غرف الطوارئ السودانية ونوبل للسلام: جائزةٌ منحها الشعب لمن أنقذوا الحياة
مهدي داود الخليفة يكتب..
ليست كل الجوائز التي يستحقها الإنسان تُعلَّق على جدار، وليست كل شهادات التقدير تصدر عن المؤسسات الدولية. فهناك جوائز لا تحتاج إلى لجان تحكيم، ولا إلى مراسم احتفال، ولا إلى خطابات رسمية؛ يمنحها الناس بقلوبهم لمن وقفوا إلى جانبهم في أحلك اللحظات، حين تخلّى عنهم العالم، وغابت الدولة، وأصبحت لقمة الخبز أمنيةً يوميةً لملايين الجائعين.
تلك هي الجائزة التي يستحقها متطوعو غرف الطوارئ والتكايا في السودان: جائزة حب الشعب السوداني، وجائزة الإنسانية التي لا تحدّها الحدود، وجائزة كل شعوب العالم المحبة للسلام.
وإذا تجاوزت جائزة نوبل للسلام هذا العام تجربة غرف الطوارئ السودانية، فإن ذلك لا ينتقص من عظمة هذه التجربة، ولا يقلل من قيمة ما قدمه آلاف الشباب والشابات الذين اختاروا أن يقفوا في صف الحياة، في وقتٍ انشغل فيه آخرون بإدارة الحرب، وتأجيج الصراع، وتوسيع دائرة الموت والدمار.
لا نكتب هذه السطور طعنًا في قرار منح جائزة نوبل للسلام لعام 2026 للسيدة الحقوقية الجنوب أفريقية نافانثيم «نافي» بيلاي، تقديرًا لدورها في الدفاع عن القانون الدولي ومكافحة الجرائم المرتكبة خلال النزاعات، بما فيها جرائم الحرب والإبادة الجماعية. فالدفاع عن القانون الدولي ومحاسبة مرتكبي الجرائم الفظيعة من القضايا التي تستحق التقدير، ولا ينبغي أن يتحول الاحتفاء بإنجاز إنساني إلى انتقاص من إنجاز إنساني آخر.
لكن احترامنا للفائزة لا يمنعنا من التساؤل عن مدى إنصاف تجربة سودانية استثنائية، جسّدت في الميدان معاني السلام والتضامن وحماية الإنسان، في بلدٍ تحوّلت فيه الحرب إلى مأساة مفتوحة، وأصبح المدنيون يدفعون ثمن صراع لم يختاروه.
إن العتاب هنا موجّه إلى القائمين على منظومة الترشيح والتقييم، وإلى المجتمع الدولي الذي كثيرًا ما يتحدث عن السلام في المؤتمرات، بينما تتجسد معانيه الحقيقية في أفعال متطوعين بسطاء، يطبخون الطعام، ويوفرون الدواء، ويساعدون النازحين، ويخاطرون بحياتهم لإنقاذ الآخرين.
فهل يكفي أن نتحدث عن السلام من فوق المنصات، بينما لا نمنح الاهتمام الكافي لأولئك الذين يصنعونه بأيديهم وسط أزيز الرصاص؟
منذ اندلاع الحرب في السودان في أبريل 2023، انهارت مقومات الحياة في مناطق واسعة من البلاد. دُمّرت المنازل، وتوقفت مصادر الرزق، وتعرّضت المستشفيات ومرافق الخدمات لضغوط هائلة، واضطرت ملايين الأسر إلى النزوح والتشرّد. وفي ظل هذه الكارثة، وجد كثير من السودانيين أنفسهم أمام سؤال يومي قاسٍ: كيف نطعم أطفالنا؟ وأين نجد الدواء؟ ومن يمدّ إلينا يد العون؟
في هذه اللحظة الحرجة، لم ينتظر شباب السودان حلولًا سياسية، ولم يشترطوا توقف الحرب حتى يتحركوا. أسسوا غرف الطوارئ، وفتحوا التكايا والمطابخ الجماعية، ونظموا حملات جمع التبرعات، ووفروا الغذاء والماء والدواء، وساعدوا الأسر على الوصول إلى أماكن أكثر أمانًا.
