السودانيون قادرون على كسر دائرة العنف وتحقيق السلام

حسين سعد يكتب..

منذ أكثر من سبعون عاما ظل السودان تحت العنف والنزاع والانقلابات العسكرية وفشل اتفاقيات السلام التي يتم ابرامها في طي صفحة النزاع وتحوّل العنف من وسيلة للصراع السياسي إلى واقع يومي يهدد حياة الملايين، هذا الواقع المؤلم جعل البعض يقول ان مهمة استعادة السلام شاقة، لكنها ليست مستحيلة. فالسودان لا يفتقر إلى الرغبة في السلام بقدر ما يحتاج إلى تحويل هذه الرغبة الشعبية إلى قوة مدنية منظمة، قادرة على مقاومة منطق الحرب وفتح الطريق أمام تسوية عادلة ومستدامة.

تجارب ناجحة..

وتؤكد تجارب السودانيين خلال السنوات الماضية أن المجتمع المدني لم يكن مجرد متلقٍ لنتائج الحرب، بل ظل فاعلاً في مواجهة آثارها، وفي ابتكار وسائل للحماية والتضامن وحفظ النسيج الاجتماعي. ومن لجان المقاومة إلى غرف الطوارئ، ومن المبادرات الشبابية والنسوية إلى المبادرات المحلية للسلام، نشأت أشكال متعددة من التنظيم الشعبي حاولت أن تضع الإنسان وحقه في الحياة والأمن والكرامة في مواجهة آلة الحرب.

ويكتسب هذا الدور أهمية خاصة في ظل استمرار الحرب، لأن السلام لا يمكن اختزاله في اتفاق توقعه الأطراف المسلحة. فالسلام المستدام يحتاج إلى مجتمع يمتلك القدرة على رفض العنف، وإلى قوى مدنية قادرة على بناء الثقة بين المجتمعات، ومعالجة آثار الحرب، والدفاع عن الحقوق، والمشاركة في صياغة مستقبل البلاد.

اللاعنف ثقافة مجتمعية

يأتي اليوم الدولي للاعنف، الذي يصادف الثاني من أكتوبر من كل عام، ليطرح سؤالاً بالغ الأهمية بالنسبة للسودان: هل يستطيع المجتمع أن يحوّل رفضه للحرب إلى مشروع اجتماعي وسياسي واسع لمقاومة العنف؟
الأمم المتحدة أقرت هذا اليوم بهدف نشر رسالة اللاعنف عبر التعليم والتوعية العامة وترسيخ ثقافة السلام والتسامح والتفاهم. وتربط الأمم المتحدة اللاعنف ليس بالسلبية أو الاستسلام، وإنما بوسائل العمل السياسي والاجتماعي التي ترفض استخدام العنف الجسدي لتحقيق التغيير.

المقاومة المدنية هي الطريق..

وللسودانيين تجربة ثرية في المقاومة المدنية. فقد أثبتت محطات تاريخية مختلفة أن الجماهير تستطيع، عندما تتوفر لها أدوات التنظيم والعمل السلمي، أن تواجه الاستبداد دون أن تجعل العنف طريقها الوحيد للتغيير.
وفي ثورة ديسمبر 2018، لعب الشباب والنساء ولجان المقاومة والنقابات والأجسام المهنية والمبادرات المجتمعية أدواراً أساسية في الحراك الشعبي. ومع اندلاع الحرب في أبريل 2023، أعادت قطاعات واسعة من المجتمع المدني إنتاج نفسها في ظروف أكثر قسوة، عبر غرف الطوارئ والمبادرات التطوعية والشبكات المحلية التي وفرت الغذاء والدواء والإيواء والمساعدة للمدنيين، في وقت تراجعت فيه قدرة المؤسسات الرسمية على تقديم الخدمات.

هذه التجارب لا ينبغي النظر إليها باعتبارها استجابات مؤقتة للحرب فقط، بل باعتبارها رأس مالاً اجتماعياً يمكن البناء عليه في مشروع السلام.
فغرفة الطوارئ التي تنظم توزيع الغذاء، ولجنة المقاومة التي تحمي مجتمعها، والمبادرة النسوية التي تجمع النساء حول قضايا الحماية والسلام، والمجموعة الشبابية التي تنظم حواراً محلياً، كلها تمثل أشكالاً مختلفة من القدرة المجتمعية على إدارة الأزمات بعيداً عن منطق السلاح.

