بحيرة أونتاريو.. مسطح مائي أقدم من كندا وأميركا يدخل فجأة في صراع ترامب وكارني

سهام صالح

صحفية سودانية

من اسم يعود إلى شعوب أصلية قبل أكثر من أربعة قرون، إلى «بحيرة أمريكا» بقرار رئاسي أميركي.. كيف تحولت إحدى البحيرات العظمى إلى ساحة جديدة للخلاف بين واشنطن وأوتاوا؟

على امتداد الحدود بين كندا والولايات المتحدة، تبدو بحيرة أونتاريو للوهلة الأولى مجرد واحدة من البحيرات العظمى في أميركا الشمالية. لكن خلف هذا المسطح المائي الهائل قصة تتجاوز الجغرافيا؛ فهي قصة شعوب أصلية، واستكشاف أوروبي، وحدود دولية، ومدن كبرى، وممر تجاري حيوي، وصولاً إلى خلاف سياسي جديد حول اسمها.

فالاسم الذي أطلق على البحيرة قبل قرون، وقبل أن تتشكل كندا والولايات المتحدة بصورتهما الحالية، وجد نفسه هذا الأسبوع في قلب مواجهة بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب ورئيس الوزراء الكندي مارك كارني.

ترامب وقع، الخميس، أمراً تنفيذياً يوجه الحكومة الأميركية إلى إعادة تسمية بحيرة أونتاريو باسم «بحيرة أمريكا» في الاستخدام الرسمي الأميركي، في خطوة تأتي وسط توتر متصاعد في العلاقات بين البلدين.

لكن كارني لم يتعامل مع الاسم الجديد باعتباره تغييراً واقعياً، بل رد بأن البحيرة ستظل بالنسبة إلى الكنديين «بحيرة أونتاريو»؛ في الماضي والحاضر والمستقبل.

واحدة من البحيرات العظمى

تقع بحيرة أونتاريو في أقصى شرق منظومة البحيرات العظمى الخمس، وتحدها مقاطعة أونتاريو الكندية من الشمال والغرب والجنوب الغربي، بينما تحدها ولاية نيويورك الأميركية من الجنوب والشرق.

والحدود بين البلدين تمر عبر مياه البحيرة نفسها، وهو ما يجعلها مسطحاً مائياً مشتركاً بين دولتين.

وبمساحة سطح تبلغ نحو 19 ألف كيلومتر مربع، تعد البحيرة الأصغر بين البحيرات العظمى من حيث المساحة، لكنها عميقة بصورة لافتة؛ إذ يبلغ متوسط عمقها نحو 86 متراً، فيما يصل أقصى عمق إلى نحو 244 متراً.

وتطل على البحيرة مدن كبرى، أبرزها تورونتو وهاملتون وميسيساغا في الجانب الكندي، وروتشستر في الجانب الأميركي، فيما يعيش ملايين السكان في المناطق المحيطة بها.

لكن أهمية البحيرة لا تتوقف عند المدن التي تحيط بها.

فهي تمثل الحلقة الأخيرة في سلسلة البحيرات العظمى، إذ تصلها المياه من بحيرة إيري عبر نهر نياجرا، ثم تخرج منها عبر نهر سانت لورانس في اتجاه المحيط الأطلسي.

وبذلك تشكل جزءاً من واحد من أهم الأنظمة المائية والتجارية في أميركا الشمالية.

اسم أقدم من الدولتين

ربما هنا تكمن المفارقة الأكبر في الخلاف الحالي.

فعندما يتحدث كارني عن اسم «أونتاريو»، فهو لا يدافع عن تسمية وضعتها الحكومة الكندية الحديثة، بل عن اسم يعود إلى تاريخ أقدم بكثير من تأسيس الدولة الكندية نفسها.

ويرتبط اسم Ontario بلغات الشعوب الأصلية في المنطقة، ويُترجم في بعض الروايات إلى معانٍ مرتبطة بـ«البحيرة الجميلة» أو «البحيرة الكبيرة».

ويعود استخدام الاسم إلى أكثر من 400 عام، أي إلى فترة سبقت قيام الاتحاد الكندي وقيام الولايات المتحدة بصورتهما الحالية.

