سرديات
زاحم مَن هو أعلم منك بركبتيك..!
تنسب هذه الوصية للقمان الحكيم، يحث فيها ابنَه، على ملازمة أهل العلم ، والجلوس قريباً منهم بشدة، (مزاحمة الركب) لتحصيل العلم، والإنصات لهم، لأن القلوب تحيا بالحكمة، كما تحيا الأرضُ الميتةُ بالمطر. وهي دعوة للتواضع والحرص على التعلم من أهل الاختصاص.
ما كنت أعرف أن الحكاية القصيرة، التي حكاها الراحل المقيم الطيب صالح، بعنوان *حكاية زينب بت صبير* ضمن الحكايا التي كان يكتبها من وقت لآخر، ستثير كل الاهتمام الذي أثارته حين ترجمتُها..
ترجمت الحكاية بقصد مشاركتها مع زميلات وزملاء (مترجمين أكفاء) من بلدان مختلفة، يضمني معهم قروب واتساب؛ بقصد تعريفهم بجانب من جوانب تراثنا، كما جاء على لسان الطيب صالح في *حكاية زينب بت صبير..*
وزينب هذه، موجودة في معظم ببوتات الريف السوداني..إنها البنت التي تفرح بعرس أخيها وتغني له بكلمات بسيطة ولكنها ذات مغازٍ عميقة، كثيرا ما تفوت على سامعيها، اللهم إلا على قلة، حباها اللهُ بنعمة الإنصات المفضي للاستيعاب، وكان الطيب صالح رحمه الله، بشهادة العارفين الثقات، من هذه القلة، فأبان لنا-بحسه الفني، القادر على ترجمة الأحاسيس إلى قيم- جماليات الفن الذي صنعته زينب لأهلها..
النص الذي كتبه الراحل المقيم عن زينب، وجدته بدون عنوان..لذلك جعلت للنص الانجليزي الذي ترجمته عنوانا يقول: *زينب حين غنت*:
Zainab’s Melody
الأغنية التي حكاها الطيب صالح على لسان زينب بت صبير في النص الذي وجدته عن طريق الصدفة المحضة، لم تتعد سطرين:
*جيدلي..جيدلي بي ذاتو*
*صقر الخلا الفارد جناحاتو*
ولكني اضفت بعض الكلمات، لهذين السطرين، في النص الذي ترجمته، حتى يجد الناطقون بغيرها، معنى للبعد التراثي، الذي قصدته حين طرحت الحكاية المترجمة لمجموعة زميلاتي وزملائي من العرب والعجم من المترجمين والناقدين..
الكلمات التي أضفتها للأغنية كانت من وحي أغنيات البنات في بيوت الأعراس ومن الموروث التراثي الغنائي الذي يتردد عموما في بيوت الاعراس، من حيث التركيز على مآثر أهل العرس من الجانبين..
المفاجأة كانت بالنسبة لي حين ساقتني حكاية *زينب بت صبير* وأغنيتٌها إلى مقارنة عقدها أعضاء مجموعتي بينها وبين رواية لكاتبة أمريكية ذاع صيتها في مطلع القرن العشرين إسمها كيت جوبن Kate Chopin..الرواية الأمريكية صدرت بعنوان:
*الاستفاقة* The Awakening
وتحكي على لسان أيدنا Edna -وهي بطلة الرواية- حكايتها يوم بدأت في غراند آيل Grand Isle فيما كانت تقضي اجازة صيفية، بعيدا عن زوجها وأطفالها، الذين قضت معهم عشرات السنوات، في حياة، ملؤها التعاسة والقيود المجتمعية..
اليكم أولا حكاية *زينب بت صبير* كما حكاها الراحل المقيم الطيب صالح مصحوبة بنصها الانجليزي الذي ترجمته:
الطيب صالح – (*زينب بت صبير*)..
كان في بلدنا غابة كبيرة من أشجار الطلح نمت وازدهرت. لأن الحكومة كانت تمنع منعا باتا قطع أي شجرة إلا بإذن خاص.
في حالة نادرة من تلك الحالات النادرة قطع العريس طلحة.. فقد كان من طقوسهم في الأعراس .. إنهم يمشون إلي الغابة في زفة عظيمة فيقطعون شجرة طلح. ويعودون بها إلي دار العروس.
وأذكر وأنا صبي في الأربعينات كان عرس كانت له شنة ورنة. من تلك الأعراس التي يؤرخ لها. وتظل أصداؤها تتردد زمنا طويلا.
