خارج خنادق الحرب ..الحوار السوداني.. هل نبحث عن السلام أم عن شرعية

نادية السر على تكتب ..

في السودان، أصبحنا نسمع كلمة «الحوار» كثيراً، حتى كادت تفقد معناها.

كلما اشتدت الحرب، عاد الحديث عن الحوار. وكلما تعقدت الأزمة، ظهرت مبادرة جديدة. لكن السؤال الذي يجب أن نطرحه اليوم ليس: هل نحن مع الحوار أم ضده؟

السؤال الحقيقي هو:

أي حوار نريد؟ ومن يملك حق تحديد أجندته؟ وإلى أين يقودنا؟

هذه الأسئلة أصبحت أكثر إلحاحاً بعد الدعوة التي أطلقها قائد الجيش عبد الفتاح البرهان إلى ما سُمّي بـ«الحوار السوداني-السوداني»، والتي تضمنت حديثاً عن ضمانات للمشاركين وتهيئة مناخ للحوار.

وفي المقابل، اجتمعت قوى سياسية ومدنية سودانية في أديس أبابا يومي 22 و23 أغسطس، وأعلنت رفضها لهذه الصيغة، وطرحت تصوراً لعملية سلام تقوم على مسارات متوازية: إنساني، ووقف لإطلاق النار، وسياسي.

لا أحد يرفض السلام

من المهم هنا أن نفرق بين رفض الحوار ورفض حوار بعينه.

السودانيون ليسوا بحاجة إلى من يقنعهم بأهمية السلام. السودان دفع ثمناً يفوق قدرة أي شعب على الاحتمال.

لكن السلام لا يبدأ من قاعة مؤتمر.

السلام يبدأ من الاعتراف بأن الحرب نفسها هي المشكلة، وأن أي عملية سياسية لا تضع وقف الحرب وحماية المدنيين في مقدمة أولوياتها ستظل تدور حول السلطة، لا حول السودان.

ولهذا فإن السؤال ليس لماذا ترفض بعض القوى المدنية مبادرة الحوار الحالية، وإنما:

هل تستطيع هذه المبادرة أن تكون عملية سلام حقيقية، مستقلة ومتوازنة، أم أنها قد تتحول إلى منصة سياسية تمنح شرعية جديدة لواقع صنعته الحرب؟

وهنا تكمن المشكلة.

الحوار من داخل مناطق الحرب

عندما يُطرح حوار سياسي من داخل مناطق يسيطر عليها أحد طرفي الحرب، يصبح من الطبيعي أن تُطرح أسئلة حول حياد المكان والعملية والضمانات.

فالحوار الوطني الحقيقي لا ينبغي أن يكون امتداداً للمعركة السياسية أو العسكرية.

ولا يمكن أن يكون المنتصر عسكرياً هو نفسه من يحدد شكل الحوار، ومن يختار المشاركين، ومن يضع أجندته، ثم يطلب من الآخرين الدخول إليه باعتباره الطريق الوحيد للخروج من الأزمة.

السلام يحتاج إلى مسافة من البندقية.

وهذه المسافة لا تعني مساواة أخلاقية أو سياسية بين كل الأطراف، ولا تعني تجاهل الجرائم والانتهاكات، وإنما تعني أن عملية صناعة السلام يجب أن تكون أكبر من إرادة أي طرف مسلح.

السودان ليس جيشاً ولا دعماً سريعاً

أكبر خطأ يمكن أن نرتكبه هو اختزال السودان في طرفين مسلحين.

السودان أكبر من الجيش.

وأكبر من الدعم السريع.

وأكبر من القوى السياسية التي تحاول استعادة نفوذها من خلال الحرب.

وأكبر من الإسلاميين الذين يريدون إعادة عقارب الساعة إلى ما قبل ثورة ديسمبر.

وأكبر أيضاً من أي تحالف مدني يريد أن يتحدث باسم السودانيين دون أن يسمع أصواتهم.

السودان هو ملايين المدنيين الذين نزحوا من بيوتهم.

هو النساء اللاتي فقدن أبناءهن.

هو الأطفال الذين ولدوا في زمن الحرب.

هو المزارع الذي فقد أرضه.

هو الموظف الذي انهار راتبه.

هو الشاب الذي فقد مستقبله.

وهو المواطن الذي يريد ببساطة أن يعيش في دولة تحترم كرامته وحقوقه.

هؤلاء هم أصحاب المصلحة الحقيقيون في السلام.

