
الحرب تلتهم تعليم السودان.. 8 ملايين طفل خارج الدراسة وعقول تهاجر
تقرير/ أمين محمد الأمين ــ تحت وطأة نزيف مالي وتقديرات غير مسبوقة للدمار، يواجه قطاع التعليم في السودان اختبارا هو الأقسى في تاريخه الحديث؛ ملايين الطلاب خارج مقاعد الدراسة، ونحو نصف المباني التعليمية خارج الخدمة، ومئات المؤسسات الأكاديمية تعرضت للنهب والتدمير، فيما تتجه فاتورة إعادة الإعمار إلى أرقام مليارية تعجز الخزينة العامة عن مقاربتها.
وفي ظل التضخم المتسارع والهجرة الواسعة للكوادر التعليمية والأكاديمية، لم يعد السؤال يتعلق فقط بموعد عودة الدراسة، بل بكيفية إنقاذ سوق العمل وحماية الاقتصاد من تبعات فاقد تعليمي قد يهدد مستقبل جيلين متتاليين.
صدمة مزدوجة
وقالت عميد كلية الاقتصاد والدراسات المالية والمصرفية بجامعة السودان العالمية، دكتورة ماجدة مصطفى صادق، لـ«الغد السوداني»، إن قطاع التعليم في السودان يتعرض لضربة مزدوجة؛ يتمثل بعدها الأول في التدمير المادي الواسع الذي طال المنشآت والمباني والمختبرات والمكتبات، فيما أصاب البعد الثاني صلب العملية التعليمية عبر نزوح الملايين وتوقف الدراسة وفقدان الأسر لمصادر دخلها، فضلا عن تحويل مؤسسات تعليمية إلى مراكز إيواء.
نزيف مشهود
وأشارت دكتورة ماجدة مصطفى، في إفادة لـ«الغد السوداني»، إلى أن الكارثة باتت أكثر اتساعا، لافتة إلى بيانات اليونيسف التي أكدت تعطل نحو نصف مباني المدارس في البلاد وخروج زهاء 8 ملايين طفل عن مقاعد الدراسة.
وشددت على أن هذه الأرقام لا تعكس مجرد أزمة إنسانية، وإنما تترجم إلى خسارة اقتصادية فادحة، لأن كل عام يمر من دون تعليم يعني تراجعا في إنتاجية جيل كامل، ويضعف قدرة الاقتصاد الوطني على التعافي.
دمار متراكم
وقالت عميد كلية الاقتصاد بجامعة السودان العالمية لـ«الغد السوداني» إن من الصعب وضع رقم نهائي للخسائر في الوقت الحالي بسبب استمرار الحرب وتطاول أمدها، موضحة أن حجم الدمار لا يقاس فقط بالمباني والمنشآت، وإنما أيضا بطبيعة الأصول الاستراتيجية المفقودة، من أراض وورش ومعامل ومكتبات وشبكات اتصالات وسجلات أكاديمية تاريخية.
معرفة مفقودة
ولفتت دكتورة ماجدة مصطفى، في حديثها لـ«الغد السوداني»، إلى أن الخسائر في قطاع التعليم العالي والبحث العلمي تبدو أكثر خطورة، عقب تعرض أكثر من 100 جامعة ومركز بحثي للتدمير.
ودعت إلى التمييز بين «الأصول المادية» و«المعرفة المفقودة»، مشيرة إلى أن إعادة بناء المنشآت قد تستغرق سنوات، بينما تعويض قواعد البيانات والخبرات التي هاجرت يحتاج إلى عقود.
فاتورة رباعية
وأوضحت عميد كلية الاقتصاد لـ«الغد السوداني» أن الفاتورة الحقيقية لإعادة إعمار قطاع التعليم تتكون من أربعة أركان رئيسية: إعادة تأهيل المباني والمرافق، وإعادة تشغيل العملية التعليمية لوجستيا عبر توفير المعلم والكتاب والبيئة الآمنة، ومعالجة الفاقد التعليمي للحد من التسرب، إلى جانب التكلفة الأكثر خطورة، والمتمثلة في استعادة رأس المال البشري والحد من هجرة الكفاءات.
غياب البيانات
وأضافت دكتورة ماجدة مصطفى صادق، في إفادة لـ«الغد السوداني»، أن النتيجة الأكثر خطورة تتمثل في تراجع قدرة القطاع نفسه على إنتاج البيانات والإحصاءات، نتيجة تعذر المسوحات الميدانية وتغير الخارطة الديموغرافية للطلاب، فضلا عن تذبذب أسعار الصرف الذي يجعل تقييم الخسائر بالعملة المحلية مفارقا للواقع.
