مليار دولار عبر بنك الخرطوم: هل يصنع التمويل الدائري استقراراً للجنيه السوداني
مهدي داود الخليفة يكتب ..
في اقتصاد أنهكته الحرب وتراجعت فيه الصادرات وتآكلت القوة الشرائية للعملة الوطنية، يكتسب إعلان بنك الخرطوم عن تمويل دائري بقيمة مليار دولار أهمية تتجاوز الرقم المعلن. فالسؤال الجوهري هو: هل يُحدث هذا التمويل تحولاً فعلياً في سعر صرف الجنيه، أم أنه مجرد متنفس مؤقت في أزمة نقد أجنبي أعمق من قدرة مصرف منفرد على حلها؟
بحسب تصريحات الرئيسة التنفيذية لمجموعة بنك الخرطوم، السيدة لمياء ساتي، في منتصف سبتمبر 2026، جرى توفير مليار دولار من مصادر خارجية عبر البنوك المراسلة لتمويل استيراد السلع الاستراتيجية. المهم هنا أن هذا خط ائتمان متجدد، لا منحة أو وديعة ثابتة: الأموال تُستخدم لتمويل عمليات استيراد، ثم تُسدَّد لتُتاح مجدداً لعمليات أخرى. لذلك فإن إجمالي قيمة المعاملات المنفذة يمكن أن يتجاوز حجم التمويل الأصلي إذا تكررت دورات الاستخدام والسداد. وهذا يعني أن المليار دولار لا يُضخ دفعة واحدة في سوق الصرف، بل هو قدرة تمويلية متجددة للمستوردين عبر القنوات الرسمية.
في ظل ضعف تدفقات النقد الأجنبي، يلجأ كثير من المستوردين إلى شراء الدولار من السوق الموازي، ما يضغط على الجنيه. فإذا أتاح البنك تمويلاً فعلياً يُغني المستوردين عن ذلك، فقد ينتقل جزء من الطلب على العملة الأجنبية من السوق غير الرسمية إلى القنوات المصرفية، ما يخفف الضغوط المضاربية ويعزز الثقة في الجهاز المصرفي. لكن ينبغي التمييز بين توفير دولار مخصص للاستيراد وبين زيادة صافية في المعروض الكلي من النقد الأجنبي؛ فالأول ائتمان قصير الأجل مرتبط بعمليات تجارية محددة، وليس تدفقاً جديداً بالضرورة. لذلك، الأثر الأرجح هو تخفيف الضغط على سعر الصرف، لا ضمان ارتفاع مستدام لقيمة الجنيه. وقد أشارت السيدة ساتي إلى أن البنك وفّر سابقاً أكثر من ملياري دولار خلال الأشهر الأولى من الحرب، وهي تجربة تستحق الدراسة، لكن تقييمها يتطلب بيانات مستقلة عن حجم الاستخدام الفعلي وتوقيته.
تُظهر بيانات المساهمين في بنك الخرطوم أن بنك دبي الإسلامي يمتلك نحو 29.49% من الأسهم، وهي أكبر حصة منفردة، إلى جانب حصص أصغر لمصرف أبوظبي الإسلامي (3.21%) ومصرف الشارقة الإسلامي (2.22%). هذا الحضور الإماراتي يفتح احتمالاً منطقياً للاستفادة من شبكة العلاقات المصرفية الإقليمية في تسهيل التمويل. لكن حتى الآن، لا تتضمن التصريحات المعلنة تحديداً لهوية الجهات الممولة أو تأكيداً بمشاركة مباشرة من بنك دبي الإسلامي أو أي جهة إماراتية رسمية. فملكية الحصة لا تعني تحكماً حكومياً مباشراً، والسؤال الدقيق يبقى مفتوحاً: هل سهّلت العلاقة مع المساهمين الإماراتيين الحصول على التمويل، أم رُتّب بالكامل عبر علاقات البنك المستقلة؟ الإجابة تستلزم إفصاحاً واضحاً من البنك.
خمسة عوامل ستحدد مدى استدامة هذا التمويل: حجم المبالغ المسحوبة فعلياً وانتظام تدفقها؛
طبيعة السلع الممولة وأهميتها؛
تكلفة التمويل وشروط سداده؛
كفاءة وشفافية توزيعه بين المستوردين؛
واستمرار الحرب والاختلالات الهيكلية في الإنتاج والصادرات والمالية العامة.
فمن دون تعافي هذه الجوانب، ستبقى الضغوط على الجنيه قائمة رغم توفر خطوط ائتمان جديدة
من المهم أن يوفر بنك الخرطوم، بالتنسيق مع بنك السودان المركزي، بيانات دورية عن الجهات الممولة (دون الإخلال بالسرية التعاقدية)، وحجم المبالغ المستخدمة والمُعاد تدويرها، والقطاعات المستفيدة، وتكلفة التمويل، وأثره الفعلي على الفجوة بين السعرين الرسمي والموازي.
هذا التمويل تطور مصرفي يستحق الاهتمام، وقد يمنح الجنيه فرصة استقرار نسبي إذا نُفّذ بكفاءة. لكن قيمته الحقيقية لن تُقاس برقمه المعلن، بل بقدرته على توفير السلع وتقليل الاعتماد على السوق الموازي دون خلق التزامات يصعب الوفاء بها. أما الدور الإماراتي فسؤال مشروع لكنه يظل بحاجة إلى إفصاح موثق لا افتراضات مبنية على هيكل الملكية وحده.
إن السودان لا يحتاج إلى اقتراض الدولار فحسب، بل إلى اقتصاد قادر على إنتاجه. فالتمويل قد يخفف الأزمة، لكن استدامة استقرار الجنيه ستظل رهناً بوقف الحرب، واستعادة الإنتاج والصادرات، وإصلاح المؤسسات الاقتصادية، وإعادة بناء الثقة في الدولة والعملة الوطنية.
