الكيزان بين خطاب الدين وسجل العنف والسلطة والتمكين
إيهاب الأمين يكتب ..
يصعب قراءة تاريخ جماعة الإخوان المسلمين في مصر بمعزل عن العلاقة المعقدة بين الدعوة والسياسة والتنظيم السري والعنف فمنذ نشأة الجماعة عام 1928 ظل تاريخها يتأرجح بين العمل السياسي والاجتماعي من جهة وبين وجود تنظيمات سرية وممارسات عنيفة ارتبطت بها أو خرجت من بيئتها الفكرية والتنظيمية من جهة أخرى ولذلك فإن الحكم على هذا التاريخ يحتاج إلى التمييز بين ما ثبت قضائياً وتاريخياً على الجماعة مباشرة وبين ما ارتكبته جماعات جهادية مستقلة تأثرت بالتيار الإسلامي السياسي الأوسع ومن أبرز الوقائع الثابتة في تاريخ الإخوان وجود ما عرف بالتنظيم الخاص وهو جهاز سري مسلح تأسس داخل الجماعة في أربعينيات القرن العشرين وارتبط هذا الجهاز بسلسلة من عمليات العنف والاغتيال والتفجير وكان من أبرز ضحاياه القاضي أحمد الخازندار الذي اغتيل عام 1948 ثم رئيس الوزراء محمود فهمي النقراشي الذي اغتيل في العام نفسه على يد أحد أعضاء التنظيم الخاص وتؤكد مصادر تاريخية مصرية أن التنظيم الخاص كان جزءا من البنية التنظيمية للجماعة وأنه استخدم العنف والاغتيال لتحقيق أهداف سياسية.
وهنا تظهر واحدة من أكثر المفارقات دلالة في تاريخ الجماعة خطاب ديني يتحدث عن الفضيلة والأخلاق والإصلاح وفي الخلفية تنظيم سري يتعامل مع الخصوم السياسيين بمنطق الاغتيال والتصفية وهذه ليست مجرد معركة في الكلمات بل وقائع دفعت شخصيات مصرية حياتها ثمنا للصراع السياسي حين تحول إلى عنف لكن من الضروري أيضاً تصحيح بعض الخلط الشائع فالرئيس المصري أنور السادات لم يقتل على يد جماعة الإخوان المسلمين كتنظيم وإنما اغتيل في السادس من أكتوبر عام 1981 على يد أعضاء من تنظيم الجهاد المصري وكان خالد الإسلامبولي ومجموعة من عناصر الجهاد وراء العملية وكان هذا التنظيم قد نشأ في البيئة الإسلامية المتشددة التي انشقت عن تيارات إسلامية سابقة في الوقت الذي كانت فيه قيادة الإخوان الرسمية قد أعلنت نبذ العنف منذ سبعينيات القرن العشرين لذلك فإن نسبة اغتيال السادات مباشرة إلى الإخوان المسلمين ليست دقيقة تاريخياً وإن كان من المشروع دراسة الصلات الفكرية والتاريخية بين تيارات الإسلام السياسي والجماعات الجهادية التي تبنت العنف والأمر نفسه ينطبق على اغتيال المفكر فرج فودة فقد اغتيل فودة في القاهرة عام 1992 على يد عناصر من الجماعة الإسلامية وهي جماعة جهادية مستقلة وليست جماعة الإخوان المسلمين كان فودة من أبرز المنتقدين لتوظيف الدين في السياسة وقد سبقت اغتياله حملة تكفيرية ضده ثم تبنت الجماعة الإسلامية مسؤولية قتله وتكشف القضية واحدة من أخطر صور تحويل الخلاف الفكري إلى حكم بالموت رجل يكتب ويناقش ويدعو إلى الدولة المدنية فيتحول الخلاف معه من حوار فكري إلى رصاصة.
وفي عام 1994 تعرض نجيب محفوظ الحائز على جائزة نوبل في الأدب لمحاولة اغتيال بطعنه في الرقبة وتؤكد مؤسسة نجيب محفوظ أن المعتدين كانوا من الجماعات المتطرفة الرافضة لأفكاره فيما يوثق موقع جائزة نوبل أن منفذ الهجوم كان من أتباع تنظيم الجهاد وهو التنظيم نفسه الذي ارتبط باغتيال السادات وقد نجا محفوظ لكن يده وقدرته على الكتابة تأثرتا بصورة دائمة وهكذا ينبغي ألا تختزل القضية في أسماء منفذين منفردين ولا في تحميل الإخوان كل جريمة ارتكبها إسلاميون في مصر فالقضية الأعمق هي أن تاريخ الإسلام السياسي المصري شهد تيارات متعددة بعضها دخل السياسة والانتخابات وبعضها ذهب إلى العمل السري وبعضها انتهى إلى الإرهاب المسلح وكل هذا يعطينا نتيجة واحدة وهي أن الإسلام السياسي كارثة تقع على الشعوب دون ذنب أياً كان المسمى ففي النهاية هم كيزان مفسدون مجرمون وقتلة والإخوان كانوا جزءاً رئيسياً من هذا التاريخ وقطعاً لا فرق بينهم وبين كل الجماعات الجهادية الإرهابية التي ظهرت لاحقاً.