بيئة ضاغطة
وقالت إن الحديث عن «مليارات الدولارات» يمثل تقديرا تحليليا مرنا في ظل غياب بيانات نهائية، مستحضرة تقديرات رسمية نقلتها وكالة رويترز أشارت إلى أن تكلفة إعادة إعمار البنية التحتية الشاملة في السودان قد تتجاوز تريليون دولار، بما يعكس ضخامة التحديات الاقتصادية التي ستواجه البلاد بعد الحرب.
عجز الخزينة
من جانبه، قال الخبير الاقتصادي أبوبكر التيجاني لـ«الغد السوداني» إن حجم الدمار الذي لحق بالبنية التحتية التعليمية ضخم للغاية، وإن تكلفة إعادة الإعمار ستكون باهظة في وقت تعاني فيه الخزينة العامة من شح الأرصدة والسيولة، نتيجة توجيه الإنفاق العام بدرجة كبيرة إلى متطلبات الحرب.
واستبعد التيجاني إمكانية ترميم هذا الدمار في وقت وجيز، مشيرا إلى أن إعادة بناء قطاع التعليم ستحتاج إلى موارد ضخمة وخطط طويلة المدى.
ضغوط تضخمية
وحذر الخبير الاقتصادي، في حديثه لـ«الغد السوداني»، من أن موجات التضخم وانخفاض قيمة العملة الوطنية ستتسبب في ارتفاع الرسوم الدراسية وأسعار الكتب وتكاليف المواصلات، بما قد يعجز معه كثير من أولياء الأمور عن إلحاق أبنائهم بالتعليم، ويدفع نحو اتساع رقعة الفاقد التربوي.
نزيف المعلمين
وقال أبوبكر التيجاني لـ«الغد السوداني» إن الأزمة تتجاوز تدمير المنشآت إلى فقدان المعلمين المؤهلين بفعل الهجرة الواسعة التي فرضها تآكل الرواتب وتدهور الظروف المعيشية.
وأكد أن الانكماش المستمر في الإنفاق الحكومي على التعليم يهدد بحرمان الأجيال المقبلة من فرصها الكاملة في التأهيل، ويعمق الفجوة بين احتياجات سوق العمل ومخرجات المؤسسات التعليمية.
اختلال سوق العمل
ونبه التيجاني، في إفادة لـ«الغد السوداني»، إلى التداعيات الخطيرة للأزمة على مستقبل سوق العمل، موضحا أن تراجع جودة المخرجات التعليمية قد يدفع أصحاب الأعمال مستقبلا إلى الاعتماد على عمالة خارجية لسد النقص في بعض التخصصات.
وقال إن ذلك قد يشكل تهديدا للاقتصاد عبر تسريب جزء من العوائد إلى الخارج، وتعميق تدني مستوى المعيشة، وعرقلة أي خطط لزيادة الناتج المحلي الإجمالي.
تدارك الموقف
وشدد الخبير الاقتصادي على أن الخروج من الأزمة يتطلب، بحسب حديثه لـ«الغد السوداني»، إجراءات عاجلة تشمل كبح التضخم، ورفع أجور المعلمين، وزيادة الإنفاق العام على التعليم.
وأشار إلى أن استعادة قطاعي التعليم والصحة تمثل جوهر التنمية البشرية، لأنها تمنح الفرد خيارات أوسع في سوق العمل، بدلا من انحصاره في الأعمال البسيطة نتيجة ضعف التأهيل.
حلول استثمارية
واقترح أبوبكر التيجاني، في حديثه لـ«الغد السوداني»، مخرجا ماليا واستثماريا للأزمة، داعيا الدولة إلى الاستفادة من جزء من مواردها المتاحة، مثل البترول أو الذهب أو الأراضي الزراعية، كضمان لتمويل خارجي كبير يخصص بصورة حصرية لإعادة تأهيل قطاعي التعليم والصحة.
واعتبر أن الاستثمار في القطاعين يمثل أولوية لإعادة بناء رأس المال البشري واستعادة قدرة الاقتصاد على النمو بعد الحرب.
إنقاذ المستقبل
يضع انهيار التعليم السودان أمام أزمة تتجاوز الحاضر إلى مستقبل الاقتصاد وسوق العمل. فإعادة بناء المدارس والجامعات لن تكون كافية وحدها إذا لم تتزامن مع استعادة المعلمين والباحثين والكوادر الأكاديمية، ومعالجة الفاقد التعليمي وتوفير بيئة آمنة ومستقرة للتعلم.
فالأمم لا تنهض من ركام الحروب بالإسفلت والأحجار وحدها، بل بالعقول التي تتولى إعادة بناء مؤسساتها واقتصادها ومستقبلها.