كان العريس إسماعيل ود صبير من أهلنا ناس ( كرمكول) وكان أخا وحيدا بين عدة أخوات.
كانت العروس بنت المرحوم عبد الله عباس الذي كان يومئذ من كبار موظفي الجمارك. كان عبدالله من أوائل خريجي كلية غردون من أهلنا.
إضافة إلي أن أم العروس كانت ابنة عبد الحليم ود فضل عمدة العفاض. ذلك الذي أعطى العرس بهاءه ورونقه وأصداءه البعيدة..
فوق ذلك كله أن أخت العريس، زينب بت صبير عملت لأخيها سيرة لم يحدث مثلها من قبل ولا من بعد..
كانت زينب شابة وضيئة الحسن
متزوجة ولكن لا أظن أن سنها تزيد علي خمسة وعشرين عاما.
أذكر لونها العسلي وثغرها البراق ووقفتها النبيلة. وصوتها العجيب الذي تعجز الكلمات عن وصفه…
بدت لي تحت ضوء المصابيح. ولا بد أنه ظهرت كذلك لأهل البلد كلهم ، كأنها طيف ملائكي حل علينا من كوكب آخر.
سرنا معها كالمسحورين يحدونا صوتها الأسطوري. من دار العروس في (كرمكول) شاقين البلد من الغرب الى الشرق حتى وصلنا الغابة عند ( دبة الفقرا).
ظلت زينب تغني كأنها ترتجل.. حتى قطعنا الطلحة وعدنا بها إلي (كرمكول). ربما أكثر من ثلاث ساعات، وربما أربع.
وصوتها يزداد عمقا ومدي وجاذبية والصور والمعاني تصل إلي وجداننا منها مثل رفيف أجنحة القطا:
*جيد لي*
*جيد لي بي ذاتو*
*يا صقر الخلا الفارد جناحاتو*
حين صرت أكبر سنا وأكثر إدراكا ، فهمت أن زينب بت صبير صنعت (فنا) عظيما في تلك الليلة. خلقت أسطورة لأخيها، فإذا هو أجمل وأكرم وأشجع وأغني.
وأدخلت أهل البلد قاطبة في نسيج عالمها الأسطوري.
فإذا بلدنا كما نعرفها وزيادة. وإذا نحن جميعا كما نعرف أنفسنا وأثر. فكذلك يصنع الفن العظيم.
إنما الحياة كانت بالفعل حلوة في تلك الأيام. حلوة حلاوة لا يعرف طعمها إلا من ذاقها. فماذا كان عندنا يومئذ ولم يعد عندنا اليوم؟
لم يمهل القدر زينب بت صبير . اختطفها الموت فجأة بعد أشهر معدودات من تلك الليلة المشهورة دون علة واضحة، رحمها الله..
كانت زينب حقيقة طيفا ألم بالبلد ثم عاد من حيث أتى . لا توجد اليوم أعراس كالعرس الذي غنت فيه زينب، في أي من قري شمال السودان. فقد فرغت القرى من أهليها الذين تفرقوا أيدي سبأ..
اختفت الغابات علي الضفتين وهاجرت القمارى بشجرها.
النيل الرحيم الودود عادة، ظل في العهود الأخيرة يطمس المعالم ويمحو الآثار، كأنه يريد أن يقول شيئا. كأنه ضاق بحبسه٧ بين الضفتين.
فمتى تفتح القنوات للنهر و للبشر؟ متى تهدأ ثورة النيل؟ ومتى تعود القمارى إلى أشجارها.
*Zainab’s Melody*
By Tayib Saleh
Translated by Al-Zaki Abdul Hamid Ahmed
In our village, we had a vast forest of talih trees that had grown and flourished due to the government’s strict ban on cutting trees, except by permission. On rare occasions, a groom would be permitted to cut a branch as part of the wedding rituals. A large crowd would go to the forest, cutting a brabch of a talih tree and bringing it back to the wedding venue.
I remember a particular wedding in the 1940s that was truly unforgettable. The groom, Ismail wad Subair, was from our people in Karmakoul, and the bride was the daughter of the late Abdulla Abbas, a senior customs official and the first graduate from our village of Gordon College. His achievement was a source of pride for our entire community. The bride’s mother was from a notable family, being the daughter of Abdul Haleem wad Fadhul, the mayor of Affadh. This wedding was grand, with echoes that traveled far and wide.
