
هل تنقذ مدرسة ما بعد الحرب مستقبل السودان؟ دروس من رواندا وجنوب أفريقيا
بقلم/ سامي الباقر
- كلمة و«غطايتا»
الحرب لا تخلّف ركاماً في الشوارع وحدها.
بعض أخطر أنقاضها تستقر في عقول الأطفال، وفي دفاتر انقطعت صفحاتها، وفي مدارس أُغلقت أو تحولت إلى ملاجئ وثكنات، وفي معلمين فرّقتهم الحرب بين النزوح والفقر والبحث عن وسيلة للبقاء.
لهذا فإن القيمة الحقيقية للتاريخ لا تكمن في التوثيق البكائي للكوارث، ولا في تحويل المآسي إلى إقامة دائمة في الماضي.
قيمة التجربة تبدأ حين تقرر الشعوب أن تسأل: ماذا فعلت بنا الكارثة؟
وماذا سنفعل نحن بعدها؟
الحروب الأهلية والإبادات الجماعية تضع الأمم أمام امتحان قاسٍ. فهناك مجتمعات يطول بها الوقوف أمام الحطام، وأخرى تقرر أن تجعل من الحطام نفسه مادة لبناء مستقبل مختلف.
ومن أكثر الأسئلة إلحاحاً في السودان اليوم: هل يمكن للتعليم أن يكون أحد الجسور التي نعبر بها من هذه الحرب؟
يُنسب إلى نيلسون مانديلا قوله: «التعليم هو أقوى سلاح يمكنك استخدامه لتغيير العالم».
وقد أثبتت تجارب الشعوب الخارجة من النزاعات أن هذه العبارة ليست حكمة جميلة فحسب، فالتعليم كان، في كثير من الحالات، جزءاً من إعادة بناء المجتمع، واستعادة الثقة، وإصلاح الذاكرة العامة.
رواندا: حين أعادت دولة مدمرة النظر في ما يُعلَّم لأطفالها
في عام ١٩٩٤م شهدت رواندا واحدة من أبشع الإبادات الجماعية في التاريخ الحديث.
خلال نحو مائة يوم قُتل أكثر من مليون إنسان وفق تقديرات تتبناها مؤسسات رواندية ودولية، وخرج المجتمع من الكارثة مثقلاً بالقتل والنزوح والصدمة وانهيار الثقة بين الناس.
وكان التعليم نفسه جزءاً من الأسئلة الكبرى التي طرحتها رواندا على نفسها، لأن النظام التعليمي السابق لم يكن منفصلاً عن تاريخ التمييز والانقسام. وتوثق اليونسكو كيف استُخدمت المدرسة والمناهج، عبر عقود، في تكريس تصورات الانقسام والتمييز، قبل أن يصبح إصلاح التعليم جزءاً من مشروع إعادة بناء المجتمع.
ولهذا لم يكن الطريق مجرد إعادة فتح المدارس.
بدأت رواندا بإعادة التفكير في المحتوى والوظيفة:
- ما الذي ينبغي أن يتعلمه الطفل بعد الإبادة؟
- كيف يُدرَّس التاريخ من دون إنكار للمأساة أو تحويل الذاكرة إلى وقود لكراهية جديدة؟
- وكيف تصبح المدرسة مساحة للمواطنة والسلام؟
وضعت البلاد التعليم في قلب مشروعها للتعافي، وعملت على إعادة بناء البنية التعليمية، وتأهيل المعلمين، ومراجعة المناهج، وتعزيز قيم الوحدة والسلام. كما توسع التعليم الأساسي المجاني من ست سنوات إلى تسع سنوات في ٢٠٠٧م، ضمن مسار أطول جعل التعليم أحد محركات إعادة الإعمار والتنمية.
وتظهر الأرقام حجم المسافة التي قطعتها التجربة، مع بقاء تحديات حقيقية، فقد ارتفع مسار إكمال التعليم الابتدائي بصورة كبيرة مقارنة بما بعد الإبادة، وتقدر اليونسكو أن نحو ٨١٪ يكملون المرحلة الابتدائية في النهاية إذا احتُسب المتعلمون الذين يكملونها في سن متأخرة.
