الاستعانة بالاولياء بين المجاز والاعتقاد في شعر منحني النيل
ابراهيم سالكا يكتب..
بروف يس
سلامات
مررت علي المقال الذي ارسلته لي وللامانة لم انس في نفسي الكفاءة للرد
ولكن لان مثلك لا يهمل مايكتب ولا يمر عليه مرور العابرون عكفت على مقالك الموسوم بـ «نصوص الاستغاثة بالشيوخ في شعر منحنى النيل بين منظور التراث ومنظور العقيدة» وقد استمتعت به حقيقة طوال هذا الشهر وان اعجزني التعليق عليه لعدم الالمام ولكن قلت اشارك بتعليق خفيف كيفما اتفق…
رأيي الشخصي ان كثيرا من هذه الاستغاثات لم تكن بالضرورة نابعة من ايمان عميق لدى الشعراء بمسألة الاستغاثة بالاولياء بقدر ما كانت مماهاة للمجتمع ومجاراة لما كان سائدا في ذلك الزمان فالخروج عن المألوف في مثل تلك البيئات كان يمكن ان يصنع مسافة بين الشاعر والمتلقي وربما يفقد النص جزءا كبيرا من قدرته على الوصول والتأثير
فالشاعر الشعبي لا يعيش خارج مجتمعه حتى نقيس عباراته بمعزل عن المناخ الذي انتجها فهو ابن بيئته وذاكرتها ومفرداتها ومعتقداتها وعلاقاتها الاجتماعية وهو في الغالب يعرف جمهوره جيدا ويعرف ما يحرك وجدانه وما يجعله يتفاعل مع القصيدة
فالختمية مثلا كانت عند كثير من الناس اكثر من مجرد طريقة دينية او انتماء مذهبي بل كانت جزءا من التربية والاسرة والذاكرة الاجتماعية وقد يبلغ تعلق بعض الناس بها حدا يجعل مخالفتها تبدو وكأنها خروج عن المألوف بل عن الملة في نظر البعض ولذلك كان العادي والمتعلم يعتنق ما وجد عليه اهله حتى وان لم تكن كل تفاصيل ذلك الاعتقاد تمثل قناعته الشخصية
وينطبق شيء من ذلك على الانصار في مناطق اخرى حيث يصبح الانتماء احيانا جزءا من البنية الاجتماعية للاسرة والمجتمع وليس مجرد موقف فكري مجرد ولهذا كان بعض المتعلمين يتحايلون على الاختلافات مع اهلهم في مسائل الطائفة والسياسة حتى لا يدخلوا في شد وجذب مع البيئة التي نشأوا فيها
والشعراء لم يكونوا بعيدين عن هذا الواقع بل كانوا في قلبه وربما كانوا اكثر الناس وعيا به لان الشاعر لا يكتب لنفسه وحدها وانما يكتب لجمهور يعرف لغته ويعرف رموزه ويعرف ما يطربه وما يحرك مشاعره
فلا يمكنك في مجتمع ما ان تهدم كل ما الفه الناس ثم تنتظر منهم ان يستمعوا اليك ويطربوا لشعرك وانت قد نزعت من النص المفردات التي تشكل ذاكرتهم ووجدانهم
ولهذا ارى ان بعض الشعراء كانوا يمارسون نوعا من الذكاء الاجتماعي والفني حين يلامسون حاجات الناس الروحية ويستدعون الشخصيات التي لها مكانة في وجدانهم
خذ مثلا قول الشاعر:
يا المراغنة انا سيد عقيدة
وريدتي لاهل الله شديدة
فهل كان كل من يطرب لهذا البيت يؤمن بالضرورة بأن المراغنة يملكون شيئا من خصائص القدرة الالهية؟
انا لا اظن ذلك بالضرورة
فالبيت عند كثير من المتلقين قد يكون تعبيرا عن المحبة والانتماء والوفاء لرموز دينية واجتماعية كان لها فضل في تعليم الناس الدين ونقل المعرفة اليهم وتشكيل وجدانهم
ولهذا تجد مثل هذه الابيات قادرة على تحريك الدارة وملء المكان بالناس كبارا وصغارا ونساء ورجالا ويذوب بعضهم طربا عند سماعها
وهنا ربما نكون امام ظاهرة اجتماعية وفنية اكثر تعقيدا من مجرد الحكم على اللفظ منفردا
فالشيخ عند الشاعر قد يكون رمزا للمعلم والاب الروحي والذاكرة والاهل والمكان والتاريخ وربما يكون النداء الشعري له من قبيل استحضار هذه المعاني كلها لا من قبيل اعتقاد القدرة المستقلة او التصرف في الكون
