السودان: دماء المعدّنين بين غموض الطيران وصمت السلطة

من يحمي المواطن السوداني حين يصبح البحث عن لقمة العيش مغامرة ؟

 مهدي داوؤد الخلفية يكتب ..

لم تعد الحرب في السودان تكتفي بحصد أرواح المواطنين في ميادين القتال، أو تدمير المدن والقرى وتشريد السكان، بل امتدت مآسيها إلى أولئك الذين دفعتهم قسوة الظروف الاقتصادية إلى البحث عن لقمة العيش في المناطق النائية، حيث تتراجع مظلة الدولة وتغيب ضمانات الأمن والحماية. وفي حادثة استهداف المعدّنين السودانيين بمنجم العقيدات، بالقرب من سوق الأنصاري وعلى مقربة من الحدود السودانية المصرية، تتجدد الأسئلة المؤلمة حول قيمة حياة المواطن السوداني، ومسؤولية الدولة عن حمايته، وأسباب الصمت الرسمي إزاء مأساة بهذا الحجم.

لقد خرج هؤلاء الشباب إلى مناطق التعدين بحثاً عن الرزق، لا عن الحرب. حملوا أحلامهم البسيطة في العودة إلى أسرهم بما يعينها على مواجهة أعباء الحياة، في بلد أنهكت الحرب اقتصاده، وضيّقت فرص العمل، ودفعت أعداداً كبيرة من المواطنين إلى البحث عن مصادر بديلة للدخل، مهما كانت مخاطرها. لكن الرحلة التي كان يُفترض أن تكون سعياً إلى حياة أفضل تحولت، وفقاً للتقارير المتداولة، إلى مأساة إنسانية خلفت قتلى وجرحى ومفقودين، وأسرًا تنتظر أخبار أبنائها في قلق لا يمكن وصفه.

وراء كل ضحية أم تنتظر اتصالاً من ابنها، وأب يرجو عودته سالماً، وأطفال وأسر يعتمدون على ما يوفره لهم من دخل. هؤلاء ليسوا مجرد أرقام في إحصاءات الحرب، بل بشر لهم حقوق وأحلام، ومن حقهم أن يعملوا ويعيشوا دون أن تتحول رحلة البحث عن الرزق إلى حكم بالموت.

حتى الآن، لا تزال هوية الطيران الذي نفّذ العملية بحاجة إلى توضيح رسمي وأدلة موثوقة، في وقت تتداول فيه جهات اتهامات تنسب الهجوم إلى الطيران الحربي المصري. وأمام خطورة هذه الاتهامات وما يُتداول عن حجم الخسائر البشرية، فإن واجب المسؤولية يقتضي عدم استباق نتائج التحقيق، لكنه يقتضي، بالقدر نفسه، رفض ترك الحقيقة رهينة للشائعات والتكهنات.

من هنا، تصبح مطالبة السلطات المصرية بإصدار بيان واضح أمراً ضرورياً. فإذا كانت القوات الجوية المصرية قد نفذت العملية، فمن حق الرأي العام معرفة طبيعتها ومبرراتها والظروف التي أحاطت بها، ومدى اتخاذ التدابير اللازمة لحماية المدنيين. وإذا لم تكن لها صلة بالحادثة، فإن إعلان ذلك رسمياً من شأنه أن يضع حداً للاتهامات المتداولة، ويفتح المجال أمام تحديد الجهة المسؤولة الحقيقية.

إن العلاقات التاريخية والاجتماعية بين الشعبين السوداني والمصري لا تتعارض مع المطالبة بالحقيقة، بل إن صون هذه العلاقات يتطلب الوضوح والشفافية واحترام أرواح المواطنين. فالصداقة بين الشعوب لا تُحمى بالتعتيم، وإنما بالاعتراف بالحقائق، ومعالجة الأخطاء، ومحاسبة المسؤولين عن أي انتهاكات تثبتها التحقيقات.

غير أن السؤال الأهم لا يقتصر على تحديد هوية الطيران المسؤول عن الحادثة، بل يمتد إلى مساءلة السلطات السودانية عن موقفها منها، وما اتخذته من إجراءات لكشف ملابساتها، وحماية مواطنيها، والدفاع عن حقوق الضحايا وأسرهم.

فالدولة ليست مجرد سلطة سياسية أو مؤسسات عسكرية تسعى إلى تحقيق المكاسب الميدانية؛ بل هي، قبل كل شيء، مسؤولية عن حياة المواطنين وحقوقهم وكرامتهم. وعندما يتعرض سودانيون للقصف في منطقة حدودية، فإن واجب الحكومة يقتضي التحرك العاجل، والتحقق من الوقائع، والتواصل مع السلطات المعنية، وإطلاع الرأي العام على ما يتوافر لديها من معلومات. ولا يجوز أن يُترك المواطنون وأسر الضحايا في مواجهة الشائعات والتكهنات، بينما تظل المؤسسات المعنية صامتة إزاء أسئلة مشروعة تتعلق بأرواح السودانيين.