What made this wedding truly special was the groom’s sister, Zainab bint Subair, who organized a wedding procession like no other. Zainab was a beautiful, married woman in her mid-twenties, with honey-colored skin, a bright smile, and a noble posture. Her voice was sweet beyond description. Under the lamp light, she seemed like an angel descended from another world.
We followed her, entranced, as she sang and led the procession from the bride’s house in Karmakoul, through the village, and into the forest at Duabbat al Fugara. As we cut the acacia branch, Zainab continued to sing:
Like an eagle swooping down with might,
You respond to my calls, day or night.
With strength and with speed, you make it right,
My brother, my hero, shining so bright..
Years later, I realized that Zainab had created something legendary that night. She made her brother seem more handsome, bold, and wealthy. She brought the entire village into her legendary world, showing us that our village and we ourselves were more than we knew. That’s the power of great art.
Life was indeed beautiful back then. So beautiful that only those who experienced it can truly know its taste. What did we have back then that we don’t have today? Fate, however, was not kind to Zainab. She passed away just a few months after that fabulous night, leaving behind memories of her enchanting voice and art.
Today, there are no weddings like the one where Zainab sang. The villages are empty, and the forests have disappeared. The Nile, once a gentle companion, seems to be erasing the landmarks and obliterating traces, as if it’s trying to tell us something. When will the channels be open to the river and to the people? When will the quails return to their trees?
المقارنة تمحورت حول حياة Edna التي بدأت بعد عشرات السنوات من زواجها والرحيل المفاجيء لزينب بعد فترة قصيرة من عرس أخيها..
رحلت زينب ولكنها فتحت نافذة يطل منها أهلها على جوانب من حياتهم وقيمهم، ما كانوا يعرفون عنها شيئا؛ إلا بعد أن أفاقتهم زينب وانتشلتهم من وهدتهم، بشدوها وترانيمها :
الطيب صالح قال:
زينب صنعت (فنا) عظيما في تلك الليلة..خلقت أسطورة لأخيها، فإذا هو أجمل وأشجع وأغنى..وأدخلت أهل البلد قاطبة في نسيج عالمها الأسطوري، فإذا بلدنا كما نعرفها وزيادة..وإذا نحن جميعا كما نعرف انفسنا وأكثر..
افاق قوم زينب على قيم تزين حياتهم، ولكنهم ما كانوا يعرفون عنها شيئا..زينب بأغنيتها اظهرت لهم جوانب انسانية تجعلهم متفردين، ولكنها كانت خافية عنهم..رحلت زينب بعد ان كشفت لهم ما كان خافيا عنهم ويجعلهم يشعرون ان لحياتهم قيمة أكبر مما كانوا يظنون..
كذلك فعلت الحياة لايدنا Edna حين أسفرت لها عن وجه الجمال، الذي كان خافيا عنها لسنوات طويلة وهي تعيش في كبت وقيود..بدأت حياة ايدنا من غراند آيل فانطلقت في حياة جديدة حين استفاقت لتشعر وكأنها تولد من جديد:
*A single event can awaken within us a stranger totally unknown to us. To live is to be born again..*
*حادثة واحدة، يمكن أن توقظَ فينا كائنا غريباً، لا نعرف عنه شيئا البتة..لذلك معنى أن تواصل حياتك (في ظل هذا المستجَد) هو أن تشعر وكأنك تولد من جديد!*
سوف أتناول المزيد عن جوانب هذه المقارنة، في كتابي الذي أعمل على تأليفه؛ وهي جوانب ما كان لي أن أسبر غورها، لولا النقاش المستفيض، الذي أثارته مجموعتي والتي تضم مترجمين متميزين من العرب والمستشرقين..
*Surround yourself with people who are better than you, and empower them to do their best work!*
*زاحم مَن هو أعلم منك بركبتيك!*
سمعت ذات مرة شاعرَنا الكبير، الراحل المقيم، محمد المكي ابراهيم يقول:
*أزرب نفسَك بالرجال فإنهم أضرى من الشوك*!
ولعلها لا تبعد كثيرا عن مضمون ما جاء على لسان حكيم القوم..
في النص الانجليزي كنت قد استخدمت كلمة acacia كمقابل لكلمة “طلح”، إلا ان صديقي الحبيب الاستاذ جبر الله عمر الامين، اقترح عليّ استبدال كلمة acacia بكلمة talih، ذلك ان acacia، ترمز إلى اكثر من نوع من الاشجار الصحراوية، في حين ان الطلح له مدلولات تلازم الافراح في بعض مناطق الشمالية، فارتضيت شاكرا، بما قال وعملت به..