سلمية. المستقبل

ومن بين التجارب التي تستحق التوقف عندها مبادرة «سلمية»، التي بدأت قبل الثورة من خلال مجموعة من الشباب والشابات الذين تلقوا تدريبات حول اللاعنف، ثم عملوا بدورهم على نقل المعرفة والتجربة إلى شباب آخرين وكم كنت فخورا بهذه التجربة التي تعلمت منها من شباب وشابات ومن مدربين محترفين نقلوا لنا تجارب بلدان واجهت التسلط بالسلمية حتى الانتصار
أهمية التجربة ليست فقط في التدريب نفسه، وإنما في فكرة تداول المعرفة: أن يتلقى شاب أو شابة تدريباً على مفاهيم اللاعنف، ثم يتحول إلى ناقل لهذه المعرفة داخل مجتمعه، فتتوسع دائرة التعلم والممارسة من مجموعة صغيرة إلى شبكة أوسع.
واليوم يعمل المشاركون في المبادرة على الانتقال بها إلى مرحلة أكثر تنظيماً، من خلال تحويلها إلى مؤسسة «سلمية»، عبر إعداد النظام الأساسي واللوائح الداخلية، ووضع استراتيجية للعمل، إلى جانب تطوير أدوات إعلامية ومعرفية من بينها إنتاج بودكاست يتناول قضايا اللاعنف والسلام والمجتمع.
هذه الخطوة، في جوهرها، تعكس تحدياً تواجهه مبادرات مدنية كثيرة في السودان: كيف تنتقل المبادرة من رد الفعل إلى المؤسسة؟ ومن النشاط الموسمي إلى العمل المستدام؟ ومن مجموعة من المتطوعين إلى مؤسسة قادرة على إنتاج المعرفة والتدريب وبناء الشبكات؟

مشروع مدني واسع..

إن كسر دائرة العنف في السودان لن يحدث فقط عبر المطالبة بوقف إطلاق النار، رغم أن وقف الحرب وحماية المدنيين يمثلان أولوية لا غنى عنها. المطلوب أيضاً معالجة البيئة السياسية والاجتماعية التي تسمح بإعادة إنتاج العنف.
المطلوب هو تحويل هذه الطاقات المتناثرة إلى مشروع مدني واسع للسلام يقوم على عدة مرتكزات: نشر ثقافة اللاعنف، تدريب الشباب، دعم المبادرات النسوية، بناء آليات محلية للوساطة وحل النزاعات، توثيق الانتهاكات، مقاومة خطاب الكراهية، وتعزيز الحوار بين المجتمعات المتضررة من الحرب.

معركة السلام الكبرى.

فالسلام ليس مجرد غياب إطلاق النار. السلام يعني أيضاً أن يشعر المواطن بأن لديه مكاناً في وطنه، وأن الخلاف السياسي لا يحوله إلى عدو، وأن الاختلاف القبلي أو الجهوي أو الفكري لا يبرر الإقصاء أو القتل، وأن العدالة جزء من عملية السلام وليست عقبة أمامها.
من مقاومة الحرب إلى بناء ثقافة السلام
أحد أخطر آثار الحرب أنها لا تدمر المدن والمؤسسات فقط، بل يمكن أن تجعل العنف يبدو للبعض وسيلة طبيعية لحل الخلافات. ولهذا فإن معركة السلام هي أيضاً معركة ثقافية وتربوية وإعلامية.
ونرى انه يمكن للمبادرات الشبابية والنسوية والمؤسسات المدنية أن تؤدي دوراً يتجاوز تقديم المساعدات، نحو بناء خطاب جديد يقول إن الاختلاف يمكن إدارته بالحوار، وإن التغيير السياسي يمكن أن يتم عبر التنظيم والمشاركة المدنية، وإن القوة المجتمعية لا تقاس بعدد البنادق وإنما بقدرتها على حماية الإنسان وتنظيم المجتمع والدفاع عن حقوقه.
وهذا تحديداً ما يجعل تجربة «سلمية» جديرة بالتطوير: أن تتحول خبرة التدريب على اللاعنف من معرفة محدودة إلى مؤسسة تنتج المعرفة، وتدرب أجيالاً جديدة، وتوثق التجارب السودانية، وتفتح مساحة للنقاش حول مستقبل العمل المدني في ظل الحرب وتمدد خطاب الكراهية والعنف كما تؤكد تجربة لجان المقاومة وغرف الطوارئ والمبادرات الشبابية والنسوية، و «سلمية»، أن المجتمع السوداني لم يفقد قدرته على الفعل، رغم قسوة الحرب.