وهذا التاريخ هو أحد أهم عناصر الحجة الكندية في مواجهة محاولة تغيير الاسم.

فالبحيرة لم تنتظر قيام الولايات المتحدة حتى تحصل على اسم، ولم تنتظر قيام كندا حتى تصبح جزءاً من خريطة سياسية.

كانت هناك قبل الدولتين.

مياه تعبر الحدود

لا يمكن النظر إلى بحيرة أونتاريو باعتبارها بحيرة أميركية أو كندية خالصة.

خط الحدود بين البلدين يمر في مياهها، بينما تقع ضفافها على جانبي الحدود. كما ترتبط البحيرة بمنظومة اقتصادية ومائية عابرة للحدود، ما يجعل إدارتها مرتبطة بالتعاون بين واشنطن وأوتاوا، وليس بقرار منفرد من إحدى الحكومتين.

 

ولهذا فإن تغيير الولايات المتحدة للاسم في سجلاتها الرسمية لا يعني تلقائياً أن كندا ستستخدم الاسم ذاته، ولا أن الاسم الجديد سيصبح معتمداً عالمياً.

وهذا تحديداً ما يجعل خطوة ترامب سياسية ورمزية أكثر من كونها تغييراً جغرافياً فعلياً.

لماذا الآن؟

جاء قرار ترامب في توقيت شديد الحساسية في العلاقات الأميركية–الكندية.

فالبلدان يعيشان بالفعل على وقع نزاع تجاري وتوتر سياسي، فيما صعّد ترامب لهجته تجاه كندا خلال الفترة الماضية.

وبالنسبة إلى ترامب، لا تبدو إعادة تسمية البحيرة مجرد مسألة خرائط، فالقرار يندرج ضمن سلسلة تحركات اتخذتها إدارته لإعادة صياغة أسماء جغرافية يرى أنها تعكس، في نظره، التاريخ أو النفوذ الأميركي.

لكن في حالة بحيرة أونتاريو، يختلف المشهد عن تغيير اسم معلم يقع بالكامل داخل الأراضي الأميركية.

 

هذه بحيرة مشتركة.ومن ثم فإن قدرة واشنطن على تغيير ما تكتبه مؤسساتها على الخرائط لا تمنحها القدرة على إلزام كندا بتغيير ما تسمي به البحيرة، ولا تضمن أن تتبنى المؤسسات والخرائط والمنظمات الدولية الاسم الجديد.

معركة اسم لا تغيّر المياه

قد تبدو المعركة في ظاهرها بسيطة: اسم قديم في مواجهة اسم جديد.

لكن الأسماء الجغرافية ليست دائماً مجرد كلمات على الخرائط. فهي تحمل ذاكرة الشعوب، وتاريخ الحدود، وإشارات السيادة والهوية.

وفي حالة أونتاريو، تتداخل كل هذه العناصر في مسطح مائي واحد.

فالبحيرة التي تشكلت عبر التاريخ الطبيعي، وتغيرت حولها الخرائط، وعبرت مياهها السفن والتجارة، بقي اسمها ثابتاً عبر قرون. واليوم، يريد ترامب أن يضع اسماً أميركياً عليها، بينما يصر كارني على أن الاسم التاريخي لن يختفي بمجرد صدور أمر تنفيذي من واشنطن.

وقال كارني إن الكنديين يعرفون أن «تسمية الواقع» تعني تسميتها بحيرة أونتاريو، في إشارة إلى أن تغيير الاسم في الوثائق الأميركية لا يغيّر طبيعة البحيرة ولا تاريخها.

وهكذا، فإن بحيرة أونتاريو تقف اليوم في مكان غريب بين الجغرافيا والسياسة: مياهها لم تتغير، حدودها لم تتحرك، ومدنها لا تزال في أماكنها، لكن اسمها أصبح فجأة جزءاً من مواجهة سياسية بين جارتين.

وربما تكمن المفارقة في أن البحيرة التي تحمل اسماً يعود إلى ما قبل وجود الولايات المتحدة وكندا كدولتين، أصبحت الآن شاهداً على خلاف بينهما حول من يملك حق تسميتها.

أما البحيرة نفسها، فستواصل تدفق مياهها من نياجرا إلى سانت لورانس، سواء كُتبت على الخريطة «أونتاريو» أم «أمريكا».