لا نريد سلاماً يعيد إنتاج الأزمة

السؤال الأخطر في هذه المرحلة هو: ماذا سيحدث بعد توقف الحرب؟

إذا كان الجواب هو إعادة إنتاج النظام القديم بصورة جديدة، فقد أوقفنا القتال ولم نوقف الأزمة.

إذا كان الهدف هو إعادة توزيع السلطة بين العسكريين وبعض النخب السياسية، فإننا لم نتعلم شيئاً من ثورة ديسمبر.

وإذا كانت الحرب ستستخدم لتصفية الحسابات مع القوى المدنية، أو لإعادة الإسلاميين إلى واجهة الدولة، أو لإلغاء أي دور سياسي للقوى التي شاركت في الثورة، فإن السلام نفسه سيتحول إلى مقدمة لحرب جديدة.

لذلك فإن السلام الذي نريده يجب أن يكون سلاماً يؤسس لدولة جديدة، لا هدنة تؤجل الانفجار القادم.

وماذا عن القوى المدنية؟

هنا أعتقد أن المسؤولية تقع أيضاً على القوى المدنية.

رفض مبادرة البرهان وحده لا يكفي.

والتحذير من مخاطرها لا يكفي.

والاجتماع في الخارج وإصدار البيانات لا يكفي.

القوى المدنية مطالبة بأن تقدم للسودانيين بديلاً واضحاً ومقنعاً.

خطة تقول:

كيف نوقف الحرب؟

كيف نحمي المدنيين؟

كيف نوصل المساعدات؟

كيف نتعامل مع الجرائم والانتهاكات؟

كيف نبدأ عملية العدالة الانتقالية؟

كيف نعيد بناء مؤسسات الدولة؟

كيف نتعامل مع الجيش والدعم السريع وبقية التشكيلات المسلحة؟

وكيف نضمن ألا تعود البلاد مرة أخرى إلى حكم عسكري أو إلى دولة يسيطر عليها حزب واحد أو جماعة أيديولوجية؟

هذه هي الأسئلة التي ينتظر السودانيون إجابات عنها.

السلام ليس محاصصة

نحن بحاجة إلى تغيير طريقة تفكيرنا.

لم يعد مقبولاً أن يكون الهدف من أي حوار هو:

من سيأخذ كم مقعداً؟

ومن سيصبح وزيراً؟

ومن سيكون في مجلس السيادة؟

ومن سيحصل على السلطة؟

هذه ليست أسئلة السلام.

هذه أسئلة تقاسم السلطة.

أما السلام الحقيقي فيبدأ بسؤال مختلف:

كيف نبني دولة لا يحتاج فيها أي طرف إلى حمل السلاح لكي يحصل على حقه؟

لا للحوار الذي تفرضه البندقية… ولا للسلام الذي تفرضه البنادق

أنا مع الحوار.

لكنني مع حوار متكافئ، شامل، مستقل، وشفاف.

أنا مع السلام.

لكنني مع سلام يوقف قتل السودانيين ويؤسس للعدالة والدولة المدنية.

أنا مع مشاركة الجميع في صناعة مستقبل السودان، لكنني ضد أن تتحول المشاركة إلى غطاء لإعادة إنتاج منطق التمكين أو شرعنة الجرائم أو مكافأة من استخدم السلاح للاستيلاء على الدولة.

والسودانيون لا يحتاجون إلى مؤتمر آخر تُكتب فيه وثيقة جميلة ثم تُدفن في الأدراج.

نحتاج إلى عملية سياسية حقيقية، تبدأ من وقف الحرب، وتضع المدنيين في قلبها، وتفتح الطريق أمام دولة مدنية ديمقراطية، وتؤسس للعدالة والمحاسبة، وتمنع إعادة إنتاج أسباب الحرب.

لقد جرب السودان طويلاً حكم البندقية.

وجرب حكم الحزب الواحد.

وجرب دولة التمكين.

وجرب الانقلابات.

ثم جاءت ثورة ديسمبر لتقول بوضوح:

حرية، سلام، وعدالة.

واليوم، بعد كل هذا الدم، لا يجوز أن يكون أقصى ما نطمح إليه هو العودة إلى نقطة ما قبل 15 أبريل.

نحن لا نريد فقط أن تتوقف الحرب.

نريد أن تتوقف الأسباب التي جعلت الحرب ممكنة.

وهذا هو الفرق بين حوار يبحث عن تسوية سياسية، وحوار يبحث عن سلام حقيقي.

والسودان اليوم يحتاج الثاني، لا الأول.