لم يسألوا الجائع عن قبيلته أو دينه أو انتمائه السياسي، ولم يطلبوا منه أن يعلن موقفًا من هذا الطرف أو ذاك. كان معيارهم الوحيد هو الحاجة الإنسانية.
وفي بلدٍ تمزقه الاستقطابات، أصبحت التكايا مساحاتٍ نادرة يلتقي فيها السودانيون حول ما يجمعهم، لا ما يفرقهم. هناك، أمام قدر الطعام، تتراجع الخلافات، وتسقط الحواجز، ويصبح الإنسان إنسانًا فحسب.
ولعل العبارة الشعبية السودانية «مافي دين بلا عجين» تختصر جانبًا عميقًا من هذه التجربة؛ فالإيمان الذي لا ينعكس رحمةً بالناس، والتدين الذي لا يستشعر آلام الجائعين، يفقدان جانبًا جوهريًا من رسالتهما الأخلاقية.
لقد حظيت غرف الطوارئ السودانية بتقدير دولي من خلال جائزة بالزان للإنسانية والسلام والأخوة بين الشعوب لعام 2026، وهو تكريم يعكس أهمية المبادرات المجتمعية التي واصلت تقديم المساعدة في ظل الحرب وانهيار الخدمات وصعوبة وصول الإغاثة إلى المحتاجين.
وكان ينبغي لهذا الاعتراف أن يتحول إلى مناسبة وطنية جامعة، وأن يتصدر النقاش العام، وأن يجد الاهتمام الذي يليق بإنجازٍ صنعه سودانيون لم يملكوا جيوشًا ولا سلطات ولا موارد ضخمة، وإنما امتلكوا الإرادة والشجاعة والإحساس بالمسؤولية.
لكن المؤلم أن هذا الإنجاز لم يحظَ، في تقديرنا، بما يستحقه من صدى وطني واسع، وسط انشغال الناس بمآسي الحرب اليومية، واستمرار الاستقطاب السياسي، وتراجع الاهتمام بما يفعله السودانيون لإنقاذ بعضهم بعضًا.
ومع ذلك، فإن الاعتراف الدولي، مهما كانت أهميته، ليس هو المقياس الوحيد لقيمة العمل الإنساني. فالجائزة الحقيقية تكمن في طفلٍ نام شبعان، وأمٍّ وجدت ما تقدمه لأبنائها، ومريضٍ حصل على دوائه، وأسرةٍ نازحةٍ شعرت بأن هناك من لم ينسها.
وراء كل وجبة طعام حكاية لا تظهر في الصور، ووراء كل تكية تواصل عملها متطوعون يواجهون أخطارًا حقيقية. فقد قُتل متطوعون أثناء أداء واجبهم الإنساني، وأُصيب آخرون، وفقد بعضهم أطرافًا أو تعرضوا لإعاقات دائمة، بينما واصل زملاؤهم العمل رغم الخوف والحزن وشح الموارد.
هؤلاء لم يحملوا السلاح ليقتلوا،
بل حملوا الطعام ليمنحوا الحياة.
لم يتقدموا إلى ساحات القتال بحثًا عن مجد شخصي،
بل دخلوا الأحياء المنكوبة والمناطق المحاصرة ليقفوا إلى جانب أناس لم يجدوا من يساعدهم.
إنهم يستحقون أكثر من كلمات الإشادة. يستحقون رعاية المصابين، ودعم أسر الذين فقدوا حياتهم، وتأمين الموارد اللازمة لاستمرار عمل غرف الطوارئ والتكايا، والاعتراف بحقهم في أداء واجبهم الإنساني دون تهديد أو استهداف.
