سرديات
فيلم أجنبي؛ شاهدته مؤخراً؛ يدوّن حياةَ شاعر، أحبه شعبُه، ولكن للأسف، بعد فوات الأوان، فخلته إنما عن *الجميل نور الشقايق* في بلاد النيلين؛ يحكي!
*إلى متى يستمر هذا التجويع يا دكتور*؟
*How long will this starvation last, doctor?*
هذا أحد أشهر الشعراء الانجليز-من رواد الحركة الرومانتيكية- يتوسل إلى طبيبه، أن يوقفَ عنه، برنامج الحمية القاسي، الذي تبناه، كأحد أساليب العلاج الناجع من مرض السل، في القرن التاسع عشر…
الطبيب الانجليزي المقيم في روما *جيمس كلارك* رأى أن الحد من تدفق الدم إلى الرئتين، هو الافضل كعلاج لمريضه، فأوقف عن مريضه الأكل بالقدر المطلوب..كثير من النقاد رأوا أن الدكتور كلارك-والذي أصبح بعد بضع سنوات من ذلك- الطبيب الخاص للملكة فيكتوريا، كان سببا عجّل من رحيل هذا الشاعر الكبير..
في مطلع ثمانينيات القرن الماضي، كان شاعر الحقيبة المشهور، حدباي يكثِر من زياراته، لصديقه الشاعر عمر البنا..
في جلسة جمعتني بهما، في منزل عمر البنا، والذي يجاور سكني، في الحارة الثانية من مدينة الثورة الأم درمانية، سمعت حدباي يحكي لصديقه الشاعر، عن المراحل الأخيرة، من المرض الذي أودى بحياة شاعر الحقيبة المعروف، خليل فرح..حدباي وصديقه الطريفي ابن الزبير باشا كانا قد رافقا خليل في رحلته العلاجية الأخيرة إلى مصر..سمعت حدباي يقول لصديقه عمر البنا، إنه كان يعترض على النظام الغذائي الذي كان مفروضا على خليل..كان لا يتعدى لقيمات في الوجبة الواحدة..ولكن (مين يسمع!)..
تذكرت تفاصيل حديث حدباي مع عمر البنا-رحمهما الله- حين شاهدت مؤخرا فيلما في فضائية نتفيليكس Netflix بعنوان النجم الساطع The Bright Star..
أول إمرأة تفوز بالسعفة الذهبية في مهرجان كان هي المخرجة السينمائية النيوزيلندية جين كامبيون Jane Campion..كان ذلك في العام ١٩٩٣ عن فيلم البيانو The Piano..فيلم النجم الساطع ايضا من اخراجها واسم الفيلم مأخوذ من إحدى أشهر قصائد هذا الشاعر الانجليزي الذي أحكي لكم عنه..
كاتت الساعة تقترب من السادسة مساء، في ذلك اليوم الغزير المطر، حين اكملت، للمرة الثالثة، قراءةَ سيرةِ هذا الشاعر الانجليزي، الذي يحبه البريطانيون كثيرا..
التفاصيل التي ضمنها أندرو موشن Andrew Motion في سيرة هذا الشاعر المحبوب، جعلتني أشعر وكأنني أعرف هذا الشاعر الشاب معرفة لصيقة منذ زمن بعيد…كأنني جاورته في السكن..كأنني سمعت سعاله الدامي مرات ومرات..بل كأنني عرفت عن طريقه حبيبته..هذه التفاصيل الدقيقة دفعتني لكي أخرج فيلما سينمائيا عن هذا الشاعر الذي اعطى الكثير ولم ينل في المقابل ما يستحق من توقير..
القائلة هي جين كامبيون؛ ،Jane Campion، وتحكي عن فيلم كان هو الأصعب، على حد قولها، طوال مسيرتها في مجال الاخراج السينمائي، والتي تمتد لأكثر من أربعة عقود..
الصعوبة كما قالت، لم تكن في العثور على ممثل قادر على تقمص شخصية الشاعر، بقدر ما كانت في العثور على ممثل يجيد فن إلقاء الشعر.. القدرة على إلقاء الشعر، وسط الممثلين بمختلف مستوياتهم؛ كما ينبغي، شيء نادر…لذلك استغرق البحث عن هذا الممثل، القادر على القاء الشعر، وقتا طويلا، لدرجة أنني فكرت في إلغاء الفيلم رغم كل الجهد الذي بذلته..
غير أني وجدت، بمساعدة من الشركة الممولة للفيلم ‘Pathe، الممثل الذي أريد..
