من اليمن إلى السودان.. كيف دخل الذكاء الاصطناعي ساحات الحرب؟

الغد السوداني (وكالات)  – كشفت شركة «أنثروبيك» المتخصصة في الذكاء الاصطناعي عن استخدام برنامجها «كلود» في محاولات لتطوير أسلحة موجّهة في شمال اليمن، بالتزامن مع رصدها حملة تأثير مرتبطة، بحسب الشركة، بدرجة عالية من الثقة بمسؤولين في الحكومة الإماراتية، استخدمت أدوات الذكاء الاصطناعي لإنتاج محتوى بشأن الحرب في السودان واستهداف خبراء في الأمم المتحدة.

وقالت الشركة، في تقرير نشرته في 10 سبتمبر (أيلول)، إن الحالات التي رصدتها بين ديسمبر (كانون الأول) وأغسطس (آب) شملت محاولات لاستخدام الذكاء الاصطناعي في تطوير أسلحة، وأعمال مراقبة، وعمليات تأثير سياسي وإعلامي.

وفي الحالة اليمنية، قالت «أنثروبيك» إن مستخدمين في شمال البلاد استعانوا بـ«كلود» لكتابة برمجيات مرتبطة بالتوجيه والملاحة والتحكم في الأسلحة، وإجراء عمليات محاكاة وتشخيص للأخطاء. وأضافت أن المجموعة عملت على ثلاثة مشاريع شملت صاروخاً موجهاً، وصاروخاً باليستياً بمدى مستهدف يتجاوز ألفي كيلومتر، وتصميماً لصاروخ متعدد النسخ، بينها نسخة تتضمن مركبة انزلاقية فرط صوتية.

وأشارت الشركة إلى أن تجربة إطلاق صاروخ موجّه بدت فاشلة، وأن المستخدمين عادوا بعد ساعات إلى البرنامج لمحاولة معرفة أسباب الفشل. لكنها أكدت عدم امتلاكها دليلاً على نجاح المجموعة في تشغيل سلاح فعلي، كما لم تحدد هويتها أو تؤكد صلتها بجماعة الحوثيين.

وقال حزام الأسد، عضو المكتب السياسي لجماعة الحوثيين، لوكالة «أسوشيتد برس» إن من غير المنطقي أن تعتمد الجماعة على مصادر مفتوحة لتطوير قدراتها العسكرية، مشيراً إلى امتلاكها خبرات وقدرات تراكمت خلال سنوات الحرب.

أما في ملف السودان، فقالت «أنثروبيك» إنها رصدت حملة تأثير أدارت نحو 300 حساب وهمي على منصات التواصل الاجتماعي، واستخدمت «كلود» لإعداد تقارير ومنشورات ومواد سياسية وشهادات تتعلق بالحرب السودانية.

وبحسب الشركة، استهدفت الحملة بصورة رئيسية جماعة الإخوان المسلمين، إلى جانب خبراء في الأمم المتحدة انتقدوا دور الإمارات المزعوم في الحرب السودانية. وقالت إن النشاط شمل انتحال هوية منظمة حقوقية سودانية حقيقية، وإعداد شهادات منسوبة إلى أشخاص محددين، بهدف تقديم مواد إلى الأمم المتحدة على أنها شهادات صادرة عن شهود محليين مستقلين.

وأضافت أن الحملة أعدت شهادات كان مقرراً تقديمها أمام الدورة الثانية والستين لمجلس حقوق الإنسان، مع تعليمات بعدم ذكر الإمارات، كما أعدت ملفات عن مقررين خاصين للأمم المتحدة انتقدوا سلوك أبوظبي في السودان.

وتنفي الإمارات اتهامات دعم قوات الدعم السريع في الحرب السودانية، التي اندلعت في أبريل (نيسان) 2023 بين الجيش وقوات الدعم السريع. ولم ترد أبوظبي فوراً على طلب وكالة الصحافة الفرنسية التعليق على ما ورد في تقرير «أنثروبيك»، وفقاً للوكالة.

وشددت الشركة على أنها لم تتمكن من تحديد ما إذا كانت الشهادات والملفات التي أُعدت خلال الحملة وصلت بالفعل إلى الجهات المستهدفة، أو ما إذا كان لها تأثير في قرارات سياسية.

الذكاء الاصطناعي في الحرب الإعلامية بمالي

ولا يقتصر استخدام الذكاء الاصطناعي في النزاعات على السودان واليمن. فقد رصدت دراسة لمعهد تمبكتو استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي في الحرب الإعلامية في مالي، بما في ذلك إنتاج شخصيات ومحتوى رقمي واستخدام حسابات وهمية لنشر رسائل مؤيدة لأطراف النزاع.

وقالت الدراسة إن استخدام هذه التقنيات يتزايد في مالي، حيث تتفاوت قدرات الأطراف المتحاربة ومواردها وأهدافها، معتبرة أن البلاد أصبحت ساحة لاختبار استخدام التكنولوجيا في الصراعات الإعلامية.

