القرن الأفريقي: عندما تصبح الحروب المحلية حرباً واحدة السودان وإثيوبيا وإريتريا والبحر الأحمر.. من يشعل الحرائق ومن يدفع الثمن

مهدي داود الخليفة يكتب..

لم يعد من الممكن النظر إلى حرب السودان، والقتال المتجدد في إثيوبيا، والتوتر بين أديس أبابا وأسمرا، والخلاف المصري ـ الإثيوبي، والصراع على البحر الأحمر، باعتبارها أزمات منفصلة. فالمنطقة تتحول تدريجياً إلى ساحة واحدة تتقاطع فيها الحروب والمصالح والنفوذ.

والسؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس: من يقف مع من؟ بل: من يستخدم من؟ ومن يدفع ثمن لعبة النفوذ؟

إثيوبيا هي الحلقة الأخطر في هذه المعادلة. فعودة القتال في تيغراي، وظهور تحالفات جديدة تضم قوى كانت بالأمس في معسكر واحد مع حكومة آبي أحمد، يكشفان أن الأزمة الإثيوبية لم تعد مجرد تمرد في إقليم بعيد. إنها أزمة مركز الدولة نفسها.

المفارقة أن فانو الأمهرية التي قاتلت إلى جانب آبي أحمد ضد تيغراي أصبحت اليوم في خندق مختلف، بينما تحاول قوى تيغراي وأوروميا وأمهرة تنسيق مواقفها ضد الحكومة الفيدرالية. وقد لا يجمع هذه القوى مشروع سياسي واحد، لكن يجمعها هدف مرحلي واضح: إضعاف آبي أحمد أو إسقاطه.

وهنا يظهر دور اساياس أفورقي، الرجل الذي كان حليفاً لآبي أحمد في حرب تيغراي أصبح اليوم أحد أكثر الأسماء ارتباطاً بالتوتر حول مستقبل إثيوبيا. ولا ينبغي تفسير ذلك بالعواطف أو بالخلافات الشخصية وحدها. فالمسألة تتعلق بجغرافيا البحر الأحمر.

إثيوبيا دولة حبيسة، وآبي أحمد يريد منفذاً بحرياً. وإريتريا تملك الساحل والموانئ، وترى في أي تمدد إثيوبي باتجاه البحر تهديداً مباشراً لمصالحها وأمنها.

ومن هنا فإن السؤال لم يعد: هل ستختلف أسمرا وأديس أبابا؟

السؤال هو: إلى أي مدى يمكن أن يذهب هذا الخلاف دون أن يتحول إلى حرب؟

أفورقي لا يملك، على الأرجح، رفاهية حرب طويلة ومكلفة. وإثيوبيا نفسها تواجه أزمات داخلية متعددة. ولذلك قد تكون الحرب المباشرة خياراً بالغ الخطورة للطرفين.

لكن المنطقة تعرف بديلاً أرخص وأكثر خطورة في الوقت نفسه: الحرب بالوكالة.

وهذا هو السيناريو الذي يجب أن يقلق الجميع.

تدريب جماعة هنا،

تمويل قوة هناك،

نقل السلاح عبر الحدود،

توفير الطائرات المسيّرة،

فتح ممر لوجستي، أو إغلاق طريق تجاري. لا تحتاج الدولة إلى إعلان الحرب لكي تخوضها.

وهذه اللعبة ليست جديدة في القرن الأفريقي.

السودان وإريتريا استخدما، في مراحل سابقة، جماعات معارضة مسلحة للضغط على بعضهما البعض. وكانت الحدود السودانية ـ الإريترية مسرحاً لحروب صغيرة غير معلنة، يعرف أهل المنطقة تفاصيلها أكثر مما تعرفها العواصم البعيدة.

اليوم تعود اللعبة، ولكن بأدوات أكثر تطوراً. السودان، فقد أصبح للأسف جزءاً مركزياً من هذه المعادلة.

إثيوبيا تتهم الخرطوم بدعم خصومها، والخرطوم تنفي ذلك. وفي المقابل، تواجه إثيوبيا اتهامات سودانية بالسماح بتدريب ودعم قوات الدعم السريع على أراضيها، مع اتهامات للإمارات بالارتباط بهذا المسار، وهي اتهامات تنفيها أبوظبي.

ليس كل اتهام حقيقة، وليس كل نفي دليلاً على البراءة. لكن تراكم الاتهامات والتقارير والوقائع الميدانية يكشف شيئاً واحداً: الحرب السودانية لم تعد شأناً سودانياً خالصاً.