بن ويشو Ben Whishaw ممثل بريطاني شاب، قدراته الفنية في التمثيل، لا تميزه عن الآخرين، ولكته يتفوق عليهم بقدرته الفائقة على القاء الشعر..يمكن القول إنه الأفضل بين كل الممثلين البريطانيين، القادرين على فهم الشعر والقائه..هيئة الاذاعة البريطانية لا ترى له بديلا في القاء الشعر..ولا تتردد في الاستعانة به في كل برامجها التي يكون فيها الشعر حاضرا..
عرضت المخرجة السيناريو على الممثل *بن ويشو* وتركته معه، على أن يلتقيا لاحقا لمناقشة التفاصيل..
قرأ الممثل النص واستوعبه تماما حتى اصبح قادرا على القيام بالدور، على اكمل وجه..
الوصف الذي أوردته المخرجة في السيناريو للشاعر الانجليزي كيتس Keats كان هو نفس الوصف الذي ذكره الممثل الذي قام بدور الشاعر العظيم..
قال الممثل ويشو عن الشاعر كيتس: تخيلته- وأنا أقرأ نص السيناريو -شخصا نحيلاً شاحباً، كأنه قصيدة لم تكتمل، يمشي بخفة كأنه يخشى أن يوقظ العالم. عيناه واسعتان، قلقتان، فيهما حمى الإبداع وحمى السل معاً. صوته خافت، متقطع، كأن الكلمات تخرج منه بعد أن مرت على قلبه.
لم يكن عاشقاً صاخباً، بل عاشقاً خجولاً يخجل من حبه. حين ينظر إلى عشيقته فاني براون Fanny Browne، لا ينظر إليها كرجل ينظر إلى امرأة، بل كشاعر يحدق في معجزة لا يصدق أنها تسكن بجواره.
في مشاهد الفيلم الذي تابعته، أدى هذا الممثل الشاب دور الشاعر بقدارة، لا سيما حين بدأ مرض ذات الرئة ينهش رئتيه فيذوي.. لا يصرخ، بل ينطفئ. كشمعة في غرفة باردة. وهذا ما جعل أداءه مؤلماً: أنت ترى عبقرياً يعرف أنه سيموت قبل أن يصبح مشهوراً، ورغم ذلك يتدفق شعرا..
في المشهد الذي أظهر هذا الممثل، وهو يلقي واحدة من أشهر قصائد هذا الشاعر الانجليزي المحبوب، تراءت لي كلمات حسن نجيلة وهو يصف الخليل في تلك الأمسية الحزينة، بين أصفيائه في *صالون فوز* الام درماني..
كان الخليل يسعل بشدة وهو يؤانس جلساءه..حسن نجيلة قال إنه لم يكن بين جلساء تلك الأمسية، ولكنه سمع من أصدقائه، كيف أن الجلساء ذرفوا الدمع السخين، حين سعل الخليل بشدة ثم بصق دماً، كان لهم، إشارة إلى بلوغ المرض مرحلة متقدمة من نهش الرئتين..ومع ذلك أمسك الخليل العود وبدأ يشدو رغم الألم الممض:
*ويح قلبي الما انفك خافق*
*فارق أم درمان باكي شافق*
بكى أصدقاء الخليل، حين فهموا من هذا البيت، أن صاحبَهم، قد اتخذ القرار بالسفر إلى مصر للعلاج..
في الفيلم الذي شاهدته، كان الممثل *ويشو* هو الشاعر الانجليزي محبوب الجماهير كيتس Keats… نفس الهشاشة، نفس الذكاء، نفس القدرة على أن يكون شاعرا رغم المرض الذي ينهش رئتيه..رأيته يهزم الألم بالشدو:
*Where youth grows pale*
*And spectre-thin and dies*
في عالم البشر، الشباب لا يكمل دورته، كما ينبغي، ثم يشيخ بهدوء، بل يشحبُ لونُه ثم يصير شفافا كالشبح spectre-thin من المرض، ثم يموت في عز شبايه..
الشحوب واصفرار اللون والسعال الدامي والهزال، كلها كانت تهاجم الخليل بلا رحمة، كما قال حسن نجيلة، وكذلك كان الحال مع هذا الشاعر الانجليزي الذي رحل-كما الخليل- وهو في ريعان الشباب..
وعن كيتس-كما فهمت من الفيلم- يكون الحديث ذا شجون..
كيتس..
خديجاً وُلِد..
فقالوا، مجيئَه إلى الدنيا قبل أوانه، كان سبب التعاسة التي لازمته!
وآخرون قالوا بل تعاستُه تعود إلى سلالته، التي غلبت عليها التعاسة والكآبة..
يافعاً لم يتعد الثامنة في العمر كان؛ حين فقد والدَه لتلحقه والدتُه بعد بضع سنين؛ ليكون هو أكبر خمسة إخوة لا عائل لهم..