ومن هنا، فإن مسؤولية السودانيين في المهجر ليست مسؤولية عاطفية فحسب، بل هي واجب وطني وأخلاقي. فما جدوى الأمان الذي نعيشه بعيدًا عن الحرب إذا لم نستطع أن نمدّ يد العون إلى أهلنا الذين تركناهم خلفنا؟
ليس مطلوبًا من الجميع تمويل مطبخ كامل؛ فالمساهمات الصغيرة، حين تنتظم وتتضافر، تستطيع أن توفر وجباتٍ لعشرات الأسر. وليس مطلوبًا من كل شخص أن يكون متطوعًا في الميدان؛ إذ يمكنه أن يسهم بالمال أو الدواء أو نشر النداءات الموثوقة، أو مساعدة المصابين وأسر الضحايا.
إن الوفاء الحقيقي لهؤلاء الشباب يبدأ من ألا نترك التكايا وحدها، وألا نسمح بأن تتوقف رسالتها بسبب نقص الموارد أو غياب التضامن.
لقد كشفت تجربة غرف الطوارئ حقيقة سياسية واجتماعية بالغة الأهمية: أن المجتمع السوداني يمتلك من الطاقات والقدرات ما يمكّنه من حماية الحياة حتى في ظل انهيار مؤسسات الدولة. لكنها كشفت أيضًا حدود العمل التطوعي؛ فليس من العدل أن نترك الشباب يتحملون إلى الأبد أعباء الإغاثة التي تقع على عاتق الدولة، أو أن نجعل تضحياتهم ذريعةً للتغاضي عن مسؤولية أطراف الحرب عن حماية المدنيين، وعن واجب المجتمع الدولي في دعم الاستجابة الإنسانية.
غرف الطوارئ ليست بديلًا دائمًا عن الدولة، وإنما هي دليل على ما يستطيع الشعب فعله حين تتعطل مؤسساته. والسودان الذي نطمح إليه هو السودان الذي تتحول فيه هذه الروح التطوعية إلى أساسٍ لبناء دولة مدنية عادلة، تحترم مواطنيها، وتصون كرامتهم، وتوفر لهم الغذاء والدواء والتعليم والأمن.
إن السلام ليس مجرد توقيع اتفاق بين المتحاربين، ولا صورة تذكارية لقادة يجلسون حول طاولة المفاوضات. السلام يبدأ عندما يتوقف استهداف المدنيين،
وعندما يصبح وصول الغذاء والدواء حقًا لا امتيازًا، وعندما لا يضطر طفل إلى انتظار وجبة من مطبخ خيري كي يواصل حياته.
لهذا، فإن غرف الطوارئ تستحق أن تكون حاضرة في ضمير العالم، وفي ذاكرة السودان، وفي كل نقاش جاد عن السلام والعمل الإنساني.
وإذا لم تذهب جائزة نوبل للسلام هذا العام إلى غرف الطوارئ السودانية، فإننا نمنحها، من موقعنا كمواطنين سودانيين، جائزةً لا تقل قيمةً عن أي تكريم دولي: جائزة حب الشعب، وجائزة الوفاء لمن أنقذوا الحياة، وجائزة السلام الذي يصنعه الناس حين تعجز السياسة عن حمايتهم.
قد تملك المؤسسات الدولية سلطة منح الأوسمة، لكن الشعوب تملك حق الاعتراف بمن يستحقون الخلود في ذاكرتها.
ولغرف الطوارئ السودانية نقول: شكرًا لأنكم اخترتم الحياة حين اختار آخرون الحرب،
وشكرًا لأنكم أثبتم أن الإنسانية لا تموت ما دام هناك من يقتسم لقمة الخبز مع الجائع.
وللذين فقدوا أرواحهم وأطرافهم وهم يؤدون هذا الواجب النبيل، نقول: إن دماءكم وتضحياتكم أمانة في أعناقنا، وإن الوفاء لكم لا يكون بالبكاء على ذكراكم وحده، بل بمواصلة ما بدأتموه، ودعم من بقي من رفاقكم، وحماية التكايا التي جعلتم منها ملاذًا للمحتاجين.
نوبل جائزة تمنحها لجنة، أما جائزة الشعب فلا تمنحها إلا القلوب التي عرفت معنى التضحية. وغرف الطوارئ السودانية قد نالت هذه الجائزة بالفعل؛ لأنها لم تنتظر السلام كي تخدم الإنسان، بل جعلت من خدمة الإنسان طريقًا إلى السلام.
