
ذهب السودان.. نعمة محتملة أم وقود لإطالة الحرب الراهنة وإشعال الحروب المقبلةالمقال( 15 من 17)
على مدى أكثر من خمسة وعشرين عاماً، كتبتُ نحو خمسة عشر بحثاً أكاديمياً في قضايا الحرب والسلام وآثارهما الاقتصادية والسياسية. وانطلاقاً من هذه الدراسات، أعددتُ سبعة عشر مقالاً مبسّطاً للقارئ العام، تُنشر تباعاً في عدد من وسائط الإعلام السودانية؛ مساهمةً في حوار وطني قائم على المعرفة والأدلة، ومستفيد من تجارب الأمم ومن التاريخ السوداني.
وتتناول السلسلة: أولاً، أسباب الحروب الأهلية وآثارها؛ ثانياً، سبل إنهائها وبناء السلام؛ ثالثاً، ما تخلّفه من دمار اقتصادي وتقويض للدولة؛ ورابعاً، متطلبات إعادة الإعمار المستدامة؛ مع استخلاص الدروس ذات الصلة بالسودان.
إبراهيم البدوي عبد الساتر
رابعاً، متطلبات إعادة الإعمار المستدامة ؟
عندما يفكر الناس في إعادة بناء السودان بعد هذه الحرب المدمرة، ينصب اهتمامهم، بطبيعة الحال، على الإغاثة الإنسانية، وإعادة تشييد البنية التحتية والمدارس والمستشفيات، واستعادة الخدمات والنشاط الاقتصادي. غير أن هناك قضية لا تحظى بالاهتمام الذي يتناسب مع أهميتها المحورية لمستقبل البلاد، وهي: كيف سيدير السودان ثروته الطبيعية الهائلة؟
يمتلك السودان ثروة كبيرة ومتنوعة من الذهب، والأراضي الزراعية الخصبة، والثروة الحيوانية، والمعادن، وربما موارد أخرى لم تُكتشف أو تُستغل بعد. وللوهلة الأولى، يُفترض أن تشكل هذه الموارد أساساً مالياً قوياً لإعادة الإعمار وتحقيق الازدهار المستدام. لكن التجربة التاريخية تقدم درساً يدعو إلى التأمل والحذر: فالثروة الطبيعية لا تقود تلقائياً إلى التنمية، بل تحولت في بلدان كثيرة إلى مصدر للفساد، وإضعاف المؤسسات، وعدم الاستقرار السياسي، وتجدد الحروب الأهلية.
تبحث ورقتي “عائدات الموارد والمؤسسات والصراعات الأهلية العنيفة”، التي شاركت في تأليفها مع البروفيسور رايموندو سوتو، في العوامل المؤسسية التي تحدد ما إذا كانت الثروة الطبيعية ستدعم التنمية أم تغذي الصراع، وهي نتائج تحمل دلالات مباشرة للسودان في أثناء الحرب وفي مرحلة إعادة البناء بعد الحرب (وسيرد التوثيق الكامل للورقة في نهاية هذا المقال).
لعنة الموارد: مفارقة التنمية والنزاعات:
هناك إجماع واسع بين مجتمع خبراء التنمية الاقتصادية والسياسات العامة على أن وفرة الموارد الطبيعية قد تتحول إلى لعنة عندما تُدار في ظل أنظمة سياسية ضعيفة أو كليبتوقراطية (تنتهج الفساد المؤسسى كوسيلة للبقاء فى السلطة). ولهذه الظاهرة، المعروفة باسم “لعنة الموارد الطبيعية”، بُعدان مترابطان.
يتعلق البعد الأول بالتنمية الاقتصادية، حيث تقترن الطفرة في عائدات الموارد بالفساد، وسوء توظيف الموارد والإسراف فى الإستهلاك، مما يؤدى إلى عدم الاستقرار الاقتصادي الكلي، والمبالغة في تقييم سعر الصرف، وإضعاف القدرة التنافسية للاقتصاد. هذه التشوهات الاقتصادية بدورها تؤدى إلى إهمال الزراعة والصناعة التحويلية والصادرات غير التقليدية. كما تقلل الإيرادات السهلة المتأتية من الموارد الحوافز لتطوير نظام ضريبي فعال، وتحسين الإدارة العامة، ودعم القطاعات الإنتاجية. المحصلة النهائية تتمثل فى الاعتماد المفرط على الموارد الريعية كسلعة تصديرية واحدة، بدلاً من أن تحفز عائدات الموارد النمو المتنوع.
