقية بديلاً عن السياسة، ويُقاس بقاء السلطة بقدرتها على قمع الاحتجاج لا بحماية المواطنين، فإن الخطر لا يعود مقتصراً على سقوط الحكومة، بل يمتد إلى احتمال انهيار الدولة نفسها.

ليس أخطر ما يواجه السودان اليوم انهيار الجنيه، أو الارتفاع المتواصل في أسعار الوقود والخبز والدواء، أو انقطاع الكهرباء والمياه، بل أن تواجه السلطة العسكرية هذه الكوارث بعقلية ترى في القوة وسيلة لإسكات المتضررين، بدلاً من اعتبار الأزمة الاقتصادية إنذاراً يستوجب المراجعة والمساءلة. وهنا تتجلى المأساة: اقتصاد يتداعى، ومواطن يستنزف ما تبقى من قدرته على الحياة، وسلطة تراهن على أن السلاح قادر على حمايتها من تبعات الانهيار.

لم يكن شعار (بل بس) مجرد عبارة عابرة، بل عبّر عن عقلية اختزلت معالجة الأزمات في الحسم العسكري، وقدّمت منطق الحرب على السياسة والتفاوض والتوافق الوطني. واليوم، بعد اتساع رقعة الحرب، وسقوط آلاف الضحايا، ونزوح الملايين، وتدمير قطاعات واسعة من البنية التحتية، يحق للسودانيين أن يسألوا: ماذا بقي من الوعود التي رُفعت باسم الكرامة؟

وأين الكرامة حين يعجز المواطن عن توفير الخبز والماء والدواء لأسرته؟

إن امتلاك السلاح لا يمنح صاحبه تفويضاً مفتوحاً للحكم، كما أن السيطرة على المواقع العسكرية والشوارع لا تعني السيطرة على المجتمع أو امتلاك الشرعية. فقد تحسم القوة معركة، وتفرض الصمت لبعض الوقت، لكنها لا تستطيع تثبيت العملة، أو تشغيل المستشفيات، أو توفير الغذاء، أو استعادة ثقة المواطنين بمؤسسات الدولة.

فما قيمة الانتصار العسكري إذا خسر الوطن اقتصاده، وفقد المواطن أمنه المعيشي، وعجزت الدولة عن الوفاء بأبسط واجباتها؟

تتجاوز الأزمة الاقتصادية حدود المضاربات في سوق العملات، فهي تعكس اختلالات عميقة ناجمة عن الحرب، وتعطل الإنتاج، واضطراب التجارة، وتراجع الإيرادات العامة، وضعف الثقة في الجنيه، وتعدد مراكز القرار، فضلاً عن استنزاف الموارد في الإنفاق العسكري على حساب الاحتياجات المدنية. وفي ظل هذه الظروف، يصبح ارتفاع الدولار إلى عشرة آلاف جنيه أو اثني عشر ألفاً جرس إنذار لا يجوز الاستهانة به.

لكن السؤال الأهم ليس إلى أي مستوى سيصل الدولار، بل هل ستدفع الأزمة السلطة إلى مراجعة سياساتها، أم ستواصل تحميل المواطن كلفة الحرب والفشل الاقتصادي؟

أخشى أن تراهن حكومة الفريق عبد الفتاح البرهان على أن أجهزتها الأمنية وتشكيلاتها المسلحة وانتشار القوات والارتكازات في العاصمة والولايات كافية لمنع الاحتجاجات أو احتوائها بالقوة. وإذا صح هذا الرهان، فإنه يعكس خطأً استراتيجياً فادحاً؛ إذ يفترض أن الصمت دليل رضا،

وأن الخوف بديل عن الشرعية،

وأن القمع قادر على إنهاء أسباب الغضب.

قد يصمت المواطن خوفاً من الاعتقال، أو انشغالاً بتدبير قوته اليومي، أو فقداناً للثقة في جدوى الاحتجاج. لكن الصمت لا يعني زوال المظالم، ولا اختفاء الغضب، ولا تراجع احتمالات الانفجار الاجتماعي.

وتكشف الأوضاع المعيشية المتدهورة في الخرطوم وأم درمان وعدد من الولايات عن معاناة متفاقمة: شح الوقود وارتفاع أسعاره، وانقطاع الكهرباء لساعات طويلة، وصعوبة الحصول على مياه الشرب، وتراجع الخدمات الصحية ونقص الأدوية، إلى جانب ارتفاع أسعار الخبز والسلع الأساسية. وتتضاعف المأساة حين نقارن هذه الأسعار بدخول العاملين وأصحاب المعاشات، التي تتآكل قيمتها الحقيقية يوماً بعد يوم.