أما اقتصادياً، فقد سجلت رواندا في عام ٢٠٢٤م نمواً قدره ٨٫٩٪، وبلغ ناتجها المحلي الإجمالي بالأسعار الجارية ١٨٬٧٨٥ مليار فرنك رواندي، في دولة خرجت من كارثة كان السؤال فيها عام ١٩٩٤م متعلقاً أولاً بإمكان البقاء نفسه.
ولا يعني ذلك أن رواندا أصبحت مدينة فاضلة، أو أن جراحها اختفت.
فالذاكرة ما زالت حاضرة، وتحديات الحرية السياسية والعدالة والآثار الاجتماعية للإبادة ما زالت موضوعاً للنقاش.
لكن الدرس الأهم هو أن الدولة لم تسمح للكارثة بأن تتحول إلى منهج دائم للمستقبل.
واجهت الماضي، ثم جعلت من التعليم إحدى أدوات منع تكراره.
من مدرسة الفصل العنصري إلى مدرسة المواطنة
أما جنوب أفريقيا، فقد دخلت عام ١٩٩٤م وهي تحمل إرثاً ثقيلاً من نظام الفصل العنصري الذي لم يكتف بتقسيم الأرض والحقوق؛ بل قسم المدرسة نفسها.
كان النظام التعليمي موزعاً على إدارات متعددة وفق العرق والجغرافيا والأيديولوجيا، وكانت المناهج والموارد التعليمية جزءاً من نظام أوسع يحدد مسبقاً الموقع الاجتماعي والاقتصادي والسياسي الذي يُراد لكل طفل أن يشغله.
جاء الانتقال الديمقراطي بقيادة نيلسون مانديلا في لحظة كان فيها الانتقام ممكناً، والانقسام عميقاً، والذاكرة مثقلة بالدم والتمييز.
لكن جنوب أفريقيا اختارت طريقاً آخر: الحقيقة والمصالحة، مع إعادة بناء مؤسسات الدولة.
أُنشئت لجنة الحقيقة والمصالحة بموجب قانون الوحدة الوطنية والمصالحة لعام ١٩٩٥م، في محاولة لتوثيق الانتهاكات ومواجهة الماضي وفتح طريق وطني نحو المصالحة.
وفي التعليم، بدأت عملية إزالة البنية المنهجية الموروثة من الفصل العنصري، وتوحيد النظام التعليمي، وإعادة توزيع الموارد. وتشير الوثائق الرسمية إلى أن التمويل العام للمدارس شهد بين أواخر التسعينيات وبداية الألفية تحويلاً كبيراً في الموارد باتجاه المدارس التي حُرمت تاريخياً، حتى اقترب التمويل الحكومي السنوي لكل تلميذ من التساوي بحلول عام ٢٠٠٣م، بعد تفاوت كان لصالح المدارس البيضاء يصل إلى نحو خمسة مقابل واحد.
كما وضعت المناهج الجديدة مبادئ حقوق الإنسان والعدالة الاجتماعية والمواطنة والتنوع في صلب أهدافها التعليمية.
ومع ذلك، فإن التجربة الجنوب أفريقية نفسها تقدم درساً في ضرورة الحذر من الاحتفال المبكر.
فما زالت البلاد تعاني من تفاوت شديد، ومن أزمات في جودة التعليم والبطالة وعدم المساواة. ويشير البنك الدولي إلى أن نحو ٨٠٪ من تلاميذ الصف الرابع لم يكونوا قادرين على فهم ما يقرؤونه بصورة مناسبة في تقييم عام ٢٠٢١م.
وهذه نقطة مهمة.
النجاح لا يعني أن المشكلات انتهت.
النجاح أحياناً يعني أن الدولة انتقلت من نظام يجعل التمييز سياسة رسمية إلى نظام يعترف بالمشكلة ويسعى، رغم العثرات، إلى إصلاحها..
والسودان؟
هنا يصبح السؤال أكثر إلحاحاً.
السودان اليوم يعيش حرباً أحدثت واحدة من أكبر أزمات التعليم في العالم. ووفق أحدث بيانات اليونيسف، ما زال أكثر من ٨ ملايين طفل في سن الدراسة خارج المدرسة، بينما أُغلقت أكثر من ثلث المدارس، وتُستخدم نسبة أخرى كملاجئ أو يُبلّغ عن احتلالها من أطراف النزاع، بما يجعل قرابة نصف المباني المدرسية خارج وظيفتها الأصلية كأماكن للتعليم.
