26 ألف مدرسة عادت؟ أرقام التعليم السوداني تصطدم بواقع مدارس تحولت إلى ثكنات وملاجئ

الخرطوم/ الغد السوداني ـ بينما تقول وزارة التعليم والتربية الوطنية إن 26 ألف مدرسة من أصل نحو 29 ألفاً عادت إلى الدراسة، تقدم لجنة المعلمين السودانيين صورة مختلفة تماماً: مدارس دمرتها الحرب، وأخرى تحولت إلى ثكنات عسكرية، فيما أصبحت مدارس أخرى ملاجئ للنازحين، ووجد ملايين الأطفال أنفسهم خارج الفصول.

التباين لا يتعلق بمجرد أرقام متضاربة، بل بسؤال أكبر: هل تعكس البيانات الرسمية حقيقة التعليم في السودان بعد أكثر من ثلاث سنوات من الحرب؟

في 2 أيلول/سبتمبر الحالي، قال وزير التعليم والتربية الوطنية، التهامي الزين حجر، إن قطاع التعليم يضم أكثر من 8 ملايين طالب ونحو 29 ألف مدرسة، مؤكداً عودة 26 ألف مدرسة إلى الدراسة، بالتزامن مع الاستعداد للعام الدراسي الجديد.

لكن لجنة المعلمين السودانيين شككت، في إفادات لـ«الغد السوداني»، في دقة هذه الأرقام، معتبرة أن الحديث عن توقف نحو 3 آلاف مدرسة فقط لا يتطابق مع المعطيات الواردة من مناطق الحرب والنزوح.

مدرسة تعمل على الورق.. وفصل غائب على الأرض

تقول اللجنة إن واقع المدارس يختلف بصورة حادة بين الولايات، خصوصاً في دارفور وكردفان والنيل الأزرق وأجزاء من الخرطوم، حيث أدى القتال والنزوح إلى تعطيل مؤسسات تعليمية واسعة.

وتشير بيانات اليونيسف إلى أن 13,005 مدارس كانت قد عادت للعمل من أصل 19,395 مدرسة كانت تعمل بنهاية عام 2025، أي نحو 67 في المئة، بينما ظلت 1,928 مدرسة مستخدمة كملاجئ للنازحين أو محتلة من جماعات مسلحة.

وهنا تظهر الفجوة بين مفهوم «عودة المدرسة» ومفهوم «عودة التعليم». فالمدرسة التي فتحت أبوابها جزئياً، أو فقدت جزءاً من مبناها، أو تعمل وسط نقص حاد في المعلمين والطلاب، لا تعني بالضرورة أن العملية التعليمية عادت إلى طبيعتها.

في مناطق القتال.. المدرسة لم تعد مدرسة

الحرب لم تضرب التعليم عبر تدمير المباني فقط. بحسب لجنة المعلمين السودانيين، تعرضت مدارس في مناطق القتال للدمار، بينما تحولت أخرى إلى ثكنات عسكرية، واستخدمت مدارس في المناطق التي استقبلت موجات نزوح كمراكز إيواء، ما أدى إلى تعطيل الدراسة.

وفي أيار/مايو 2026، قالت اليونيسف إن نحو نصف مباني المدارس في السودان لم تعد تعمل كفصول دراسية، وإن أكثر من 8 ملايين طفل ظلوا خارج المدرسة، مع تركز التأثير الأشد في دارفور وكردفان.

وتكشف الأرقام عن تفاوت يصعب اختزاله في رقم وطني واحد.

ففي شمال دارفور، كانت 54 مدرسة فقط من أصل 1,118 مدرسة تعمل في تشرين الأول/أكتوبر 2025، أي أقل من 5 في المئة، وفق بيانات اليونيسف. وفي غرب دارفور كانت 180 مدرسة فقط من أصل 444 تعمل، مقابل 383 من أصل 453 في شرق دارفور.

أرقام المحافظات تكشف حجم الفجوة

تقول لجنة المعلمين السودانيين إن تقديراتها لعدد المدارس قبل الحرب كانت تتراوح بين 21 و22 ألف مدرسة، وتشير إلى أن الخرطوم وحدها كانت تضم 2,380 مدرسة حكومية.

وفي ولايات دارفور الخمس، تشير أرقام اللجنة إلى وجود 4,901 مدرسة، بينما تضم جنوب وغرب كردفان 1,958 مدرسة، ويرتفع العدد إلى أكثر من 8,500 مدرسة عند إضافة شمال كردفان.

وتضع هذه الأرقام المناطق الأكثر تضرراً من الحرب في قلب أزمة التعليم، لا على هامشها.

فالولايات التي تضم آلاف المدارس هي نفسها التي شهدت نزوحاً واسعاً وقتالاً متواصلاً وتدميراً للبنية التحتية، ما يجعل إعلان رقم إجمالي للمدارس «العاملة» غير كافٍ وحده لقياس عودة التعليم.

ما الذي تخفيه خانة «مدرسة عاملة»؟

المشكلة الأساسية، بحسب لجنة المعلمين، هي غياب قاعدة بيانات وطنية تفصيلية ومحدثة توضح ماذا يعني أن تكون المدرسة «عاملة».

وتطالب اللجنة الوزارة بالكشف عن عدد المدارس التي تعمل بصورة كاملة، والمدارس التي تعمل جزئياً، والمدارس المغلقة أو المتضررة، وتلك المستخدمة كمراكز إيواء، مع توزيع البيانات حسب الولايات والمحليات.

من دون هذه التفاصيل، يصبح الرقم الإجمالي قابلاً لأن يخفي فروقاً هائلة بين ولاية وأخرى، بل وبين محلية وأخرى. مدرسة مفتوحة في الخرطوم لا تعني بالضرورة مدرسة مفتوحة في شمال دارفور.

الحرب غيّرت وظيفة المدرسة

لم يعد الضرر محصوراً في الجدران. الطالب نزح، والمعلم نزح أو هاجر أو ترك المهنة، والراتب تأخر، والامتحان تأجل، والوصول إلى مراكز الجلوس أصبح محفوفاً بالمخاطر.

وتقول لجنة المعلمين السودانيين إن نقص المعلمين تفاقم بسبب النزوح والهجرة وترك المهنة، بالتزامن مع تأخر صرف المرتبات وتراكم المستحقات المالية.

وفي مناطق الحرب، يمكن أن تصبح المدرسة في يوم واحد فصلاً دراسياً، ثم ملجأً للنازحين، ثم مبنى مهجوراً، أو موقعاً عسكرياً. وهنا تكمن المفارقة الأكبر: قد يكون المبنى موجوداً، لكن التعليم غائب.

أزمة لا تحلها إعادة فتح الأبواب

محاولة سد النقص في المعلمين عبر الاستفادة من طاقات الخدمة الوطنية، كما أعلن وزير التعليم، قد تعالج جزءاً من أزمة الكوادر، لكنها لا تجيب عن أسئلة البيئة الآمنة، وانتظام الرواتب، وعودة الطلاب النازحين، وإصلاح المدارس المتضررة.

فالعودة الحقيقية إلى التعليم لا تبدأ بإحصاء عدد الأبواب التي فتحت، وإنما بقياس عدد الأطفال الذين عادوا إلى مقاعدهم، وعدد المعلمين الموجودين، وعدد المدارس الصالحة فعلياً للتدريس.

وبينما تستعد السلطات للعام الدراسي الجديد، يبقى السؤال الأكثر إلحاحاً: كم مدرسة عادت فعلاً إلى التعليم، وكم مدرسة عادت فقط إلى قوائم الإحصاء؟