ثم جاءت ثورة يناير 2011 في مصر فدخل الإخوان مرحلة جديدة إذ انتقلوا من المعارضة الطويلة إلى قلب الدولة وفاز محمد مرسي بالرئاسة عام 2012 في انتخابات تنافسية وكان وصوله إلى الحكم لحظة تاريخية لأن الجماعة انتقلت للمرة الأولى من موقع المعارضة المحظورة أو المقيدة إلى موقع إدارة الدولة المصرية غير أن تجربة الحكم سرعان ما دخلت في صدامات حادة مع مؤسسات الدولة ومع قطاعات واسعة من المجتمع فقد وثقت هيومن رايتس ووتش خلال حكم مرسي زيادة ملاحقات الصحفيين وأعمال عنف طائفية وانتهاكات للحقوق كما أشارت إلى الإعلان الدستوري الصادر في نوفمبر 2012 الذي حصن قرارات الرئيس من الرقابة القضائية واعتبرت دراسات سياسية أن توسع الإخوان في تعيين أعضاء ومؤيدين لهم في مواقع حكومية وإدارية وسياسية أثار مخاوف واسعة من محاولة إحكام السيطرة على مؤسسات الدولة ومن هنا ظهر مصطلح التمكين في النقاش المصري حول تجربة الإخوان والمقصود به السعي إلى توسيع نفوذ الجماعة داخل مؤسسات الدولة وتعيين كوادر محسوبة عليها في مواقع مختلفة والمؤكد أن دراسة مرحلة مرسي توثق توسعاً في نفوذ الجماعة ومؤيديها داخل مؤسسات الدولة وأن الإعلان الدستوري منح الرئيس سلطات استثنائية أثارت اعتراضات واسعة وتجربة الإخوان شهدت تناقضات سياسية واضحة بين خطاب المعارضة وخطاب الحكم وبين الوعود التي رفعت قبل الوصول إلى السلطة والممارسات التي اتخذت بعد الوصول إليها ومن أكثر الأمثلة دلالة أن جماعة رفعت شعار الدفاع عن المؤسسات والديمقراطية اصطدمت لاحقا بمؤسسات قضائية وسياسية وإعلامية وأن الرئيس مرسي أصدر إعلاناً دستورياً حصن قراراته من الرقابة القضائية وهو أمر يعتبر مساساً بمبدأ الفصل بين السلطات ثم انفجرت الأزمة السياسية في يونيو 2013 بعدها خرجت مظاهرات جماهيرية واسعة ضد مرسي والإخوان وفي الثالث من يوليو أعلن الجيش عزل مرسي وتولي ترتيبات انتقالية ومنذ تلك اللحظة دخلت مصر واحدة من أكثر مراحلها دموية في تاريخها الحديث ومن الإنصاف هنا أيضا ألا تتحول مقالتي إلى رواية أحادية الجانب وإذا كان حكم مرسي والإخوان فاسداً فإن حكم الجيش لا يقل فساداً فبعد عزل مرسي ارتكبت قوات الأمن المصرية انتهاكات جسيمة كان أبرزها فض اعتصامي رابعة والنهضة في أغسطس 2013 وقد وثقت هيومن رايتس ووتش استخداماً مفرطاً للقوة وسقوط أعداد كبيرة من القتلى واعتبرت عمليات القتل واسعة ومنهجية إلى درجة قد ترقى إلى جرائم ضد الإنسانية لكن ذلك لا يلغي في المقابل ما ارتكبته جماعات مؤيدة للإخوان من عنف فقد وثقت هيومن رايتس ووتش اشتباكات مسلحة وإطلاق نار وهجمات على منشآت أمنية كما وثقت هجمات على عشرات الكنائس والممتلكات المسيحية في أعقاب فض الاعتصامات وفي أحد أيام العنف قتل عدد من رجال الشرطة كما تعرضت كنائس ومؤسسات دينية مسيحية للحرق والتخريب في عدة محافظات والصورة هنا شديدة القسوة دولة تستخدم قوة مفرطة ضد متظاهرين وجماعات سياسية تتحول بعض عناصرها إلى العنف المسلح ومواطن مصري عادي يجد نفسه محاصراً بين رصاص الشارع ورصاص الدولة ورصاص الجماعات الإسلاموية المسلحة وفي مثل هذه اللحظات لا يكون الضحية بالضرورة مجرماً إخوانياً أو معارضاً أو شرطياً وكثيراً ما يكون مواطناً لا علاقة له بالصراع.