وتتضاعف خطورة هذا الصمت في ظل تكرار الحوادث المتداولة في المنطقة، من دون أن تتضح للرأي العام نتائج التحقيقات بشأنها أو المسؤوليات المترتبة عليها. فغياب التوضيحات الرسمية والمحاسبة لا يبدد الشكوك، بل يراكم الغبن في نفوس المواطنين، ويعمّق شعورهم بأن أرواحهم لا تحظى بالاهتمام الذي تستحقه.

ولا يجوز أن يكون انشغال الحكومة بالحرب ذريعة لتأجيل واجب حماية المواطنين أو تجاهل حقوقهم. فمهما بلغت التحديات الأمنية والعسكرية التي تواجه الدولة، فإنها لا تعفيها من مسؤوليات التحقيق والمساءلة واتخاذ التدابير الوقائية. بل إن اتساع رقعة الحرب وضعف مؤسسات الدولة يجعلان حماية المدنيين أكثر إلحاحاً، لا أقل أهمية. ومن هنا، يصبح من المشروع أن يتساءل المواطن السوداني: ما قيمة أي تقدم عسكري إذا عجزت الدولة عن ضمان الحد الأدنى من الأمن لأبنائها؟ وما معنى الحديث عن السيادة الوطنية إذا لم يصاحبه تحرك واضح عندما تتعرض حياة السودانيين للخطر في المناطق الحدودية؟

وفي هذا السياق، لا يمكن إغفال التقارير والشهادات التي تحدثت عن استهداف الطيران الحربي السوداني مناطق سكنية وأسواقاً وتجمعات مدنية، في عمليات استندت إلى الاشتباه في وجود مؤيدين لقوات الدعم السريع أو اتهام السكان بالتعاون معها. وهذه الادعاءات، حتى عندما تُطرح في سياق العمليات العسكرية، لا تبرر استهداف المدنيين، ولا تجعل مناطقهم أهدافاً عسكرية مشروعة بصورة جماعية. فالقانون الدولي الإنساني يُلزم أطراف النزاع بالتمييز بين المدنيين والمقاتلين، والتحقق من طبيعة الأهداف، واتخاذ الاحتياطات اللازمة لتجنب إلحاق الأذى بالمدنيين. كما أن مجرد الاشتباه في الولاء السياسي أو التعاطف مع أحد أطراف النزاع لا يُسقط عن الإنسان صفته المدنية ولا يحرمه من الحماية القانونية المقررة له.

إن المعيار الذي ينبغي أن يحكم موقفنا من هذه الحوادث هو واحد لا يتغير بتغير هوية الجهة المسؤولة أو موقعها في الصراع. فلا يجوز إدانة استهداف المدنيين إذا نُسب إلى طيران دولة أخرى، ثم تجاهل التقارير والاتهامات المتعلقة باستهدافهم بواسطة الطيران السوداني. كما لا يجوز اتخاذ الحرب على قوات الدعم السريع مبرراً لتجاوز حقوق المواطنين أو إعفاء أي جهة عسكرية من المساءلة عن الانتهاكات التي تثبت مسؤوليتها عنها.

إن حياة السودانيين وكرامتهم ليستا موضوعاً للمساومة السياسية أو العسكرية، وحماية المدنيين ليست امتيازاً تمنحه السلطة لمن تشاء، بل واجب قانوني وأخلاقي لا يتجزأ. فالدفاع عن حقوق المواطنين يقتضي التمسك بهذا المبدأ في مواجهة جميع الأطراف، دون انتقائية أو ازدواجية في المعايير؛ لأن الدولة التي تطالب الآخرين باحترام سيادتها وحقوق مواطنيها مطالبة، في المقابل، بأن تجعل حماية هؤلاء المواطنين ومساءلة المسؤولين عن الانتهاكات في صدارة أولوياتها.

لا يمكن فصل مأساة المعدّنين عن الانهيار الاقتصادي الذي أصاب السودان منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023. فقد تراجعت الأنشطة الإنتاجية، وفقد كثيرون أعمالهم ومصادر دخلهم، وتضررت الأسواق والخدمات، وأصبحت سبل العيش أكثر صعوبة في مناطق واسعة من البلاد.

وفي ظل هذا الواقع، يتجه بعض الشباب إلى التعدين الأهلي في مناطق نائية، بحثاً عن مورد يساعدهم على إعالة أسرهم. لكن العمل في تلك المناطق قد يجمع بين مخاطر الطبيعة، وضعف الخدمات الصحية، وانعدام وسائل الإنذار والحماية، والتعرض للعمليات العسكرية أو الأمنية.