إحصاءات مخيفة
ثمانية ملايين طفل خارج المدرسة تعني ملايين الساعات الضائعة من التعلم. وتعني أطفالاً ينشأون في بيئة نزوح وفقر وعنف، مع ارتفاع مخاطر التجنيد والاستغلال والزواج المبكر والعنف. كما تعني مجتمعاً يدفع ثمن الحرب اليوم، وقد يدفع ثمنها مرة أخرى بعد سنوات طويلة.
وقبل الحرب الحالية كان السودان يعاني أصلاً من أزمة تعليمية كبيرة، إذ كانت ملايين الأطفال خارج المدرسة حتى قبل أبريل ٢٠٢٣م. جاءت الحرب لتضرب نظاماً منهكاً، وتفتح فوق جراحه جراحاً جديدة.
ومن هنا فإن إعادة فتح مدرسة مدمرة، رغم أهميتها، لن تكون وحدها كافية.
السؤال سيكون أكبر: أي تعليم نريد بعد الحرب؟
هل نعيد إنتاج المناهج والخطاب والسياسات التي فشلت في حماية المجتمع من الانقسام؟
هل نسمح بتحويل المدرسة إلى مساحة للصراع السياسي والعسكري؟
هل نترك الأطفال يتلقون تعليماً مختلفاً تبعاً لمناطق السيطرة وتعدد السلطات؟
أم نعيد بناء مدرسة سودانية موحدة، يكون فيها التعليم حقاً، والمعلم جزءاً أساسياً من عملية التعافي، والمناهج مساحة للمواطنة وحقوق الإنسان والسلام والتعدد؟
إن الدرس الرواندي يقول إن المجتمع الذي مر بالعنف يحتاج إلى شجاعة في مراجعة ما يُعلَّم لأطفاله.
والدرس الجنوب أفريقي يقول إن المصالحة تحتاج إلى مؤسسات، وأن العدالة لا تتحقق بمجرد تغيير السلطة، وإنما بتغيير السياسات وإعادة توزيع الفرص والموارد.
أما الدرس السوداني الذي يجب أن نتعلمه، قبل أن يكتبه غيرنا بعد سنوات، فهو أن الحرب لا ينبغي أن تتحول إلى مؤسسة دائمة داخل عقول الأطفال.
من الركام إلى الحرف
السودان لا يحتاج بعد الحرب إلى ترميم الجدران وحدها.
يحتاج إلى ترميم العلاقة بين الطفل والمدرسة.
بين المعلم والدولة.
بين المجتمع وذاكرته.
يحتاج إلى مشروع تعليمي وطني يبدأ من وقف الحرب، ويحمي وحدة القرار التعليمي، ويعيد بناء المدارس، ويعيد للمعلم كرامته المادية والمهنية، ويمنع المناهج من أن تصبح ساحة لنقل الكراهية أو خدمة أي سلطة سياسية أو عسكرية.
التعليم ليس مشروعاً مؤجلاً إلى ما بعد التعافي.
إنه جزء من صناعة التعافي نفسه.
وربما يكون السؤال الذي يجب أن نطرحه منذ الآن: ماذا سنترك للأطفال بعد أن تتوقف البنادق؟
ركاماً آخر؟
أم مدرسة؟
خطاب كراهية؟
أم معرفة؟
ذاكرة انتقام؟
أم ذاكرة تتعلم من المأساة حتى لا تكررها؟
لقد خرجت رواندا من الإبادة وهي تحمل سؤال البقاء، وخرجت جنوب أفريقيا من الفصل العنصري وهي تحمل سؤال العدالة والمصالحة.
والسودان، وهو يعيش هذه الحرب، يجب أن يبدأ من الآن في صياغة سؤاله:
كيف نمنع الحرب من أن تسرق مستقبل أطفالنا بعد أن سرقت حاضرهم؟
تلك هي المعركة الحقيقية التي تنتظرنا.
فالأوطان لا تُبنى بعد الحروب بإزالة الركام من الشوارع فقط.
هناك ركام آخر يجب إزالته من العقول، وهناك مستقبل يجب أن يبدأ بحرف.
