
السودان..وفيات داخل سجن دقريس ومزاعم نزع أعضاء في نيالا.. ماذا تكشف الأدلة؟
الخرطوم/الغد السوداني – أفاد تقرير لـ«دويتشه فيله» (DW) بوفاة أكثر من 215 محتجزاً داخل سجن دقريس بمدينة نيالا في ولاية جنوب دارفور خلال مايو ويونيو 2026، وفقاً لبيانات شبكة أطباء السودان ولجنة العدالة، وسط تقارير عن سوء المعاملة وغياب الرعاية الصحية، ومخاوف بشأن مصير عشرات المحتجزين الذين نُقلوا إلى المستشفى قبل انقطاع المعلومات عنهم.
وأشار التقرير إلى أن هذه الوقائع تزامنت مع اتهامات أطلقتها الحكومة السودانية لقوات الدعم السريع بشأن الاتجار بالأعضاء البشرية داخل مراكز الاحتجاز، إلى جانب شهادات قدمتها منظمات سودانية عن حالات يُشتبه في تعرض أصحابها لعمليات استئصال أعضاء، في وقت لا تزال فيه هذه المزاعم بحاجة إلى أدلة طبية وجنائية مستقلة تحسمها.
وبحسب التقرير، أعلنت شبكة أطباء السودان في 24 يونيو الماضي وفاة أكثر من 215 مدنياً داخل سجن دقريس بسبب الأمراض والأوبئة والتعذيب وسوء المعاملة وانعدام الرعاية الصحية. كما تحدثت عن نقل 31 محتجزاً، بينهم أطفال، إلى مستشفى نيالا، قبل أن يصبح مصيرهم مجهولاً.
وأشارت لجنة العدالة، وفق التقرير، إلى وقائع مماثلة، مؤكدة وفاة أكثر من 215 معتقلاً خلال الفترة نفسها، إلى جانب اختفاء أثر المحتجزين الذين نُقلوا إلى المستشفى، في ظل ظروف احتجاز وصفتها المنظمة بأنها تفتقر إلى الحد الأدنى من المعايير الصحية والإنسانية.
شهادات عن استئصال أعضاء بشرية
ونقل تقرير «دويتشه فيله» عن رئيس منظمة مشاد، أحمد عبد الله إسماعيل، قوله إن المنظمة رصدت نحو 1700 حالة قال إنها تحمل مؤشرات متشابهة بشأن الاشتباه في استئصال أعضاء بشرية، بينها الكلى، دون موافقة أصحابها أو ذويهم، استناداً إلى شهادات ومعلومات جمعتها المنظمة.
وأضاف إسماعيل أن المنظمة أجرت مقابلات مع ناجين وناجيات، وساعدت في إخراج أكثر من 110 أشخاص إلى جنوب السودان وتشاد، مشيراً إلى حالة فتاة تبلغ 16 عاماً، وأخرى لامرأة قالت إنها اشتبهت في استئصال رحمها بعد اطلاعها على أوراق طبية ورد فيها أن العملية التي خضعت لها كانت لإزالة الرحم.
وتحدث رئيس المنظمة، وفق التقرير، عن وجود أطباء من جنسيات مختلفة في المنطقة، وقال إن فرق الرصد اطلعت على صور جوازات سفر لبعض الأشخاص، مع استمرار ورود حالات جديدة يجري التحقق منها، بحسب إفادته.
كما أورد التقرير إفادات عن شبهات تتعلق بعمليات جراحية أُجريت لمحتجزين دون موافقتهم، وربط بعض هذه المعلومات بمراكز احتجاز في نيالا والفاشر. غير أن هذه الروايات تظل ادعاءات منسوبة إلى الجهات التي قدمتها، ولا تكفي وحدها لإثبات وجود شبكة منظمة للاتجار بالأعضاء.
صور أقمار صناعية وأسئلة بشأن الأدلة
وفي سياق متصل، أشار التقرير إلى تحليل صور أقمار صناعية أجراه مختبر الشؤون الإنسانية بجامعة ييل بالتعاون مع وكالة أسوشيتد برس، رصد أجساماً بيضاء داخل محيط المستشفى السعودي وبالقرب من مستشفى الأطفال في الفاشر، ورجح أنها قد تكون جثثاً.
لكن التقرير أوضح أن هذه الصور لا تثبت، بمفردها، أسباب الوفيات أو الجهة المسؤولة عنها، كما لا تقدم دليلاً مباشراً على وقوع عمليات استئصال أعضاء بشرية.
ونقل التقرير عن مدير المركز السوداني لحقوق الإنسان، أمية يوسف، قوله إن الحرب التي اندلعت في أبريل 2023 أسهمت في إضعاف مؤسسات الدولة والرقابة الأمنية والقانونية، ووفرت ظروفاً أكثر ملاءمة لنشاط شبكات الاتجار بالبشر والتهريب عبر الحدود.
وشدد يوسف على ضرورة التمييز بين الانتهاكات المتعلقة بالاحتجاز وسوء المعاملة والاختفاء القسري، وبين الاتهامات الخاصة بالاتجار بالأعضاء، التي تتطلب أدلة طبية وجنائية مستقلة قبل الوصول إلى استنتاجات نهائية.
المتعاقدون الكولومبيون والارتباط غير المثبت
وتناول التقرير إدراج مجلس الأمن الدولي رجل الأعمال الكولومبي ماتيو أندريس دوكي بوتيرو على قائمة العقوبات المتعلقة بالسودان في أبريل 2026، على خلفية اتهامات بدور محوري في تمويل وتنسيق عمل عسكريين كولومبيين سابقين قدموا خبرات عسكرية لقوات الدعم السريع.
وأشار إلى أن الوثائق الدولية تثبت وجود متعاقدين عسكريين كولومبيين في مناطق خاضعة لسيطرة قوات الدعم السريع، بما فيها نيالا، لكنها لا تتضمن، وفق مراجعة التقرير، أدلة علنية تربط هؤلاء المتعاقدين بمزاعم الاتجار بالأعضاء، أو تثبت مشاركة أطباء كولومبيين في عمليات من هذا النوع.
وبذلك يظل إثبات وجود صلة مباشرة بين المتعاقدين العسكريين الأجانب والاتهامات المتعلقة باستئصال الأعضاء مسألة غير محسومة في ضوء الأدلة العلنية التي تناولها التقرير.
ويخلص التقرير إلى أن الوفيات داخل سجن دقريس، والتقارير المتعلقة باختفاء محتجزين، والشهادات عن عمليات جراحية مشبوهة، تثير تساؤلات جدية بشأن أوضاع المعتقلين في دارفور، لكن تأكيد وجود شبكة منظمة للاتجار بالأعضاء يظل مرهوناً بتحقيق مستقل وأدلة طبية وجنائية قابلة للتحقق.