وهنا ينبغي في تقديري ان نفرق بين الاستعمال الثقافي للرمز وبين الاعتقاد العقدي الذي قد يفهم منه. فقد يذكر الشاعر اسم شيخ او ولي بالطريقة نفسها التي يذكر بها اسم الام او الاب او القرية او النيل او القبيلة باعتبارها مفردات مشحونة بالعاطفة والذاكرة وليس بالضرورة ان يكون كل استعمال للرمز اقرارا بكل ما ارتبط به من معتقدات في الوعي الشعبي
بل ان بعض الشعراء كانوا في تقديري اكثر دهاء اجتماعيا مما نظن فهم يعرفون ان القصيدة التي تخاطب وجدان الناس اقرب الى الانتشار من القصيدة التي تقف خارج عالمهم الرمزي والشاعر الذي يريد ان يسمع الناس صوته لا يكفيه ان يمتلك الموهبة بل يحتاج ايضا الى معرفة مفاتيح جمهوره
ومن هنا فان اسم الشيخ في بعض النصوص قد لا يكون مجرد اسم لشخص وانما كلمة تختصر تاريخا كاملا. حين يقول الشاعر يا المراغنة مثلا فهو لا يخاطب اسما مجردا في ذهن المستمع وانما يستدعي تاريخا وبيئة وذكريات ومجالس وانا مت وانتماء ومواقف اجتماعية تراكمت عبر السنين ولذلك قد يكون وقع الكلمة على السامع اكبر كثيرا من معناها المباشر
كما ان المتلقي نفسه شريك في صناعة المعنى فالبيت الشعري لا يعيش فقط في نية قائله وانما في الوجدان الذي يستقبله وربما كان البيت الواحد عند رجل تعبيرا دينيا وعند اخر رمزا ثقافيا وعند ثالث مجرد عبارة غنائية جميلة ولذلك فان تفسير النص الشعبي يحتاج الى دراسة الشاعر والمتلقي معا لا الشاعر وحده
ولا ينبغي ايضا ان نغفل عن طبيعة المجالس التي ولد فيها كثير من هذا الشعر فالقصيدة لم تكن دائما تقرأ في كتاب او تقدم في محاضرة هادئة وانما كانت تؤدى في مناسبات اجتماعية وفي ليال ودوائر غنائية يكون فيها التفاعل الجماعي جزءا من صناعة النص وفي مثل هذه الاجواء تصبح بعض العبارات مفاتيح وجدانية يعرف المغني مسبقا انها ستشعل تفاعل الجمهور
وهذا يقودنا الى مسألة مهمة وهي ان الشاعر الشعبي كان في احيان كثيرة مؤرخا اجتماعيا من حيث لا يقصد فهو يسجل لنا ما كان الناس يحبونه وما كانوا يخافونه وما يفاخرون به وما يرونه مصدرا للامان والرجاء ولذلك فان توثيق هذه النصوص مهم لفهم المجتمع السوداني في تلك المرحلة حتى وان اختلفنا اليوم مع بعض مضامينها
وهنا ارى ان من الانصاف ايضا الا نسارع الى الحكم على الشاعر من بيت واحد فالانسان قد يستخدم عبارة ورثها من بيئته دون ان يكون قد بنى عليها عقيدة كاملة وقد يقول الشاعر في موضع ما كلاما يوحي بالاستغاثة ثم يقول في موضع اخر ما يدل على تعلقه بالله وحده ولذلك فان الحكم على قناعة انسان كاملة من خلال شطر شعري واحد قد يكون مجازفة منهجية
وربما كان من المفيد في مثل هذه الدراسات ان ننظر الى المعجم الديني للشاعر كله لا الى بيت منفرد ماذا يقول عن الله وماذا يقول عن الموت وماذا يقول عن الدعاء وماذا يقول عن الشيخ وماذا يقول في المواضع التي يتحدث فيها حديثا مباشرا عن عقيدته عندها يمكن ان نقترب من فهم موقفه الحقيقي بدلا من الاكتفاء بظاهر عبارة شعرية قد تكون لها وظيفة فنية
وفي الوقت نفسه فانني اتفق مع جوهر ما ذهبت اليه في مقالك من ضرورة التمييز بين القيمة الادبية والتاريخية للنص وبين الحكم العقدي على بعض مضامينه فليس كل موروث مقدسا لمجرد انه قديم وليس كل قديم باطلا لمجرد ان بعض عباراته تحتاج الى مراجعة
