قهقهة مجلس الأمن حول السودان

زورق الحقيقة
أبوهريرة زين العابدين يكتب 
جلسة مجلس الأمن الدولي لمناقشة الحرب في السودان مجرد قهقهة سياسية وضحك على الذقون، كلام بلا اسنان، يخرج الفرد بانطباع واحد، أن هذه المؤسسة الدولية العتيقة فقدت قدرتها على الفعل، وفقدت حتى القدرة على الإحساس بحجم المأساة. جلسات طويلة، كلمات منمّقة، بيانات متكررة، ثم لا شيء يتغيّر على الأرض. يموت الناس، تُدمَّر المدن، وتستمر الحرب، بينما المجلس يكتفي بدور المتفرج الذي يصفق لنفسه بعد كل اجتماع. إنها لحظات سياسية مخزية في تاريخ هذه المنظمة غير الفاعلة.
السودانيين في ارض اللجوء والنزوح داخل وخارج السودان قد شبعوا من بيانات القلق والقهقهة السياسية التافهة، انهم يتطلعون الى قرارات حقيقية توقف تدفق السلاح الذي يغذي الحرب وقرارات توقف الحرب وتجبر المتحاربين على وقفها ووقف الدعم لها. ومع ذلك، يصرّ مجلس الأمن على التمسك بنظام عقوبات وُضع قبل عشرين عاماً لدارفور، وكأن البلاد لم تدخل حرباً شاملة طالت كل السودان. هذا الجمود تقصير وتجاهل صريح لحق السودانيين في الحياة، وتواطؤ دولي مقصود يساهم في استمرار النزيف، وترك الأطراف الإقليمية تلعب طاولة مصالح على حساب اهل السودان وأصبحنا رقعة شطرنج لمافيا الذهب والسلاح.
فالانقسام داخل المجلس يعكس عدم وجود الإرادة الدولية، فقد أصبح وامسى جداراً صلباً يمنع أي خطوات توقف الحرب. القوى الكبرى تتعامل مع السودان كملف نفوذ، لا كأزمة إنسانية غير مسبوقة. الولايات المتحدة تدفع باتجاه تشديد العقوبات، بينما تستخدم روسيا والصين حق النقض لحماية مصالحهما، والدول الإفريقية الثلاث ترفض أي إجراء قد يُفسَّر كمساس بسيادة السودان. وهكذا يتحول المجلس إلى ساحة صراع دولي وإقليمي، بينما يتحول السودان إلى ساحة فجيعة والم، ودماء، ودموع، ودمار.
العقوبات التي يتحدث عنها المجلس كلمات بلا روح وبلا معنى للنازحين والمغلوبين على امرهم. لا آليات تنفيذ، لا مراقبة، لا إرادة سياسية. الحدود مفتوحة، الطائرات المسيّرة تتدفق كنحل، والذخائر تصل عبر قنوات يعرفها الجميع ويتجاهلها الجميع. المجلس يكتفي بإصدار بيانات قلق بينما الأطراف المتحاربة تتلقى دعماً عسكرياً مباشراً من دول إقليمية ودولية دون أن يجرؤ أحد على تسميتها أو محاسبتها. هذا ليس فشلاً فقط، بل هو مشاركة صامتة وتآمر في استمرار الحرب.
المدنيون هم الضحية الأولى والأخيرة لهذا العجز الدولي. ملايين النازحين، مدن مدمرة، مجاعة تقترب، وانهيار كامل لمؤسسات الدولة. ومع ذلك، يتعامل المجلس مع الحرب وكأنها أزمة يمكن إدارتها بالاجتماعات الشهرية والتمديدات التقنية. هذا الانفصال بين الواقع والقرار الدولي يجعل من مجلس الأمن جزءاً من المشكلة، لأنه يخلق وهماً بأن هناك تدخلاً دولياً بينما الحقيقة أن السودان تُرك وحيداً كعامود الطريق في مواجهة حرب بلا سقف زمني او اخلاقي.
وصفي لجلسات مجلس الأمن بأنها قهقهة سياسية هو توصيف دقيق لمشهد دولي فقد هيبته. فالمجلس اليوم عاجز، منقسم، ومشلول، لا يملك أدوات ضغط ولا يملك الجرأة على مواجهة الدول التي تغذي الحرب. كل جلسة جديدة هي محاولة لتجميل العجز، وكل بيان جديد مجرد محاولة خجولة لإخفاء حقيقة أن المجتمع الدولي اختار الوقوف على الرصيف بينما يُدمَّر السودان أمام أعين العالم.
السودان لا يمكنه انتظار مجلس أمن فقد قدرته على حماية السلم الدولي، فكيف سيحمي دولة تتفكك؟ إن إنهاء الحرب لن يأتي من نيويورك، بل من إرادة سودانية ترفض استمرار النزيف، وتدرك أن المجتمع الدولي لن يتحرك إلا عندما يصبح ثمن الصمت أعلى من ثمن الفعل. وحتى ذلك الحين، ستظل جلسات المجلس مجرد ضجيج سياسي لا يوقف حرباً ولا يحمي شعباً. فعلى السودانيين البحث عن سلام بلدهم بايدييهم واجتماعهم ضد الطرفين المجرمين وازلامهم بدل التعويل على منطمة شاخت وباض الحمام في جدرانها وبنى العنكبوت بيته في بيتها.