من القابلية للاستعمار إلى القابلية للاستباحة: قراءة في المأساة السودانية على ضوء فكر مالك بن نبي
ونحن نعتصر ألماً ونتجرّع مرارة الذل والهوان، إذ نرى المآسي تكتنف حياة بني وطننا، ولعل من أشدها إيلاماً مجزرتا المعدّنين السودانيين، اللتان وقعتا لا مرة واحدة، بل مرتين، على مرأى ومسمع من حكام الأمر الواقع المفروض بالقوة، أرى أنه قد آن الأوان للتأمل الجاد في أطروحة المفكر الجزائري مالك بن نبي حول “القابلية للاستعمار”، بوصفها مدخلاً مهماً لفهم المأساة السودانية الراهنة. فهل أصبحت الدولة السودانية ونُخبها السياسية وغيرها جزءاً من حالة “القابلية للاستعمار”؟
إننا، حين نطرح هذا السؤال، لا نعني إدانة الشعب أو تحميل ضحايا الحرب مسؤولية ما حلّ بهم؛ فالقابلية للاستعمار، في الحالة السودانية، ليست صفة كامنة في عامة الناس، ولا سيما الفقراء والنازحين والمعدّنين التقليديين الذين دفعتهم الحرب وانهيار الاقتصاد إلى المخاطرة بحياتهم. وإنما هي حالة سياسية ومؤسسية تصنعها النخب العسكرية والمليشياوية، ومن يتواطأ معها من نافخي كير الحرب، حين تهدم مؤسسات الدولة، وتفكك نسيج المجتمع، وترهن القرار الوطني للقوى الخارجية.
كان مالك بن نبي يميز بين الاستعمار بوصفه عدواناً خارجياً، و”القابلية للاستعمار” باعتبارها مظاهر الضعف الداخلي التي تمكّن القوى الأجنبية من فرض نفوذها واستغلال موارد المجتمع بتواطؤ تام من قبل تلك النُخب. ولم يقصد بذلك تبرئة المستعمِر أو لوم المستعمَر، وإنما أراد القول إن مقاومة العدوان الخارجي لا تكتمل ما لم يتغلب المجتمع على عوامل الانقسام والعجز والتبعية في داخله. وانطلاقاً من هذه الأطروحة، يمكن القول إن الحرب وانهيار مؤسسات الدولة جعلا السودان مكشوفاً لما يمكن تسميته “القابلية للاستباحة”: استباحة الأرض والموارد والحدود والقرار الوطني، بل ودماء السودانيين أنفسهم.
الحرب وخصخصة السيادة
عندما تختار النُخب العسكرية والميليشياوية استمرار حرب ثبت أنها لا يمكن أن تنتج منتصراً وطنياً، فإنها لا تدافع عن السيادة، بل تهدم الشروط التي تقوم عليها. فالدولة لا تكون ذات سيادة لمجرد أنها ترفع علماً أو لأن قادتها يرددون خطاباً حماسياً؛ وإنما لأنها تملك مؤسسات شرعية وقادرة، وتحمي مواطنيها، وتسيطر على حدودها، وتحتكر استخدام القوة، وتدير علاقاتها الخارجية وفقاً لمصلحة وطنية معلومة. وحين تتعدد الجيوش ومراكز القرار، وتنقسم البلاد إلى مناطق نفوذ، وتتحول الموارد إلى مصادر لتمويل الحرب، ويعتمد كل طرف على داعمين خارجيين، فإن السيادة تصبح شعاراً منفصلاً عن الواقع. وقد أدت الحرب الجارية منذ 15 أبريل 2023 إلى تفكيك ما تبقى من الدولة السودانية وإضعاف قدرتها على حماية السكان والحدود والموارد، كما تحولت إلى حرب ذات امتدادات إقليمية ودولية، تتدفق إليها الأسلحة والمسيّرات والمرتزقة عبر شبكات عابرة للحدود. وبذلك صنعت النخب المتحاربة، من حيث تدري أو لا تدري، البيئة التي وصفها بن نبي: بيئة يفقد فيها المجتمع قدرته على التحكم في موارده ومصيره، بينما تستخدم القوى الخارجية وكلاء محليين وموارد البلاد وأراضيها لخدمة مصالحها. ولم تعد القوة المسلحة أداة تابعة للدولة، بل أصبحت وسيلة لامتلاك الدولة والسيطرة على الذهب والموانئ والمعابر والأراضي وشبكات التجارة والعلاقات الخارجية.
