
جدل حظر الفول المصري بين الإحلال وغلاء الأسواق
الخرطوم/ الغدالسوداني – أمين محمد – يمثل حظر استيراد الفول المصري اختباراً حقيقياً لمرونة الاقتصاد المحلي ومدى جاهزية قطاعه الزراعي لتعويض السلع الأساسية المستوردة. وبينما تحمل السياسة الجديدة أبعاداً هيكلية تستهدف تقليل الاختلال في الميزان التجاري، تظل نجاحاتها رهينةً بتوفير بيئة إنتاجية متكاملة تضمن عدم انقطاع الإمداد؛ إذ يحذر مراقبون من أن أي تعثر في التغطية الفورية للطلب الاستهلاكي سيتسبب في ضغوط سعرية حادة تثقل كاهل قطاع واسع من المواطنين والأنشطة الاقتصادية الصغيرة.
بدائل محاصرة
يصف المواطن أحمد سعيد قرار حظر استيراد الفول المصري بـ «غير الموفق»، معتبراً أنه يكرر سيناريوهات القرارات الاقتصادية السابقة التي أثقلت كاهل الشارع. ويستشهد سعيد بقرار حظر استيراد الأرز الذي أدى إلى ارتفاع أسعاره لمستويات قياسية؛ إذ كان الأرز يُشكل البديل الغذائي المتاح والأقل تكلفة للأسر في أوقات ندرة الخبز أو ارتفاع أسعاره، بينما بات الآن بعيداً عن متناول الشرائح ضعيفة الدخل.
ضغوط معيشية
ويُحذّر «سعيد» من أن حظر الفول المصري سيفاقم الضغوط المعيشية عبر دفع أسعار الفول المحلّي والبدائل المتاحة إلى قفزات جديدة، بالنظر إلى أسبقية الفول كسلعة استراتيجية ورئيسية في المائدة اليومية. ويتساءل المواطن عن المدى الذي يمكن أن تتجه إليه القدرة الشرائية للشرائح البسيطة في ظل قرارات رسمية تُفاقم الغلاء وتفتقر إلى الملاءمة مع الظروف الاقتصادية الراهنة للمواطنين.
توقيت خاطئ
يرى المواطن إسحق عباس يعقوب أن قرار حظر استيراد الفول المصري صدر في «توقيت غير مناسب كلياً»، بالنظر إلى ظروف الحرب وتراجع القوة الشرائية لمعظم الأسر السودانية التي ألجأها ارتفاع أسعار اللحوم والمواد الغذائية إلى الاعتماد على الفول باعتباره الملاذ الرئيسي للغذاء. ويشير يعقوب إلى أن الفول يمثل شريان الحياة المعيشي للشرائح الضعيفة، وأن محاصرته بقرارات الحظر تضاعف من وطأة المعاناة اليومية.
قفزات متوقعة
ويُعرب «يعقوب» عن قلقه البالغ من القفزات السعرية الوشيكة، موضحاً أنه حتى قبل إقرار الحظر كان التجار يرفضون بيع الفول بمبالغ صغرى نظراً لارتفاع تكلفته، متوقعاً أن ترتفع أدنى قيمة للشراء لمستويات غير مقدورة للمواطن البسيط. ويستغرب فرض مثل هذه القيود في ظل تداعيات الحرب الراهنة التي أدت إلى فقدان أعداد كبيرة من المزارعين وخسارة الموارد والإنتاج الزراعي المحلي، مؤكداً أن الأولوية كانت تتطلب تشجيع المستوردين وتسهيل تدفق السلع لضمان المنافسة وتخفيض الأسعار.
رؤية اقتصادية
يرى المستشار الاقتصادي أحمد حسن الفادني أن قرار حظر استيراد الفول المصري يأتي ضمن سياق يستهدف تشجيع الإنتاج المحلي والحد من استنزاف النقد الأجنبي في الاستيراد، مشيراً إلى أنه هدف استراتيجي من حيث المفهوم الاقتصادي. غير أن الفادني يربط نجاح هذه الخطوة بمدى جاهزية وقدرة القطاع الزراعي المحلي على سد الفجوة والتغطية الفورية للكميات المستوردة، لا سيما في ظل التعقيدات الحرجة التي يمر بها الاقتصاد السوداني حالياً.
ضغوط سعرية
ويُحذّر «الفادني» من أن القرار سيقود في الأجل القصير إلى ضغوط سعرية متصاعدة ونقص في المعروض إذا لم تُغطَّ الاحتياجات بالكامل؛ نظرًا للطلب الثابت والمستمر على الفول باعتباره سلعة غذائية استراتيجية. ويؤكد أن أي انكماش في المعروض في ظل استقرار الطلب سيؤدي حتماً إلى موجات غلاء جديدة تُجهز على القوة الشرائية للمواطنين، المنهكة أساساً بفعل التضخم المرتفع وتراجع المستويات المعيشية.
تحديات الإنتاج
ويوضح المستشار الاقتصادي أن امتلاك البلاد للإمكانيات والمقومات الزراعية لا يعني بالضرورة توفر المحصول بالكميات التجارية المطلوبة فورياً، لافتاً إلى عقبات هيكلية تقف أمام المزارعين؛ تشمل تعثر التمويل الزراعي، ارتفاع تكاليف المدخلات والوقود، مشكلات الري والنقل والتخزين، فضلاً عن الأضرار المباشرة التي خلّفتها الحرب على أداء الموسم الزراعي وسلاسل الإمداد والتوريد.
بدائل متوازنة
ويشدد «الفادني» على أن حماية المنتج المحلي لا ينبغي أن تقتصر على سياسة الحظر المطلق، داعياً إلى اعتماد تدابير متوازنة وحماية انتقالية عبر فرض رسوم جمركية مرنة أو تحديد حصص استيراد ترتبط بحجم الفجوة الفعلية بالسوق. ويطالب بالتوازي مع ذلك بتوفير المدخلات والتقاوي للزارعين، وتنشيط أسلوب الزراعة التعاقدية، إلى جانب بناء مخزون استراتيجي لتفادي شح السلعة وندرتها الموسمية.
تأثيرات ممتدة
وينبّه «الفادني» إلى الأثر المباشر للقرار على أصحاب الأنشطة الصغيرة والقطاع غير الرسمي، لا سيما أصحاب المطاعم الشعبية وبائعي الفول والعاملين في خطوط التوزيع؛ إذ سينعكس ارتفاع أسعار الخام إما على شكل زيادة في أسعار الوجبات المقدمة للجمهور أو انكماش في هوامش أرباح تلك الفئات، مما يتسبب في هزات اقتصادية لقطاع واسع يعتمد على هذه السلعة في دخله اليومي.
معادلة الاستقرار
ويختتم الفادني حديثه بالإشارة إلى أن القضية لا تكمن في المفاضلة بين الحظر والاستيراد، بل في إيجاد توازن دقيق يضمن حماية المنتج والمستهلك معاً عبر برنامج إنتاجي شامل. ويصوغ المعادلة المطلوبة في: «زيادة الإنتاجية + تأمين المعروض + حماية المزارع + استيراد مرن لسد الفجوة = استقرار السوق وحماية المستهلك»، داعياً السلطات إلى إقرار سياسات مدروسة ومتكاملة تجنّب الشارع المزيد من الأزمات والضغوط المعيشية.