أما البعد الثاني فيتصل بالنزاعات العنيفة. فعندما تكون عائدات الموارد الطبيعية ضخمة ومتركزة، تتحول إلى غنيمة تتنافس الجماعات السياسية والعسكرية على السيطرة عليها. وفي ظل المؤسسات الضعيفة، تصبح السيطرة على الدولة مرادفة للسيطرة على حقول النفط أو مناجم الذهب وعائدات المعادن. وعندئذ قد تنتقل المنافسة السياسية تدريجياً من الانتخابات والتفاوض والتسويات السلمية إلى العنف والمواجهة المسلحة.
وفي هذا السياق، طرحت دراستنا سؤالاً محورياً: في ظل أي ظروف تزيد عائدات الموارد الطبيعية من احتمال اندلاع صراع أهلي عنيف؟
الموارد الطبيعية لا تشعل الحروب بذاتها:
من أهم النتائج التي توصلت إليها الدراسة أن الموارد الطبيعية ليست خطرة بطبيعتها. فالنفط لا يشعل الحروب من تلقاء نفسه، والذهب لا يولد العنف بذاته؛ وإنما تحدد طبيعة المؤسسات السياسية والاقتصادية ما إذا كانت الثروة الطبيعية ستصبح نعمة أم نقمة. ولتوضيح هذه العلاقة، طورت الدراسة نموذجاً للاقتصاد السياسي تقرر فيه الجماعات الهوياتية أو الأيدلوجية المتنافسة ما إذا كانت ستتعاون سلمياً أم تسعى إلى الاستيلاء على عائدات الموارد. فعندما تكون المؤسسات السياسية ضعيفة، ولا تخضع الحكومات لقيود فعَّالة من المساءلة والضوابط والتوازنات الديمقراطية، تزداد حوافز الجماعات للاستيلاء على عائدات الموارد بالقوة بدلاً من التنافس عليها من خلال القنوات السياسية المشروعة. وعلى العكس من ذلك، تقلل المؤسسات القوية كلاً من الحوافز والفرص المتاحة للاستيلاء العنيف على الموارد.
ماذا تقول الأدلة؟
اختبرت الورقة هذه النظرية باستخدام بيانات تغطي أكثر من مائة دولة نامية على مدى أربعة عقود. وقد دعمت النتائج التجريبية ثلاثة استنتاجات رئيسة.
أولاً، تكون البلدان التي تحصل على عائدات أكبر من الموارد الطبيعية أكثر عرضة، بصورة ملحوظة، لاندلاع صراعات أهلية عنيفة. فكلما ارتفعت قيمة الريع الذي يمكن الاستيلاء عليه، ازدادت حوافز الجماعات المتنافسة للسيطرة على الدولة أو مناطق الإنتاج بالقوة.
ثانياً، تقلل المؤسسات الاقتصادية القوية، بما في ذلك الانفتاح المدروس على التجارة والأسواق الدولية، من احتمال نشوب الصراع؛ لأنها توسع فرص النشاط الاقتصادي المنتج وتحد من اعتماد الاقتصاد والسياسة على اقتسام ريع الموارد.
ثالثاً، وهو الاستنتاج الأهم، تؤدي المؤسسات السياسية القوية، ولا سيما الحكم الديمقراطي والضوابط والتوازنات الفعالة، دوراً حاسماً في الحد من خطر تحول الثروة الطبيعية إلى عنف. ويؤكد التحليل الإحصائي أن جودة المؤسسات تخفف الآثار السلبية لعائدات الموارد، وأن الحوكمة هي العامل الفاصل بين تجارب النجاح والفشل في البلدان الغنية بالموارد.
وتوفر هذه النتائج مدخلاً مباشراً لفهم اقتصاد الذهب في السودان وعلاقته بالحرب الراهنة.
اقتصاد الذهب في السودان:
قليلة هي البلدان التي تجسد هذه المعضلة بوضوح أكبر من السودان. فقد أصبح الذهب خلال العقد الماضي سلعة التصدير الرئيسية للبلاد وأحد أهم مصادر النقد الأجنبي؛ إذ قُدِّر إنتاجه بنحو 74.6 طناً في عام 2025(1)، ما وضع السودان ضمن أكبر عشرين دولة منتجة للذهب في العالم، وفي المرتبة الخامسة على مستوى القارة الأفريقية. ومع ذلك، ظل جانب كبير من القطاع غير رسمي، يفتقر إلى الشفافية ويخضع لرقابة مؤسسية محدودة، كما بقي نصيب الخزانة العامة من عائداته متواضعاً. وتشير التقارير إلى خروج كميات كبيرة من الذهب عبر قنوات غير رسمية، مع تهريب ما بين 50 و70 في المائة من الإنتاج السنوي إلى خارج البلاد(2). وهكذا، لم يتحول الذهب إلى مورد عام يسهم في تمويل التنمية بقدر ما أصبح جزءاً من اقتصاد سياسي غير شفاف تتقاطع فيه المصالح التجارية والعسكرية والسياسية.
