من مدرسة حكومية إلى عرش التفوق.. حكاية حسن الشاطر

الخرطوم/ الزين عثمان – في زمان سطوة المدارس الخاصة، وبعد إعلان نتيجة الشهادة السودانية التي اكتسحت فيها مدرسة واحدة قائمة التفوق، يسبق اسمها دائماً توصيف بأنها «مدرسة خاصة»، تمدد السؤال في أذهان كثيرين: أين المدارس الحكومية؟ كانت الإجابة الأولى هذه المرة من مدرسة في نواحي كوستي، بينما حملت الإجابة الأخرى اسم «حسن الشاطر».

في مدرسة منيب عبد ربه الثانوية بمدينة كوستي، تقف مبانٍ آيلة للسقوط، لكنها لا تزال صامدة، ربما لأن خلفها حكاية رجل اقتطع من ماله ليقيم هذا الصرح ويقدمه خدمة لأهل المدينة. حدث ذلك في زمان سطوة وانتشار بناء المدارس الأهلية في ستينات وسبعينات القرن الماضي. وهناك، في المكان الذي شهد ذات يوم اتساع رقعة الحرب وهي تكتب مآسيها، تحولت المدرسة إلى منزل مؤقت لأناس دفع بهم الموت بعيداً عن بيوتهم وعن تفاصيل حياتهم التي ألفوها. وكما حدث لآلاف المدارس في المدن السودانية، تحولت المدرسة الواقعة في حي الرديف إلى دار إيواء، تقاسم الجميع في داخلها أوجاعهم قبل أن يغادروها إلى ديارهم.

من ذات المكان قرر حسن خالد حسين أن يكتب قصة مختلفة، بقلم التفوق والنبوغ. وجد حسن نفسه واحداً من ملايين اضطرتهم الحرب إلى مغادرة بيوتهم في الخرطوم، تاركاً مقعد دراسته في مدرسة «مكة» بالكلاكلة القبة، حيث كان يقيم برفقة أسرته. غادروا أولاً إلى الأبيض، قبل أن يهبطوا جميعاً في بيت جدهم بمدينة كوستي، في الحلة الجديدة؛ المكان الذي تحول، بعد إعلان النتيجة، إلى ساحة فرح وأغنيات وزغاريد شقت عنان الصمت، لأن الصغير تفوق على ظروفه وهزم الحرب بضربة النجاح القاضية.
قصة حسن خالد حسين تبدو مثيرة للدهشة قبل أن تكون مصدر فخر له ولأسرته. فمن مدرسة منيب عبد ربه الثانوية الحكومية جلس حسن للامتحان، محققاً نسبة بلغت 94.4%، وهي النسبة التي جعلته يتربع على عرش التفوق في الشهادة السودانية حين يتعلق الأمر بالمدارس الحكومية، في نتيجة شهدت سطوة واكتساح المدارس الخاصة لقائمة المتفوقين، إلى درجة أن أكثر من 50% من المتفوقين جاءوا من مدرسة خاصة واحدة. وفي مثل هذا المشهد، يصبح تفوق طالب جلس للامتحان من مدرسة حكومية هو الخبر في حد ذاته.

في ولاية النيل الأبيض، حيث جلس حسن للامتحان، لم يكن الوضع استثناءً فيما يتعلق بتفوق المدارس الخاصة على ما تبقى من المدارس الحكومية، بل كان الاستثناء في حسن نفسه. وصل إلى كوستي بعد رحلة نزوح بدأت من الأبيض، نسي خلالها مقرر الصف الأول، لكنه قرر في المقابل أن يعبر وينتصر على ظروف الحرب، وأن يكمل المشوار. درس الفصل الدراسي الثاني في مدرسة الشاطئ الثانوية، وهي مدرسة حكومية، قبل أن يكمل الصف الثالث في مدرسة منيب عبد ربه، ومن هناك حقق تفوقه.

لكن حسن، في حديثه عن النتيجة، لا ينسب التفوق إلى نفسه وحدها. يقول إن ما تحقق كان ثمرة تكامل أدوار، ما كان لها أن تظهر لولا أزمة الحرب والنزوح التي جعلته يكتشف عالماً آخر بعيداً عن الكلاكلة، ويكتشف معه «شارع بيتهم في كوستي». بالنسبة إليه، كان لهذا الشارع وأهله القدح المعلى في النتيجة؛ إذ ما كانت إرادته لتنتصر لولا الدعم الذي وجده من جيرانه في الحلة، الذين فتحوا قلوبهم قبل بيوتهم له من أجل المذاكرة، الأمر الذي سهل عليه الكثير من الصعوبات.

ولا ينسى حسن أن ينسب النتيجة إلى أساتذته في مدرستي الشاطئ، ومن بعدها مدرسة منيب عبد ربه، وما قدموه له. بل إنه يرى أن مجرد أن تتوفر لك فرصة، وأن تجد مقعد دراسة في مثل هذه الظروف، هو في حد ذاته مكسب. ويقول حسن إنه سعيد لأن تفوقه جاء من مدرسة حكومية، رغم أنه كان متاحاً له أن يجد منحة في مدرسة خاصة، ويرى أن النتيجة التي أحرزها تؤكد أن «زامر الحكومة» يمكن أن يتفوق.

غادر حسن كوستي إلى الخرطوم بعد أن أدى امتحاناته، لكنه عاد الآن إلى الشارع نفسه، وإلى الأماكن التي احتضنته وكانت سبباً في تفوقه وتحقيق نتيجة تمكنه من الاقتراب من حلمه في دخول كلية الطب بجامعة الخرطوم عادت استجابة لدعوة الناس هناك للاحتفال به وبنتيجته . وتتزامن عودته مع احتفالات رسمية لحكومة الولاية بالمتفوقين في الولاية من المدارس الخاصة، غير أن حسن يقول إن أكبر احتفال يمكن أن يحصل عليه هو أن تعود مدارس الحكومة إلى تقديم المتفوقين، وألا يُحرم طالب من حقه في أن يتفوق لأنه لا يملك ثمن ذلك.