هذه الأزمات مترابطة؛ فانقطاع الكهرباء يعطل الإنتاج والخدمات الصحية والتعليمية، وشح الوقود يرفع تكاليف النقل، وانقطاع المياه يهدد الصحة العامة، وارتفاع أسعار الدواء يحرم المرضى من العلاج. ولا يمكن معالجة هذه الاختلالات ببيانات رسمية أو زيارات ميدانية عابرة، بل بخطط واضحة لتأمين الإمدادات واستعادة الخدمات وحماية الفئات الأكثر تضرراً.

وتزداد الأزمة تعقيداً مع ما يُثار عن تعدد الجبايات والرسوم غير المنضبطة، وانتشار الرشوة والابتزاز في بعض الطرق والارتكازات. ففي اقتصاد أنهكته الحرب، تتحول هذه الممارسات إلى أعباء إضافية على المنتجين والتجار والناقلين، تنتقل تكلفتها في نهاية المطاف إلى المواطن. كما أن تعدد مراكز السيطرة المسلحة وضعف الرقابة المؤسسية يهيئان بيئة مواتية لاقتصاد الحرب، حيث يستفيد البعض من استمرار النزاع، بينما يدفع غالبية السودانيين الثمن من أرزاقهم وأمنهم ومستقبل أبنائهم.

لذلك، لا تكفي الإجراءات النقدية المؤقتة أو ضخ العملات الأجنبية لمواجهة الأزمة. المطلوب إصلاح مؤسسي، وشفافية في إدارة الموارد العامة، ومراجعة الجبايات، ومحاسبة المفسدين، وإخضاع الإنفاق العام لرقابة مدنية مستقلة، إلى جانب توجيه الموارد نحو الغذاء والدواء والمياه والكهرباء والتعليم والصحة.

إن الدولة ليست ثكنات عسكرية وأجهزة أمنية، بل مؤسسات تقدم الخدمات، وقضاء يحمي الحقوق، واقتصاد يوفر فرص العمل، وسلطة تستمد شرعيتها من رضا المواطنين وقدرتها على تمثيلهم. وعندما تتراجع هذه الوظائف، وتتسع الفجوة بين المجتمع والحكم، يصبح بقاء الحكومة في مواقعها أمراً مختلفاً عن استمرار الدولة في أداء وظائفها.

وهنا يكمن الخطر الحقيقي: ألا تسقط حكومة البرهان وحدها، بل أن يؤدي استمرار الحرب والتعنت العسكري والانهيار الاقتصادي إلى تفكك ما تبقى من مقومات الدولة السودانية. فانهيار العملة ليس مجرد مشكلة نقدية، وانقطاع الكهرباء ليس مجرد عطل فني، وارتفاع سعر الخبز ليس مجرد موجة غلاء؛ فعندما تجتمع هذه الأزمات مع النزوح والدمار وتعدد القوى المسلحة، تتحول إلى تهديد شامل للاستقرار الوطني.

إن السودان لا يحتاج إلى مزيد من الشعارات أو الرهانات العسكرية، بل إلى وقف الحرب، وفتح مسار سياسي جاد وشامل، وتوسيع المشاركة المدنية، وإعادة بناء مؤسسات الدولة على أسس مهنية ووطنية. كما أن الاحتجاج السلمي على الغلاء وتدهور الخدمات حق للمواطنين، ومن واجب الدولة حمايته لا مواجهته بالقمع.

لقد آن الأوان لكي تدرك القيادة العسكرية أن حماية الوطن لا تعني حماية السلطة من المساءلة، وأن شرعية الحكم لا تُستمد من امتلاك السلاح، بل من صون حياة المواطنين وحقوقهم ومستقبلهم.

فما الذي تحميه البندقية إذا فقد الوطن مقومات الحياة؟ إن أخطر ما يمكن أن يحدث للسودان ليس أن تخسر حكومة معركة سياسية، بل أن يستمر العناد حتى يخسر الوطن نفسه.

السودان أولاً، وحياة السودانيين وكرامتهم قبل بقاء أي سلطة.