وبحكم حجم إنتاج السودان، غدت عائدات الذهب مورداً محورياً في اقتصاد الحرب، إذ توفر للمستفيدين منها حوافز مادية لإطالة القتال وعرقلة التسوية السياسية. وهكذا تحول الذهب من مورد وطني أضرّت به الحرب إلى أحد العوامل التي تساعد على استمرارها.
كيف يتجنب السودان “لعنة الموارد”؟
قد يعتقد البعض أن التوصل إلى السلام سيحل هذه المشكلات تلقائياً، لكن وقف الحرب، على ضرورته، لن يكون كافياً. فالسنوات الأولى التي تعقب النزاع قد تكون من أكثر المراحل خطورة، مع تدفق أموال إعادة الإعمار، وتوسع إنتاج الموارد، واشتداد المنافسة على العقود والتراخيص والعائدات. وإذا دخل السودان هذه المرحلة بمؤسسات ضعيفة واقتصاد موارد غير شفاف، فقد تُستخدم عائدات الذهب في بناء شبكات محسوبية وتمويل الفساد والجماعات المسلحة، بدلاً من تمويل المدارس والمستشفيات والبنية التحتية. ولذلك يجب اعتبار إصلاح قطاع الذهب جزءاً أصيلاً من عملية بناء السلام، لا ملفاً اقتصادياً يؤجل إلى ما بعد التسوية السياسية.
لحسن الحظ، ليست لعنة الموارد حتمية أو غير قابلة للعلاج. وتشير نتائج الدراسة إلى مجموعة من المبادئ المؤسسية التي تكتسب أهمية خاصة بالنسبة إلى إعادة بناء السودان.
يتمثل المبدأ الأول في الحوكمة الديمقراطية والشفافية. فعائدات الموارد ملك للشعب السوداني، ولذلك يجب إخضاع استخراجها وإدارتها لرقابة البرلمان والقضاء المستقل وأجهزة المراجعة ومكافحة الفساد، مع نشر بيانات الإنتاج والتصدير والعقود والتراخيص والمدفوعات الحكومية. كما ينبغي ألا تنفرد أي جهة تنفيذية بمنح التراخيص أو إبرام العقود أو تحديد حصص الدولة، بما يحول دون التهريب والفساد واستيلاء النخب السياسية والعسكرية على الريع.
ويتمثل المبدأ الثاني في الإدارة الاقتصادية المهنية والمستدامة. إذ ينبغي توجيه عائدات الموارد بعيداً عن الإنفاق السياسي الجاري وشبكات المحسوبية والتوسع العسكري، نحو الاستثمارات المنتجة في الزراعة والتصنيع والبنية التحتية والتعليم والصحة والتكنولوجيا، بما يحوّل الذهب، بوصفه مورداً ناضباً، إلى أصول إنتاجية ورأس مال بشري تستفيد منه الأجيال الحالية والمقبلة.
أما المبدأ الثالث فهو التوزيع العادل للعائدات، من خلال إطار مالي وقانوني شفاف يحدد حصص الحكومة الاتحادية والأقاليم والمناطق المنتجة، ويكفل حقوق الأجيال المقبلة. ومن شأن هذه الصيغة أن تعوّض المجتمعات المتضررة من التعدين، وتحد من المظالم الإقليمية، وتجعل الثروة الطبيعية أداة لتعزيز التماسك الوطني بدلاً من تغذية التنافس والصراع.
خاتمة:
يقف السودان عند مفترق طرق: فإما أن يُدار الذهب في إطار مؤسسات شرعية وشفافة، فتسهم عائداته في إعادة الإعمار والتنمية وتنويع الاقتصاد؛ وإما أن يظل خاضعاً للشبكات غير الرسمية والمصالح العسكرية والسياسية، فيغذي الحرب الراهنة ويهيئ للحرب المقبلة. وهذا هو الدرس المركزي المستخلص من الدراسة: إن لعنة الموارد مؤسسية في جوهرها، وإن الفيصل بين النعمة والنقمة هو نوعية المؤسسات التي تحكم استخراج الموارد وإدارة عائداتها وتوزيعها. فمستقبل السودان لن تحدده كمية الذهب الكامنة تحت ترابه، وإنما نوعية الدولة والمؤسسات التي سيقيمها السودانيون فوق ذلك التراب.
المراجع:
Elbadawi, Ibrahim and Raimundo Soto. 2015. “Resource Rents, Institutions, and Violent Civil Conflicts.” Defence and Peace Economics, 26(1), 89–113.
أنظر الرابط: https://www.gold.org/goldhub/data/gold-production-by-country
أنظر الرابط: https://www.africangoldreport.org/sudan