وأشارت إلى أن استخدام جماعة نصرة الإسلام والمسلمين للذكاء الاصطناعي لا يزال محدوداً، لكنها رصدت في يونيو (حزيران) 2026 ملصقات مولدة بهذه التقنية نشرتها ذراعها الإعلامية «الزلاقة».

كما رصد المعهد حسابات على «تيك توك» مرتبطة بجبهة تحرير أزواد، عرضت شخصيات مولدة بالذكاء الاصطناعي على أنها أشخاص حقيقيون يوجهون رسائل مؤيدة للجبهة.

وقالت الدراسة إن هذا النوع من المحتوى يمنح القضايا السياسية والمسلحة وجوهاً وشخصيات مصطنعة، ويجعل تحديد الجهات التي تقف وراء الرسائل أكثر صعوبة.

وبحسب الدراسة، تستخدم روسيا و«فيلق أفريقيا» هذه الأدوات بصورة أكثر تطوراً، عبر الجمع بين المحتوى المولد بالذكاء الاصطناعي والحسابات الوهمية واستراتيجيات نشره على منصات التواصل.

من الدعاية إلى الاستخبارات والاستهداف

ويتزامن ذلك مع تزايد النقاش حول استخدام الذكاء الاصطناعي في العمليات العسكرية والاستخباراتية. ففي تحقيق نشرته وكالة «أسوشيتد برس» في فبراير (شباط) 2025، أفادت بأن الجيش الإسرائيلي وسع استخدام خدمات الذكاء الاصطناعي والحوسبة التي تقدمها شركات أميركية بعد هجوم 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023، خلال الحرب في غزة ولبنان.

وبحسب التحقيق، استخدمت هذه الخدمات لتحليل معلومات استخباراتية واتصالات معترضة ومواد مراقبة، بما في ذلك تفريغ التسجيلات وترجمتها وتحليل كميات كبيرة من البيانات. وقال ضابط استخبارات للوكالة إن بعض النتائج يمكن مقارنتها بأنظمة يستخدمها الجيش لتحديد الأهداف.

وقال الجيش الإسرائيلي للوكالة إن محلليه يستخدمون أنظمة مدعومة بالذكاء الاصطناعي للمساعدة في تحديد الأهداف، وإن هذه العمليات تخضع لمراجعة بشرية مستقلة، وفقاً لما قال إنه متطلبات القانون الدولي.

لكن التحقيق نقل أيضاً عن ضابط استخبارات إسرائيلي قوله إنه شاهد أخطاء في عمليات استهداف استندت إلى ترجمات آلية غير صحيحة من العربية إلى العبرية. وقال الجيش إن الترجمات يفترض أن يراجعها شخص يتقن العربية.

وكان تحقيق نشره موقعا «+972» و«لوكال كول» في أبريل 2024 تناول نظاماً إسرائيلياً يعرف باسم «لافندر»، استناداً إلى شهادات ستة ضباط استخبارات إسرائيليين. وقالت المصادر إن النظام صنف عشرات الآلاف من سكان غزة كمشتبه في انتمائهم إلى جماعات مسلحة وأدرجهم ضمن أهداف محتملة.

ورفض الجيش الإسرائيلي هذه الرواية، مؤكداً أن أدوات الذكاء الاصطناعي تساعد الضباط في عملهم، وأن تحديد الأهداف يتطلب مراجعة مستقلة من محلل استخبارات للتأكد من مشروعية الاستهداف.

حدود المراجعة البشرية

وقالت «أنثروبيك» إنها حظرت الحسابات المرتبطة بمحاولات تطوير الأسلحة في اليمن، لكنها أقرت بأن أنظمة الحماية منعت كثيراً من الطلبات ولم تمنعها جميعاً.

وأضافت أن المستخدمين تمكنوا، قبل حظر الحسابات، من إنشاء أدوات محاكاة يمكن تشغيلها دون الاتصال بالإنترنت أو الاعتماد على «كلود»، وأنها شاركت نتائج تحقيقاتها مع شركاء في القطاعين العام والخاص.

وتسلط هذه الحالات الضوء على اتساع نطاق استخدام الذكاء الاصطناعي في النزاعات، من تطوير البرمجيات والمحاكاة العسكرية إلى تحليل المعلومات الاستخباراتية وإنتاج الدعاية وإدارة حملات التأثير.

وتفرّق اللجنة الدولية للصليب الأحمر بين أنظمة الذكاء الاصطناعي التي تساعد البشر في اتخاذ قرارات عسكرية، والأسلحة القادرة، بعد تفعيلها، على اختيار أهداف ومهاجمتها من دون تدخل بشري إضافي.

وتحذر اللجنة من مخاطر الأخطاء في البيانات والثقة المفرطة في مخرجات الأنظمة، خصوصاً في ظروف الحرب وضغط الوقت، مؤكدة أن استخدام هذه الأدوات لا ينقل مسؤولية قرارات استخدام القوة إلى الآلة، وأن الحكم والمراجعة البشريين يظلان ضروريين.