حين يصمت السودانيون تحت وقع الرصاص

فضيل عمر يكتب ..
مرّت أكثر من ثلاث سنوات على الخامس عشر من أبريل 2023، وما زال كثيرون يسألون عمّن أطلق الرصاصة الأولى في الخرطوم. أفهم السؤال، لكنه لم يعد يشغلني كثيرًا. الذي يشغلني أن ملايين السودانيين خرجوا من بيوتهم في تلك الأيام بما خفّ حمله، ولم يسألهم أحد، لا قبل الحرب ولا بعدها، عمّا يريدون.
الشائع أن الأمر صراع بين جنرالين على الحكم. في هذا شيء من الصحة، لكنه يتجاهل أن السودان عرف هذا كله من قبل. قُتل الناس وحُرقت القرى في دارفور قبل أكثر من عشرين عامًا، وتكرر الأمر في جبال النوبة والنيل الأزرق، وسقط شباب عزّل عند فض الاعتصام أمام القيادة العامة في يونيو 2019، ولم يقف أحد أمام قاضٍ. كل جولة عنف مرّت دون حساب مهّدت للتي بعدها. وكلما اشتد القتال الجديد خفت الحديث عن الجرائم القديمة، فمن يفرّ اليوم من القصف والنهب لا وقت لديه ليطالب بمحاسبة ما جرى قبل سنوات. ويتسلل إلى الناس إحساس بأن هذا قدر مكتوب لم يقرره أحد.
وفي الأثناء ذهبت السياسة. كان أمام القوى المدنية، بعد ثورة ديسمبر، مهمة شاقة: الخبز والدواء والوقود ومرتبات المعلمين، وسياسات تناسب بلدًا بهذا التنوع. جاءت البنادق فحسمت النقاش. ونزح المواطن مرة ثم ثانية ثم ثالثة، وسكن المعسكرات في تشاد وجنوب السودان ومصر، وصار لا يعرف إن كانت بيوته ما زالت واقفة.
أما الاقتصاد فتكفي جولة في السوق لتعرف حاله. تجاوز الدولار هذا الشهر تسعة آلاف جنيه في بعض تعاملات السوق الموازية، وكان في مايو عند نحو 4,300. وأغلق تجار محالهم أو أوقفوا البيع خشية ألا يستطيعوا تعويض بضائعهم. وفي جولة بأسواق الخرطوم وود مدني يوم 18 سبتمبر سجّل راديو تمازج أن جوال السكر زنة خمسين كيلوغرامًا انتقل من 380 ألفًا إلى 470 ألف جنيه، وجوال الدقيق من 80 ألفًا إلى 120 ألفًا. وأضع هذه الأرقام بجوار رقم آخر: قالت لجنة المعلمين إن راتب المعلم في الدرجة الأولى، ممن أمضوا أكثر من ثلاثين عامًا في الخدمة، نحو 220 ألف جنيه حتى نهاية مايو، وإن المعلم في بداية خدمته يتقاضى ستين ألفًا. جوال سكر واحد يساوي إذن أكثر من ضعف مرتب معلم قضى عمره في الفصل. (اقتصاد الحرب يدفع الجنيه السوداني إلى الهاوية
والمعارك محتدمة في كردفان ودارفور والنيل الأزرق. يقال إن أخبار التقدم في الميدان غطّت على هذا التدهور، وإن السلطة تشتري بها صبر الناس. لا أملك ما أجزم به، لكن الاقتصاد يُعالج عندنا بلغة الملاحقة. حين انهار سعر الصرف تشكلت لجنة برئاسة وزير المالية لمعالجته، وانتقد اقتصاديون انشغال الحكومة بملاحقة السوق الموازية بدل النظر في أسباب الانهيار. والمسألة أعقد من ضبط المضاربين، ففيها اقتصاد حرب وشح في النقد الأجنبي وتراجع في الإنتاج وتهريب للذهب. وشركات الذهب نفسها تقول إن السعر الذي يشتري به البنك المركزي لا يغطي كلفة الوقود والنقل والأجور.
وقد هبطت إيرادات الدولة من نحو عشرة في المائة من الناتج المحلي قبل الحرب إلى أقل من خمسة في المائة في عامي 2024 و2025. وحين تضيق الخزينة تبحث الدولة عن المال عند من بقي في السوق. كان الدولار الجمركي 2,827 جنيهًا في ديسمبر، وصار 4,346 في الثاني عشر من سبتمبر. الوزير يدافع عن الزيادات المتتالية بأنها من سياسة التحرير الاقتصادي، ووجّه ديوان الضرائب في السابع من سبتمبر بتوسيع المظلة الضريبية وإدخال قطاعات جديدة دون رفع النسب. قد تبقى النسب على حالها فعلًا، لكن رفع سعر الدولار الجمركي يرفع الرسم على كل حاوية تصل، ثم يصل الفرق إلى رف الدكان. ويحذر التجار من أن الرسوم الجديدة على الواردات قد تشلّ الأسواق. وفي الداخل يقول تجار ومستثمرون إن المحليات تفرض رسومها على الأعمال، وأحيانًا بمرافقة الشرطة لموظفيها. ورئيس الوزراء يعلن أنه يحارب الجبايات، والتاجر يدفعها.
فماذا وصل الناس في المقابل؟ الموازنة وعدت بمضاعفة المرتبات وبحد أدنى للأجور قدره 425 ألف جنيه. لكن المعلمين قالوا في نهاية مايو إن مرتباتهم ما زالت تُصرف هزيلة ومبتورة، وإن مرتب أبريل لم يُصرف في كسلا، واستمر إضراب أساتذة الجامعات. وكانت لجنة المعلمين قد ذكرت في يناير أن متأخراتهم بلغت نحو أربعة عشر شهرًا. ولم تُنشر مخصصات التعليم والصحة في الموازنة الطارئة. حين لا نعرف كم يُنفق على المدرسة والمستشفى، نعرف أين تقع أولويات الإنفاق.
وهناك ما يوجعني أكثر. أسماء عرفناها في الفضاء المدني وصدّقناها في الأيام الأولى صارت تتكلم اليوم بلسان هذا الطرف أو ذاك. بعضها اختار موقفه عن قناعة، وبعضها لا أدري ما الذي دفعه. لكن النتيجة واحدة: القارئ العادي الذي كان يستند إليهم ليفهم ما يجري ضاع بين الروايات. وحين يضيع الناس يرددون ما يُقال حولهم حتى لا يُتهموا، وحتى لا يجدوا أنفسهم في الجهة الخطأ عند أول نقطة تفتيش. لهذا أكتب. كثير ممن أعرفهم لهم رأي واضح فيما يجري ويبتلعونه، لأن الكلمة الخطأ في المكان الخطأ قد تكلّف صاحبها غاليًا.
ما أطلبه بسيط. أن يُقال إن قتل المدنيين جريمة أيًّا كان مرتكبها، وأن يخرج ملف المحاسبة من الأدراج. وأن يُصرف المرتب في موعد أقصاه الخامس من كل شهر، كما يطالب الموظفون، وأن يُعلن كل جنيه يدخل الخزينة وكل جنيه يخرج منها، وأن تتوقف الجباية بالشرطة. وأن يجلس المدنيون السودانيون، أولئك الذين لم يحملوا سلاحًا، ليقرروا مستقبلهم قبل أن يقرره غيرهم في عواصم بعيدة. أي اتفاق يوقّعه المسلحون وحدهم قد يوقف إطلاق النار لبعض الوقت، وسنعود بعده إلى ما بدأنا منه.