وتظهر القابلية للاستعمار في أوضح صورها حين تتحول الطاقة الوطنية نفسها إلى أداة تستخدمها قوى أخرى. فالمقاتل سوداني، والأرض سودانية، والذهب سوداني، والضحايا سودانيون؛ لكن جانباً من السلاح والتمويل وشبكات الإمداد والمصالح التي تحرك الحرب يأتي من خارج السودان. إنها مفارقة قاسية: يُقتل السوداني بسلاح خارجي، تحمله يد سودانية، في حرب تُموّل جزئياً من موارده المنهوبة، ثم تُقدَّم له باعتبارها دفاعاً عن السيادة الوطنية.
هذه ليست سيادة، وإنما خصخصة لها وتوزيعها بين جماعات مسلحة ورعاة خارجيين. ويبلغ التناقض ذروته حين ترفع النخب المتحاربة شعارات الكرامة ورفض التدخل الخارجي، بينما تعتمد في بقائها على السلاح والتمويل والحماية السياسية من الخارج. وهنا تتجلى القابلية للاستعمار في مقاومة التبعية خطابياً وإعادة إنتاجها عملياً.
مأساة المعدّنين وانقلاب المسؤولية
أسفرت الغارات الأخيرة التي استهدفت معدّنين سودانيين في منطقة شمال الوادي، قرب الحدود السودانية-المصرية، عن مقتل عشرات المدنيين؛ إذ قدّرت شبكة “محامو الطوارئ” عدد القتلى بنحو 72، بينما أعلنت شبكة أطباء السودان حصيلة أولية بلغت 13 قتيلاً و28 جريحاً. ولا تزال الحصيلة النهائية والجهة المنفذة والموقع الحدودي الدقيق محل تحقيق وتضارب في الروايات؛ ولذلك تظل المسؤولية المباشرة بحاجة إلى تحقيق دولي مستقل وشفاف.
لكن ما لا يحتاج إلى تحقيق هو أن هؤلاء المعدّنين مواطنون سودانيون دفعتهم الحرب والفقر وانهيار سبل العيش إلى العمل في بيئة خطرة، في ظل غياب حماية الدولة. فهم ليسوا قوة غازية، ولا أصحاب قرار سياسي، ولا مستفيدين من صفقات الحرب؛ بل ينتمون إلى غمار الشعب الذي يدفع الثمن الأكبر لانهيار الاقتصاد وغياب المؤسسات. وحتى إذا ثبت أنهم خالفوا تعليمات أو دخلوا منطقة متنازعاً عليها، فإن ذلك لا يبرر قتلهم ولا يعفي الدولة السودانية من واجب حمايتهم والمطالبة بتحقيق مستقل ومحاسبة المسؤولين. والدولة المسؤولة لا تبدأ بسؤال لماذا ذهب المواطنون إلى هناك، وإنما تسأل:
من قتلهم وبأي سند قانوني؟
لماذا عجزت الدولة عن حمايتهم؟
كيف يُحاسب المسؤولون وتُعوَّض الأسر ويُحمى العاملون في التعدين التقليدي؟
ليس الشعب السوداني، ولا الفقراء والمعدّنون الذين يبحثون عن سبل العيش، هم المسؤولون عن قابلية البلاد للاستباحة. فالمشكلة تكمن في بنية عسكرية وميليشياوية حطمت المؤسسات المدنية، وحولت الموارد إلى اقتصاد حرب، واستدعت الرعاة الخارجيين، وجعلت بقاء التنظيم المسلح مقدماً على بقاء الدولة. والقابلية للاستعمار هنا ليست عيباً في طبيعة السودانيين، بل نتيجة لاقتصاد سياسي وعسكري جعل الدولة أضعف من الجماعات المسلحة، وجعل هذه الجماعات نفسها معتمدة على قوى خارجية.
