الذكاء الاصطناعي ومأزق الصحافة الرياضية
الممشى العريض
خالد ابو شيبة يكتب..
أضحت الصحافة للأسف الشديد مهنة من لا مهنة له وأصبح بمقدور أي شخص أن يطلق على نفسه صفة «صحفي» وأن يكتب مقالاً كل يوم ثم يوهم القارئ بأنه كاتب صحفي جهبوذ ومتمرس قبل أن يتوهم هو نفسه الدور ويصدقه!
وهذا بالضبط ما نشاهده الآن في الفضاء المفتوح والمفضوح غثاء كثير وأسماء أكثر ونصوص تفتقر في كثير من الأحيان إلى أبسط مقومات الكتابة الصحفية. ولكل ذي بصيرة أن يكتشف بسهولة الفارق بين النص الذي خرج من عقل صحفي يعرف ماذا يريد أن يقول والنص الذي أنجزته الآلة ثم ارتدى صاحبه بكل “قوة عين” ثوب الكاتب.
المشكلة ليست في الذكاء الاصطناعي نفسه فهو تقنية مهمة ونافعة ولا يمكن للصحافة الحديثة أن تتجاهله المشكلة في الصحفي الذي يتنازل للآلة عن أهم ما يملك فكرته وشخصيته ورؤيته وخبرته.
الصحفي الحقيقي يستطيع أن يستفيد من الذكاء الاصطناعي في البحث وترتيب المعلومات والتدقيق وتحسين بعض الصياغات واقتراح الزوايا والأسئلة وربما مساعدته في الوصول إلى معلومات يحتاجها لبناء مادته. لكن أن يجلس أمام الشاشة ويطلب من الآلة أن تفكر نيابة عنه وأن تحلل نيابة عنه وأن تكتب رأيه نيابة عنه ثم يضع اسمه في النهاية ويقدم نفسه للناس باعتباره كاتباً فهذه ليست صحافة وإنما إحتيال وغش واستئجار لعقل لا يملكه صاحبه!
والأكثر إيلاماً أن بعض الزملاء الذين تدرجوا فعلاً في المهنة ومارسوها بكل أشكالها “الحوار والخبر والتحقيق والتحليل وكتابة الرأي” أصبحوا يعتمدون بصورة مبالغ فيها على الذكاء الاصطناعي. فجاءت بعض كتاباتهم باردة فطيرة مشوهة مملوءة بالفراغات خالية من الروح مهما بدت لغتها منمقة ومزخرفة.
فالكتابة الصحفية ليست تجميعاً لعبارات سليمة نحوياً وليست سباقاً في استخدام المفردات الكبيرة. الكتابة كما عرفها لنا الأستاذ العظيم “ماهر العبيد” ونحن في بداياتنا بكلية الإعلام موقف وفكرة وتجربة ووعي وقدرة على الإمساك بتفاصيل المشهد ثم تقديمها للقارئ من زاوية تخص الكاتب وحده.
الآلة تستطيع أن تكتب نصاً جيداً لكنها لا تستطيع أن تمنح صاحب النص تجربة عاشها ولم يعشها ولا موقفاً اتخذه ولم يتخذه ولا رأياً يؤمن به ولم يؤمن به.
وفي الصحافة الرياضية تحديداً تبدو المشكلة أكثر وضوحاً فالرياضة السودانية بامراضها المستعصية ومشاكلها التي لا تعد ولا تحصى لا تحتاج بالطبع إلى منظراتية وإنما تحتاج إلى صحفي يعرف اللعبة ويقرأ المشهد ويفهم المؤسسات ويعرف تاريخ الأندية ويستطيع أن يميز بين الخبر والشائعة وبين النقد والتجريح وبين المعلومة والدعاية.
الأخطر من ذلك أن الذين يمارسون النفاق والخداع والتضليل بتصوير أنفسهم ككتاب وصحفيين يحسبون في النهاية على قبيلة الإعلام فعندما يكتب أحدهم مادة ضعيفة أو يطلق معلومات مضللة أو يهاجم شخصاً بلا دليل لايسأل الناس عن مؤهلاته أو تاريخه المهني وإنما يقولون “هكذا هم الصحفيون”
المتطفل على المهنة يسيء إلى كل الصحافيين ويمنح الإداريين والمشجعين وأصحاب العاهات وكل “منفسن” لا يرتاح إلا بمهاجمة الصحافيين يمنحهم ذريعة جاهزة للاساءة لأصحاب الأقلام الحرة وتحميلهم مسؤولية كل أزمة تعاني منها الأندية والمنتخبات الوطنية.
ويبقى السؤال من يحمي الصحافة الرياضية من هؤلاء “الزرانيخ” الذين دخلوا إليها بلا موهبة ولا أدوات ولا تجربة ثم وجدوا في الذكاء الاصطناعي حصاناً يمتطونه لتشويه صورة الصحافيين والصحافة قبل تحقيق أهدافهم الخبيثة؟