وبعد سقوط مرسي ظهرت تنظيمات إسلاموية مسلحة تبنت عمليات ضد الشرطة والجيش ولا سيما في سيناء ومن أخطر تلك الجماعات أنصار بيت المقدس التي أعلنت مسؤوليتها عن هجمات دامية ثم أعلنت مبايعتها لتنظيم الدولة الإسلامية ولا فرق بين هذه الجماعة ومجموعة الإخوان المسلمين لكن من المهم أيضا تسجيل أن موجة العنف التي أعقبت عزل مرسي شكلت البيئة التي تصاعد فيها الصراع المسلح في مصر ومن الوقائع التي تكشف حجم الفوضى أيضاً أن تفجير مديرية أمن الدقهلية في ديسمبر 2013 قتل 16 شخصاً وأصاب أكثر من 130 بينما أعلنت أنصار بيت المقدس مسؤوليتها عن العملية في حين اتهمت الحكومة الإخوان بالمسؤولية وقد أشارت هيومن رايتس ووتش آنذاك إلى أن الحكومة لم تقدم دليلاً كافياً على تورط الجماعة مباشرة وهو مثال غير مهم يبحث عن التفريق بين الاتهام السياسي والإثبات الجنائي.
أما السودان فهو فصل آخر من قصة الإسلام السياسي في المنطقة فقد كانت الحركة الإسلامية السودانية بقيادة حسن الترابي من أهم القوى التي عملت على بناء مشروع تخريبي إسلاموي سياسي منظم ثم ارتبطت بانقلاب الثلاثين من يونيو 1989 الذي أوصل عمر البشير إلى السلطة وهو انقلاب على حكم مدني انتخبه الشعب السوداني ومعروف أن الانقلاب جرى بتنسيق بين ضباط إسلاميين وشبكة الجبهة الإسلامية القومية مع دور محوري لحسن الترابي وبعد الانقلاب ألغيت المؤسسات السياسية والحزبية وفرض النظام قيودا واسعة على الصحافة والنقابات والحياة السياسية ووثقت هيومن رايتس ووتش الاعتقالات والتعذيب والمحاكمات السياسية والقمع في عهد نظام البشير والجبهة الإسلامية القومية كما وثقت استخدام قوانين ذات طابع إسلامي فرضت عقوبات اعتبرتها مخالفة لمعايير حقوق الإنسان الدولية وهنا تظهر الصلة التاريخية بين الإخوان في مصر والحركة الإسلامية في السودان بصورة أكثر وضوحاً، صحيح لم تكن الحركتان نسخة واحدة ولم تكن كل مراحل علاقتهما متطابقة لكنهما انطلقتا من مدرسة الإسلام السياسي العابرة للحدود وكانت بينهما صلات تنظيمية وفكرية وشخصيات مشتركة واتصالات سياسية وقد سعى الترابي بعد وصول الحركة الإسلامية إلى السلطة إلى توسيع مشروعه الإجرامي خارج السودان وأنشأ المؤتمر الشعبي العربي والإسلامي عام 1991 في محاولة لجمع حركات إسلامية من دول مختلفة وكانت النتيجة في السودان كارثية على الحياة السياسية والحقوق المدنية فقد تحولت شعارات إقامة الدولة الإسلاموية إلى نظام سياسي طويل الأمد قائم على السيطرة الأمنية وإقصاء الخصوم وامتدت الانتهاكات إلى الحرب في الجنوب وإلى مناطق أخرى بينما بقيت السلطة تستخدم الخطاب الديني لتقديم نفسها بوصفها حامية للمشروع الإسلامي وتوثق تقارير حقوقية من تلك المرحلة الاعتقال والتعذيب وقمع المعارضة وفرض قيود واسعة على المجتمع المدني.
