
هل تصبح الرقمنة الحكومية بوابة السودان لجذب الاستثمار ودمج الاقتصاد؟
الخرطوم / الغدالسوداني – أمين محمد
تتجه الحكومة السودانية إلى توسيع نطاق الخدمات الرقمية في خطوة تتجاوز تسريع المعاملات إلى إعادة تنظيم العلاقة بين الدولة وقطاع الأعمال. ومع إدخال خدمات تجارية وعدلية جديدة إلى المنصات الإلكترونية، تبرز الرقمنة كأداة لتحسين بيئة الاستثمار، وتقليص التعقيدات الإدارية، وتعزيز الشفافية، إلى جانب دورها المحتمل في دمج أنشطة الاقتصاد غير الرسمي ضمن المنظومة المالية المنظمة.
الخدمات الجديدة
وكانت وزارة التحول الرقمي والاتصالات قد أعلنت عن إضافة ثلاث خدمات جديدة عبر منصة “بلدنا”، شملت: إجراءات التسجيلات التجارية للشركات، وفتح حسابات إلكترونية لمكاتب المحاماة لإدارة سجلات العملاء، وتجديد رخص مزاولة مهنة المحاماة عن بُعد. وتستهدف هذه الخطوة تبسيط المعاملات العدلية والتجارية وتحسين بيئة الاستثمار.
التحول الرقمي
أكد المحامي والمستشار القانوني مجاهد عثمان عمر أن الانتقال نحو الحوكمة الإلكترونية والأنظمة المحوسبة لم يعد ترفاً، بل بات ضرورة حتمية يفرضها التطور العالمي المعاصر الذي جعل الممارسات الرقمية هي الأصل في إدارة الأعمال.
وأوضح المستشار مجاهد أن التوجهات القضائية والحقوقية دولياً أصبحت تعتمد كلياً على تقييد الدعاوى والتعاملات من داخل مكاتب المحاماة إلكترونياً، بحيث يقتصر حضور أطراف النزاع أمام القاضي على جلسات الاستماع الفعلية فقط، مما يختصر الوقت والجهد على المرفق العدلي.
بيئة الاستثمار
وأشار عمر إلى أن المستثمر الأجنبي يبحث بالدرجة الأولى عن الأمان والشفافية؛ حيث تتيح الممارسات الرقمية المتاحة عبر شبكة الإنترنت إجراء دراسات تقييم المخاطر بسهولة، وتضمن سلاسة الخدمات وتفادي التعقيدات الإدارية، مؤكداً أن السرعة التي تتسم بها المنظومة الإلكترونية تشكل عنصراً رئيسياً في جذب رؤوس الأموال الخارجية.
تسهيل الإجراءات
وأضاف القانوني مجاهد عثمان أن إطلاق المنصات الحكومية الرقمية الجديدة يُعد خطوة فارقة، إذ يُمكن المستثمر من تأسيس شركته واستكمال ملفها المستندي بالكامل من موقع إقامته، مما يرفع مستويات الأمان والشفافية في المعاملات التجارية ويسرّع دورة رأس المال.
تحديات البنية
وفي السياق ذاته، نبه المستشار إلى وجود عقبات تنفيذية تقف أمام الاستفادة الكاملة من هذه المنصات؛ في مقدمتها غياب البيئة التشغيلية المثالية، وضعف البنية التحتية لشبكات الاتصالات، إضافة إلى الصعوبات الفنية المرتبطة بأرضيات التشغيل والربط الشبكي.
الوعي المؤسسي
واختتم المستشار مجاهد عثمان إفادته بالإشارة إلى حدوث ضعف في مستوى مواكبة بعض قطاعات الأعمال المحلية؛ إذ لا تزال الكثير من الشركات الوطنية تُظهر ضعفاً في الاهتمام بالتحول الرقمي، مما يتطلب نشر الوعي بأهمية الانخراط في المعاملات الإلكترونية لمواكبة المتغيرات الاقتصادية.
القيم المضافة
إلى ذلك، أكد الباحث والخبير الاقتصادي، الدكتور هيثم محمد فتحي، أن الخدمات الحكومية الإلكترونية تُشكل إحدى المرتكزات الأساسية لخلق قيمة مضافة في الناتج المحلي الإجمالي، مشيراً إلى أن التوسع المتنامي في التحول الرقمي أسفر عن منظومة ضخمة من المنصات المتشابكة التي تُسهم مباشرة في تطوير الأداء المؤسسي.
وأوضح د. هيثم فتحي أن المنظومة الرقمية الحكومية، برغم تعدد منصاتها ووظائفها، بدأت تشكل نسيجاً تقنياً متكاملاً يعزز كفاءة مؤسسات الدولة؛ وهو ما ينعكس بشكل مباشر على تيسير المعاملات اليومية للمواطنين والمستثمرين، ويرفع من مستوى الرضا العام عن الخدمات العدلية والتنفيذية.
بيئة الأعمال
وأشار فتحي إلى أن بيئة الأعمال الحديثة ترتكز بالأساس على وجود منصة رقمية موحدة تربط المستفيد بكافة أجهزة الدولة، بالتوازي مع وضع أطر قانونية وإجرائية تضمن الحوكمة وسلاسة دورة العمل، لافتاً إلى أن الاعتماد على التقنيات الحديثة يضمن التدفق السلس للبيانات بين الجهات الحكومية ذاتها من جهة، وبينها وبين المتعاملين من جهة أخرى.
الشمول المالي
وأضاف الخبير الاقتصادي أن المعاملات الرقمية تُسهم في دمج أنشطة الاقتصاد غير الرسمي داخل القطاع المالي المنظم، مما يُتيح للدولة ضبط حركة الأسواق ومكافحة التهرب الضريبي، إلى جانب تعزيز الشفافية وتسهيل تتبع التدفقات المالية، الأمر الذي ينعكس إيجاباً على رفد الخزانة العامة بالإيرادات.
التحديات التشغيلية
وشدد الدكتور هيثم على ضرورة اتسام المنصات والخدمات الإلكترونية بالبساطة وسهولة الاستخدام؛ معتبراً أن تعقيد الإجراءات في بعض الأنظمة يُضعف فاعلية الدفع الرقمي ويُخاطر بفقدان شريحة واسعة من المتعاملين، مما يستوجب تبسيط واجهات التعامل الرقمي لضمان شمول الجميع.
الحوكمة الرقمية
وفي ختام حديثه، أشار د. هيثم فتحي إلى أن التحول نحو “الحكومة الإلكترونية” تجاوز أبعاده التقنية والاقتصادية التقليدية ليمس الهياكل الإدارية وآليات صنع القرار، مؤكداً أن الواقع السوداني يتطلب تسريع خطى الرقمنة والاستفادة من التجارب الإقليمية، كركيزة لإعادة بناء الثقة بين الدولة والمواطن وتعزيز الشفافية في إدارة الشأن العام.