تفكيك المجتمع والمناعة الوطنية
أدرك مالك بن نبي أن قوة المجتمع لا تتحدد بعدد سكانه أو حجم موارده، وإنما بمتانة العلاقات والثقة بين أفراده. والحرب الحالية لا تقتل الناس وتهدم المدن فحسب، بل تعيد تعريف السودانيين بوصفهم قبائل وأقاليم وأعراقاً ومناطق نفوذ متناحرة. وهكذا يتآكل الانتماء الوطني المشترك، ويحل الخوف والكراهية محل التعاون والثقة. وكلما تراجعت الهوية الوطنية الجامعة، أصبح من الأسهل على القوى الخارجية شراء الولاءات، وتسليح الجماعات، والتحكم في الموارد عبر وكلاء محليين. لذلك لا يمثل خطاب الكراهية والتعبئة الجهوية والعرقية نتيجة جانبية للحرب فحسب، بل إحدى أهم الآليات التي تجعل السودان قابلاً للاستباحة؛ فالقوة الأجنبية لا تحتاج إلى احتلال بلد تمزقت وحدته وأصبحت أطرافه المحلية مستعدة للاستعانة بالخارج ضد بعضها بعضاً.
لا يعفي نقد النخب السودانية القوى الخارجية من المسؤولية؛ فالدول والجهات التي تسلح أطراف الحرب أو تمولها أو تستغل الموارد السودانية أو تستخدم أراضي البلاد ومجالها الجوي لتحقيق مصالحها تتحمل مسؤولية سياسية وأخلاقية، وربما قانونية، عن إطالة أمد الحرب والانتهاكات الناجمة عنها. ووجود الضعف الداخلي لا يمنح الآخرين حق استغلاله، تماماً كما أن مسؤولية المعتدي لا تسقط لأن ضحيته كانت ضعيفة.
لكن النخب المتحاربة توفر لهذه القوى المداخل والوكلاء. ولذلك يتطلب الدفاع عن السودان مسارين متلازمين: مساءلة المتدخلين الخارجيين عن تسليح أطراف الحرب وانتهاك السيادة والاعتداء على المدنيين، وتفكيك بنية التبعية الداخلية بإنهاء الحرب وإعادة بناء الشرعية والمؤسسات ووضع القوات المسلحة والموارد والعلاقات الخارجية تحت سلطة مدنية دستورية.
الخروج من القابلية للاستباحة
كما أشرت فى مقالاتى السابقة عن الاقتصاد السياسى للحرب الأهلية فى السودان وآثارها الكارثية على مختلف الصُعُد، فأنا أتفق تماماً مع تشخيص المفكر مالك بن نبي والذى يمكن البناء عليه للقطع بأن استعادة السيادة السودانية لا تبدأ بمزيد من التعبئة الحربية، بل بإعادة بناء شروط الدولة والمجتمع. ويتطلب ذلك:
وقف الحرب واستعادة المبادرة المدنية الديمقراطية.
بناء جيش وطني مهني واحد وإنهاء تعدد التشكيلات المسلحة.
إخضاع الذهب والموارد والمعابر والصفقات الخارجية للسلطة العامة والرقابة المستقلة.
التحقيق في مقتل المعدّنين ومحاسبة المسؤولين وتعويض الأسر وتنظيم التعدين التقليدي وحماية العاملين فيه.
بناء سياسة خارجية مؤسسية، والاستعانة عند الضرورة بعملية أممية متعددة الأبعاد لحماية المدنيين ودعم وقف إطلاق النار وإعادة بناء الدولة.
ولا تناقض بين طلب مساعدة دولية متعددة الأطراف وبين الدفاع عن السيادة؛ فالفارق كبير بين تعاون دولي شرعي يخضع لتفويض واضح ويهدف إلى حماية المدنيين وإعادة بناء الدولة، وبين ارتهان أطراف الحرب لدول أجنبية مقابل المال والسلاح والحماية.
خاتمة
تقول مأساة السودان الراهنة، بلغة مالك بن نبي، إن الاستعمار لا يبدأ دائماً بدخول جيش أجنبي إلى العاصمة؛ فقد يبدأ حين تدمّر النخب مؤسسات بلادها، وتستعين بالخارج على خصومها، وتحول الموارد الوطنية إلى وقود للحرب، ثم تعجز عن حماية مواطنيها. وقد فقدت النخب العسكرية والمليشياوية صدقية ادعائها الدفاع عن السيادة حين جعلت استمرار سلطتها أهم من حياة السودانيين ووحدة مجتمعهم واستقلال قرارهم. فالسيادة التي تُزهق باسمها أرواح المواطنين، بينما يُترك قرار الحرب مرتهناً للخارج، ليست سيادة وطنية، وإنما غطاء لغوي للتبعية.