ومن أكثر المفارقات إيلاماً أن السلطة التي رفعت شعار الإسلام السياسي انتهت إلى ممارسة سياسات قمعية ضد مواطنين مسلمين أيضاً فالمشكلة لم تكن في الدين نفسه وإنما في تحويل الدين إلى أداة احتكار للسلطة بحيث يصبح المعارض السياسي خصما للدين ويصبح نقد الحكومة وكأنه نقد للإسلام ويصبح الحزب الحاكم هو الممثل المزعوم للحقيقة الدينية وهذه هي أخطر نقطة في تجربة الإسلام السياسي عندما يتحول من حركة دعوية أو سياسية إلى مشروع للسيطرة على الدولة فيصبح الدين درعاً سياسياً ويصبح الاعتراض على التنظيم وكأنه اعتراض على المقدس وتتحول الطاعة التنظيمية إلى فضيلة ويصبح السؤال عن المال والسلطة والنفوذ وكأنه تشكيك في الدين أما الفساد فإن الأنظمة والحركات السياسية التي تستأثر بالسلطة لابد من مساءلتها وفي السودان وثقت التقارير الدولية مستويات واسعة من الفساد والمحسوبية والقمع في عهد نظام البشير بينما في مصر أثارت طريقة توزيع المناصب والنفوذ في عهد مرسي اتهامات بالمحسوبية والتمكين الحزبي وهي مسائل إجرامية يجب محاسبة كل من شارك فيها أو دافع عنها أو دافع عن المجموعة الإجرامية التي قامت بها أو انتمى إليها.
إن أخطر ما في تجربة الإخوان ليس مجرد وجود أخطاء سياسية فكل الأحزاب تخطئ وإنما الإشكال الذي أثارته التجربة المصرية والسودانية هو السؤال عن حدود العلاقة بين الدين والتنظيم والسلطة فعندما يقال للناس إن التنظيم يمثل الإسلام يصبح نقد التنظيم كأنه عداء للدين وعندما يصبح التنظيم هو الدولة يصبح الخروج عليه كأنه خروج على الدين وهنا يتحول المقدس إلى ستار سياسي يحمي البشر من المساءلة خاصة إن كان الشعب متديناً منضبطاً مفتقراً للوعي وتنتشر وسطه الجهالة.
لكن التاريخ لا يحمي أحداً يجرم ويسفك الدماء فالخازندار لم يكن مشكلته مع الدين والنقراشي لم يكن خصماً للإيمان وفرج فودة لم يكن يحمل سلاحاً ونجيب محفوظ لم يواجه قاتله بقنبلة وإنما بقلم والمعروف أن الفكر يحارب بالفكر وليس بالقتل والسلاح وفي السودان كان آلاف المعارضين مواطنين مسلمين أيضاً هؤلاء جميعا يكشفون أن الخلاف السياسي حين يفقد أخلاقه يمكن أن يتحول إلى عنف وحين يرتدي العنف ثوب الدين يصبح أكثر خطورة لأن خصمه لا يعود مجرد مخالف سياسي بل يصبح في نظر المتطرف كافراً أو خائناً أو عدواً لله.
لكل هذا فإن نقدنا تاريخ الإخوان ليس شتيمة عاطفية ولا حملة دعائية بل محاكمة للوقائع فهو تنظيم خاص وعمليات عنف ارتبطت به إضافة إلى الاغتيالات السياسية التي ثبتت صلتها بأعضاء منه بعد تجربة الحكم بعد انتخاب مرسي في مصر وطوال فترة حكم الكيزان في السودان، وفي مصر لا ننسى الإعلان الدستوري وتوسيع سلطات الرئاسة والصراع حول مؤسسات الدولة وأحداث العنف التي سبقت سقوط حكم الإخوان وبعده ثم تجربة الإسلام السياسي السوداني والانقلاب الذي ارتبط بالجبهة الإسلامية القومية وحكم البشير وما صاحبه من قمع وانتهاكات والأهم أن المسؤولية يجب أن تكون فردية وتنظيمية وقانونية لا دينية أو جماعية والجميع يعلم أنه ليس كل مسلم إخوانياً وأنا شخصياً مسلم منضبط لكني لست كوزاً ولن أكون. وعلينا أن نتذكر أنه لا يجوز أن يمحو الخطاب الديني أو السياسي مسؤولية من ثبت تورطه في القتل أو التحريض أو التعذيب أو الفساد فالدين لا يحتاج إلى تنظيم سياسي يحتمي باسمه والوطن لا يحتاج إلى جماعة تدعي أنها وحدها تملك مفاتيح الجنة أو مفاتيح الحكم وحين يصبح الدين ستاراً للسلطة تصبح مساءلة السلطة دفاعاً عن الدين نفسه وحين يصبح التنظيم فوق النقد يصبح كشف الحقيقة واجباً أخلاقياً قبل أن يكون موقفاً سياسياً.
لقد تركت التجربة المصرية والسودانية درساً بالغ القسوة فأخطر شيء على الدين أن يتحول إلى شعار سياسي وأخطر شيء على السياسة أن تدعي امتلاك الحقيقة الدينية وأخطر شيء على المواطن أن يجد نفسه أمام تنظيم يطلب منه الطاعة باسم الدين ثم يطلب منه الصمت باسم الجماعة ثم يبرر له السلطة باسم المصلحة بينما يدفع المواطن وحده ثمن الصراع.