هناك فرق كبير بين ان نقول هذا النص موجود في تراثنا ويستحق الدراسة وبين ان نقول كل ما يقوله النص صحيح ونريد احياءه كما هو
فالاول موقف توثيقي وبحثي والثاني موقف ديني وفكري مختلف
ولذلك ربما يكون الحل الاكثر نضجا هو ان نحفظ النصوص كما وصلت الينا مع توثيق سياقاتها وشرح مفرداتها وبيان البيئة التي انتجتها ثم نترك للباحث العقدي ان يناقش مضامينها بميزان الشريعة دون ان نمحوها من الذاكرة الادبية فالموروث لا يدرس فقط بما نريد ان يكون عليه بل بما كان عليه فعلا
وفي تقديري ان هذه المنطقة الوسطى بين التقديس المطلق للموروث والرفض المطلق له هي التي تحتاج الى مزيد من البحث فالشاعر لم يكن دائما فقيها يريد ان يقرر عقيدة ولا متصوفا يريد ان يؤسس مذهبا وانما كان في كثير من الاحيان ابن زمانه الذي حمل لغة قومه وذاكرة مجتمعه ثم صاغها شعرا
وهذا لا يمنع النقد العقدي للنص حين يكون موضعه قائما لكنه يمنحنا قدرا اكبر من الانصاف في فهم قائله وسياقه ومتلقيه
ولعل مقالك يمكن ان يكون بداية لمشروع اوسع لا يقتصر على الاستغاثة بالشيوخ وحدها بل يبحث في صورة الشيخ والولي والمعلم في الشعر السوداني وكيف ظهر الشيخ في شعر منحنى النيل ومتى كان معلما ومتى تحول الى رمز اجتماعي ومتى اصبح رمزا روحيا وكيف اختلفت صورته بين البيئات والطرق المختلفة وكيف تلقى الناس هذه الصور وهل تغير معناها بين جيل وآخر
فمثل هذا البحث لن يكون مجرد مناقشة لابيات شعرية بل سيكون قراءة في الذاكرة السودانية نفسها وكيف صنعت المجتمعات رموزها وكيف انتقلت تلك الرموز من الخلوة ومجالس العلم الى القصيدة والاغنية والافراح والاحزان
وفي النهاية قد نكتشف ان الشاعر لم يكن دائما يريد تقرير عقيدة وانما كان يريد التعبير عن وجدانه بلغة يفهمها قومه ويحبونها وربما كان بعض ما نسميه اليوم استغاثة مجرد لغة شعرية مشحونة بالمحبة والانتماء والتوقير بينما قد يكون بعضها الاخر بالفعل ناتجا عن اعتقاد عقدي واضح وهنا تأتي اهمية التفريق وعدم وضع كل النصوص في سلة واحدة
ولهذا ارى ان دراسة هذه النصوص ينبغي ان تقوم على ثلاثة اسئلة متلازمة:
ماذا قال الشاعر؟
ماذا كان يقصد الشاعر؟
وماذا فهم المجتمع من كلامه؟
وعند اجتماع هذه المستويات الثلاثة يمكن ان نصل الى قراءة اكثر انصافا وعمقا للموروث
ومن هنا اقول ان قيمة مقالك ليست فقط في مناقشة الاستغاثة بالشيوخ وانما في فتح باب مهم للحوار بين التراث والعقيدة والادب والمجتمع وهي مساحات ظلت احيانا تتعامل مع بعضها بالحذر اكثر مما تتعامل بالحوار
واذا كان من حق الباحث العقدي ان يسأل عن حدود العبارة وموافقتها للتوحيد فمن حق الباحث الادبي كذلك ان يسأل عن السياق الذي ولدت فيه العبارة وما الذي كانت تعنيه في وجدان اصحابها ومن حق المؤرخ ان يحتفظ بها بوصفها وثيقة على عصرها
وهذا في ظني هو المدخل الذي يجعل دراسة الموروث مفيدة حقا لا ان نهدمه ولا ان نقدسه بل ان نفهمه اولا ثم نحاوره وننقده ونستخلص منه ما ينفع حاضرنا دون ان نفقد ذاكرتنا
اتمنى ان تكون مساهمتي هذه من باب المجاملة والملاطفة لشخصكم الكريم لا ادعاء للتحليل ولا التخصص ففاقد الشيء لا يعطيه وانما هي خواطر قارئ وجد في مقالك ما يستحق الوقوف والتأمل
ولعل اجمل ما في الموضوع اننا نستطيع ان نختلف حول تفسير النص دون ان نختلف حول قيمة صاحبه او قيمة التراث الذي ينتمي اليه فالحوار الهادئ لا ينتقص من احد بل يضيف الى المعرفة
كن بخير دائما يا بروف