وهنا تبرز مسؤولية الدولة عن تنظيم أنشطة التعدين، وتوفير المعلومات المتعلقة بالمناطق الخطرة، وإنشاء آليات للتنسيق الحدودي، واتخاذ إجراءات عملية لحماية العاملين المدنيين. فليس مقبولاً أن يواجه المواطن وحده مخاطر الفقر والحرب معاً، ثم يُترك مصير أسرته معلقاً بين الأخبار المتضاربة والصمت الرسمي.

إن استمرار الحرب لا يقتل المواطنين بالرصاص والقصف وحدهما؛ بل يسلبهم أيضاً مصادر رزقهم، ويدفعهم إلى خيارات محفوفة بالمخاطر، ويضعف قدرة الدولة على حمايتهم. ولذلك فإن حماية الأرواح تقتضي النظر إلى الأسباب الاقتصادية والاجتماعية التي تجعل الناس أكثر عرضة للخطر، إلى جانب التحقيق في المسؤولية المباشرة عن الحادثة.

إن المطلوب اليوم ليس تبادل الاتهامات، ولا الاكتفاء ببيانات الإدانة والتعزية، وإنما اتخاذ خطوات عملية ومعلنة.

أول هذه الخطوات إصدار السلطات المصرية والسودانية توضيحات رسمية بشأن الحادثة، وتحديد موقعها وتوقيتها والجهة التي نفذتها، في ضوء الأدلة المتاحة. وثانيها إجراء تحقيق مستقل وشفاف، والاستماع إلى الشهود، وفحص الأدلة المتوفرة، وإعلان النتائج للرأي العام. وثالثها حصر القتلى والجرحى والمفقودين، وتقديم الرعاية الطبية للمصابين، والعمل على إنصاف أسر الضحايا وتعويضها وفقاً للقانون وما تثبته التحقيقات.

كما ينبغي وضع ترتيبات عملية لمنع تكرار مثل هذه الحوادث، تشمل تبادل المعلومات والتنسيق بين الجهات المختصة، وتوفير الإنذار المبكر، وتحديد المناطق التي تشكل خطراً على المدنيين، وإبلاغ العاملين فيها بالمخاطر التي قد تهدد حياتهم.

ولا تقل أهمية عن ذلك ضرورة مساءلة أي جهة يثبت تقصيرها في أداء واجباتها أو مسؤوليتها عن استهداف غير مشروع للمدنيين، أياً كانت صفتها أو تبعيتها. فالقانون لا ينبغي أن يتوقف عند حدود النفوذ العسكري أو السياسي، وحقوق الضحايا لا يجوز أن تضيع وسط حسابات الحرب.

إن مأساة المعدّنين السودانيين تضع الدولة أمام اختبار حقيقي لمسؤوليتها الوطنية والأخلاقية. فالمواطن الذي يخرج بحثاً عن لقمة العيش لا ينبغي أن يُترك لمصيره، وأسر الضحايا لا يجوز أن تُحرم من معرفة الحقيقة، والرأي العام ليس مطالباً بقبول الصمت بديلاً عن المساءلة.

لقد أنهكت الحرب السودانيين، ولم يعد في وسعهم تحمل مزيد من الفواجع التي تمر دون إجابات واضحة. ومن حقهم أن يعرفوا من قتل أبناءهم، وفي أي ظروف، وما الذي فعلته الدولة لحمايتهم وإنصاف ذويهم. إن هذه ليست مطالب سياسية فحسب، بل حقوق أساسية لا يجوز التنازل عنها.

إن السودان الذي ننشده هو دولة تكون فيها حياة الإنسان أغلى من الحسابات العسكرية،

وتكون فيها كرامة المواطن أساس الشرعية

وتخضع فيها السلطة للمساءلة عن أفعالها وواجباتها. أما النصر الذي لا يحمي المواطنين، ولا يصون حقوقهم، ولا يخفف معاناتهم، فيظل ناقصاً مهما كانت نتائجه الميدانية.

الرحمة للضحايا، والشفاء العاجل للجرحى، والعودة الآمنة للمفقودين إلى أسرهم. ولتكن هذه المأساة جرس انذار يكسر الصمت،و يفتح الطريق امام كشف الحقيقة، و محاسبة كل من تثبت مسؤوليته فحياة المواطن السوداني و كرامته يجب ان تظلا في صدارة أولويات الدولة لا ان تهمشا تحت وطأة الحرب و حساباتها فالمواطن السوداني ليس وقوداً للحرب، ولا ينبغي ان يدفع حياته ثمناً للسعي وراء لقمة العيش او ان يترك بلا حماية او إنصاف.