وفريق آخر قال، تعاستُه مردها إلى صدمة نفسية، فاجأه بها القدر، وهو في الثانية والعشرين حين قابل النقاد بفتور وتهكم؛ قصيدةً كتبها من *أربعة آلاف* بيت؛ على أمل أن تفتح له نافذةً، يطلُّ منها على عالم الشعر والأدب؛ وهو العالم الذي أحبه؛ وترك دراسة الطب من أجله..(القصيدة بعنوان إنديميون Endymion..وانديميون كما تقول الاسطورة اليونانية شاب راعي غنم فائق الجمال؛ رأته آلهة القمر سيلين Cynthia فعشقته)..وثبت لاحقا ان القصيدة من عيون الشعر الانجليزي، إلا أن النقاد لاسباب اجتماعية، اهملوها، لان والد كيتس، كان عامل اسطبلات، وأن كيتس لم يدرس في اكسفورد او كمبريدج-فاعتبروا القصيدة مبتذلة تأتي في سياق مدرسة لندن للشعر المبتذل cockney..وليس من طبقة شعراء اكسفورد..
انتاشت شاعرَنا سهامُ الاحباط من كل جانب..
وتوالت عليه الضربات؛ فأدرك الشاعر الخديج آنذاك؛ ضآلة أحلامه التي تعلق بها في ميدان الأدب..
وكأن ذلك كله لم يكن كافيا؛ أسلم صاحبنا قلبَه لعاطفة جامحة، تفور في دم محموم، إذ تعلق بفتاة تدعى Fanny Brawne..عشقها وعشقته، إلا أن الطبيب، جيمس كلارك، ابعدها عنه، بحجة أن الانفعال يلهب المرض ويزيده ألما ..في الفيلم تجيء هذه اللقطة، والشاعر يصيح بأعلى صوته:
*ليت الزمن توقف وأنا بين ذراعيها*
*O, might Time cease his flight, while yet I die*
*Within her arms-and so for ever die..*
هكذا تارة يتلقفه الشك والغَيرَة والعذاب؛ وتارة تعتصره النشوة الخيالية الخادعة؛ ويضعضعه شعوره بالحرمان، وخوف من فقر يربض على مقربة منه لا يريم؛ وما كان لطلل يتداعى، أن يصمد طويلا، أمام الحب والحرمان والشك والمرض والفقر..
ثم كانت لحظة الاحتضار فجمع أصحابَه حوله واوصاهم أن يكتبوا على شاهد قبره:
*Here lies one whose name was writ in water..*
*هنا يرقد شخص اسمه مكتوب على صفحة الماء..*
في إشارة إلى إهمال مجتمعه/نقاده له..
في قصيدته (المرثية) يصف كيتس حالته (وهي مشابهة لتلك الحالة التي تلبست الخليل وهو يودع اصدقاءه في دار فوز) :
My heart aches; and a drowsy numbness pains..
My sense; as though of hemlock I had drunk..
Or emptied some dull opiate to drains..
One minute past, and Lethe-wards had sunk..
*ما لقلبي يتنزّى سقما؛*
*ولحسِّي بات يرعى الألما؛*
*أتراني قد شربت الموتَ سُمّاً*
*أم رشفت الخمر نارا حمما*
*لحظة مرت؛ فاذا بي قد نسيت الكون طرا..*
قصيدة *دعاء إلى كروان* Ode to a nightingale اعتقدنا خطأً أيام الطلب، أنها ضرب من المفارقة بين ابتئاس الشاعر وسعادة الطائر المغرد..واكتشفنا بعد سنوات طويلة، أنها مفارقة بين سعادة الشاعر العارضة، التي يستمدها من غناء الكروان وبين احساسه العميق بالحزن..
فاذا كان الخليل في قصيدته شدا لأصحابه مودعا (ربما بلا أوبة!) فها هو كيتس يرسم لنا اللوحة ذاتها بطريقته:
One minute past, and Lethe-wards had sunk
*لحظةٌ مرت فإذا بي قد نسيت الكون طٌرّا..*
ترجمتي لهذا البيت؛ قد لا تفي الفكرة التي ارادها الشاعر؛ حقَّها، كما ينبغي..
فكلمة Lethe هنا تعني ذلك النهر، الذي قالت عنه الميثولوجيا الاغريقية، إن من شرب منه، فقد ذاكرتَه، وتسربله نسيانٌ يلغي ما حوله من كون وحياة..
رحل كيتس-كما قلت- بعد أن طلب من أصدقائه أن يكتبوا على شاهد قبره:
*هنا يرقد شخص اسمه مكتوب على صفحة الماء*..
*Here lies one whose name was writ in water..*
هل يا ترى، خلّدنا-كما ينبغي-ذكرى الخليل؛ قيثارة الشعر ومزمار النغم، كما وصفه الشاعر الكبير, كمال الجزولي رحمه الله؟
لا أظن، بل وأجزم..!!