وهذا هو الخطر.

فكلما طال أمد الحرب في السودان، ازدادت قيمة السودان بالنسبة إلى القوى التي تريد ممرات أو نفوذاً أو أوراق ضغط في القرن الأفريقي.

وفي المقابل، فإن انهيار السودان ليس مصلحة لأي دولة مجاورة. فالسودان المنهار قد يتحول إلى مصدر دائم للسلاح والهجرة والتهريب وعدم الاستقرار.

أما مصر، فتجد نفسها أمام معادلة شديدة الحساسية: إثيوبيا وسد النهضة من جهة، والبحر الأحمر والقرن الأفريقي من جهة أخرى. ولهذا جاء التقارب المصري ـ الإريتري في توقيت بالغ الحساسية.

لكن القاهرة لا تملك، اقتصادياً وعسكرياً، ترف الدخول في حرب مفتوحة مع إثيوبيا. ولهذا فإن سياسة الضغط والردع والتحالفات الإقليمية تبدو أقل كلفة من الحرب المباشرة.

والإمارات بدورها ليست مجرد طرف اقتصادي في المنطقة. علاقاتها مع إثيوبيا، ومصالحها في الموانئ والبحر الأحمر، وعلاقاتها المتشابكة مع أطراف الصراع السوداني، تجعلها لاعباً لا يمكن تجاهله في أي قراءة جادة للمنطقة.

أما الولايات المتحدة وإسرائيل، فلهما حساباتهما الخاصة.

البحر الأحمر ليس مجرد طريق تجاري؛ إنه أحد الممرات الاستراتيجية الكبرى في العالم. ومن يملك القدرة على التأثير في البحر الأحمر وباب المندب يمتلك ورقة مهمة في التجارة والأمن والطاقة والسياسة الدولية.

ولهذا فإن إعادة ترتيب العلاقات الأمريكية مع إريتريا، والانفتاح الدولي المتزايد على دول المنطقة، لا يمكن قراءته بعيداً عن التحولات الجارية في البحر الأحمر.

لكن الخطأ الأكبر هو الاعتقاد بأن المنطقة انقسمت إلى محورين ثابتين.

الحقيقة أكثر تعقيداً.

الدولة نفسها قد تتحالف مع طرف في السودان، وتختلف معه في ملف آخر، وتتعاون مع خصمه في ملف ثالث.

نحن أمام شبكة مصالح متحركة، لا أحلاف عسكرية ثابتة.

ولهذا أعتقد أن الحرب الشاملة بين دول المنطقة ليست السيناريو الوحيد، وربما ليست الأداة الأكثر استخداماً. الأخطر هو أن تستمر المنطقة في إنتاج الحروب بالوكالة، بحيث يخوض السودانيون حرباً تخدم حسابات خارجية، ويخوض الإثيوبيون صراعاً تتداخل فيه مصالح إقليمية، وتتحول إريتريا إلى ورقة في صراع البحر الأحمر، بينما تراقب القوى الكبرى المشهد وتعيد توزيع نفوذها.

والسؤال الحقيقي في النهاية: من المستفيد؟

قد تستفيد دولة من إضعاف خصمها، وقد تستفيد قوة من ميناء أو قاعدة أو طريق تجاري، وقد يستفيد نظام سياسي من خلق عدو خارجي يحشد حوله الداخل.

لكن المستفيد الأكبر من استمرار الفوضى لن يكون شعب السودان، ولا الشعب الإثيوبي، ولا الشعب الإريتري، ولا شعوب البحر الأحمر.

والأخطر أن كل طرف يعتقد أنه قادر على التحكم في الحريق.

التاريخ يعلمنا العكس.

الحروب بالوكالة تبدأ عندما تعتقد الدول أنها تستطيع استخدام الآخرين، وتنتهي أحياناً عندما يكتشف الجميع أن الآخرين أصبحوا هم الذين يستخدمون الدول.

ولهذا فإن إنقاذ السودان من الحرب ليس قضية سودانية فقط. وإنقاذ إثيوبيا من حرب جديدة ليس شأناً إثيوبياً فقط.

إنها معركة لمنع القرن الأفريقي كله من التحول إلى مسرح دائم لحروب الآخرين.

فالقرن الأفريقي يحتاج إلى تسويات سياسية إقليمية، لا إلى المزيد من الوكلاء والسلاح.

فالذين يعتقدون أنهم يستطيعون إشعال حريق محدود في القرن الأفريقي قد يكتشفون، متأخرين، أن المنطقة كلها قابلة للاشتعال