ولا تعني استعادة السيادة الانكفاء عن محيط السودان؛ فاستدامة علاقاته الوثيقة مع جيرانه في دائرتي انتمائه العربي والأفريقي مصلحة استراتيجية لا غنى عنها. غير أن هذه العلاقات لا ينبغي أن تُبنى عبر الوكلاء والفصائل المسلحة، بل بين دول مقتدرة تحكمها نخب ديمقراطية شرعية تحظى بتأييد شعوبها. وفي السودان، لا بد من نخبة حاكمة حريصة على المصالح الوطنية، وقادرة، في الوقت نفسه، على بناء شراكات متوازنة مع دول الجوار تعزز الأمن والاستقرار والمصالح المشتركة.
ومن هذا المنطلق، نثمّن، نحن السودانيين، الموقف المسؤول لمبادرة “مدد” المصرية، التي طالبت، على لسان مديرتها التنفيذية السيدة شيماء سامي، الحكومتين المصرية والسودانية بتقديم توضيحات شفافة للرأي العام والمجتمع المدني حول حقيقة ما جرى في مناطق التعدين الأهلي قرب الحدود بين البلدين، والكشف الكامل عن ملابسات القصف الجوي وما أسفر عنه من قتلى وجرحى في صفوف المعدّنين السودانيين. وتمثل هذه المبادرة صوتاً مصرياً مدنياً جديراً بالتقدير، يؤكد أن صون دماء المواطنين واحترام حقوقهم وكشف الحقيقة هي الأسس الكفيلة بحماية العلاقات التاريخية بين الشعبين الشقيقين وتعزيزها، بعيداً عن التعتيم والمزايدات السياسية. أيضاً، ننوه بتقدير مستحق للدكتورة أمانى الطويل، مديرة البرنامج الأفريقي بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، حيث أكدت أهمية حماية أرواح المدنيين، واعتبرت استخدام الطيران وسيلة غير مناسبة لمعالجة التجاوزات الحدودية، داعيةً إلى إعادة تقدير الموقف على المستويين الإنساني والسياسي، ومحذّرةً من تداعياته على أمن وادي النيل.
ولا يكون الخلاص من “القابلية للاستباحة” بانتصار أحد طرفي الحرب على الآخر، بل باستعادة الدولة المدنية، وبناء المؤسسات، وتقديم المواطنة والمصلحة الوطنية على العصبيات وولاءات المحاور. وفي هذا السياق، ينبغي للسلطات المصرية وسائر النخب في مصر أن تدرك أن الانحياز إلى سلطة انقلابية تابعة، ينظر إليها قطاع واسع من الشعب السوداني بوصفها سلطة غير شرعية وغير معنية بالمصالح الوطنية للسودان، تحت ذريعة دعم الدولة ومؤسساتها، لن يضمن لمصر استدامة مصالحها المشروعة في السودان؛ بل قد يربط تلك المصالح بسلطة عابرة ويقوّض رصيد مصر لدى المجتمع السوداني. فالضمان الحقيقي لاستدامة هذه المصالح يكمن في قيام علاقة مؤسسية متوازنة مع دولة سودانية مدنية، ديمقراطية وشرعية، تعبّر عن إرادة شعبها وتصون استقلال قرارها الوطني. عندها فقط يستطيع السودان أن يحمي أرضه وموارده، ويصون دماء مواطنيه، ويحوّل الاستقلال من شعار ترفعه النخب المتحاربة إلى واقع يعيشه الشعب.
المراجع والإحالات
مالك بن نبي، شروط النهضة، دمشق: دار الفكر، طبعات متعددة.
رويترز، تحقيقات حول شبكات الإمداد الخارجية المرتبطة بالحرب السودانية، 15 و29 يوليو 2026.
أسوشيتد برس، تقرير عن الغارة على موقع للتعدين في المنطقة الحدودية بين السودان ومصر وليبيا، 12 أكتوبر 2026.
مؤسسة مدد المصرية: https://egyrights.org/?utm_source=chatgpt.com
