
تحرير الاستيراد في السودان.. قرار لإنعاش الاقتصاد أم وقود جديد للدولار والتضخم
الخرطوم /الغد السوداني- تستأثر الرؤى والاطروحات الاقتصادية الداعية لإلغاء القيد السعري والإداري على عمليات الاستيراد باهتمام واسع في أروقة المال والأعمال بالسودان؛ حيث يدور جدل محوري بين خبراء ومحللين حول جدوى هذا التوجه بين من يراه خطوة ضرورية لإعادة تجارة الاستيراد إلى أروقة الجهاز المصرفي وتأمين السلع الأساسية، ومن يراه مجازفة قد تفاقم الضغوط على سعر صرف الجنيه وتُذكّي جذوة التضخم في ظل شح الاحتياطيات النقدية.
موجز الطرح
يرتكز المقترح الاقتصادي لإلغاء القيد السعري والإداري على تمويل الاستيراد على رفع الحظر التجاري وتسهيل حركة النقد الأجنبي عبر القنوات المصرفية الرسمية بسعر الصرف الحقيقي. ويستهدف هذا التوجه الحد من نشاط السوق الموازية وفك اختناقات العرض للسلع في الأسواق، غير أن تطبيقه يحفّه محددات معقدة؛ أبرزها شح الاحتياطيات الأجنبية لدى البنك المركزي والتي تشير تقديرات البنك الأفريقي للتنمية إلى أنها لا تغطي سوى 1.1 شهرًا من قيمة الواردات.
أثر مزدوج
أكد الخبير الاقتصادي، الأستاذ محمد نور كرم الله، أن مقترح إلغاء القيد السعري على الاستيراد يحمل أثرًا مزدوجًا على الاقتصاد الكلي؛ إذ قد يتحول إلى محرك إيجابي على المدى المتوسط حال اقترانه بتنظيم دقيق للنقد الأجنبي، بينما يظل ضاغطًا وتضخميًا على الجنيه في المدى القريب. وأوضح أن البنك المركزي يواجه شحًا حادًا في الاحتياطيات الأجنبية وسط طلب قوي، مشيرًا إلى بيانات البنك الأفريقي للتنمية التي تبيّن أن الاحتياطي لا يغطي سوى 1.1 شهر من الواردات، وهو ما يفسر الضغوط الحالية على العملة الوطنية.
ترتيب الأولويات
وأشار كرم الله إلى أن رفع القيود سيؤدي حتمًا إلى زيادة حجم الاستيراد، مشددًا على أن النتيجة تعتمد كليًا على نوعية السلع؛ فإذا وُجّه الاستيراد للسلع الأساسية كالقمح والدواء والمدخلات الزراعية والوقود، فسينعكس إيجابًا على الاقتصاد. أما إذا ذهبت السيولة للسلع الكمالية، فستستنزف النقد الأجنبي دون قيمة إنتاجية مضافة. ولذلك، يحذر الخبير الاقتصادي من الإلغاء المطلق للقيود، داعيًا إلى تحويلها من قيود كمية إلى نظام أولويات صارم.
جذب السيولة
ولفت الخبير إلى أن تحويل الاستيراد نحو القنوات الرسمية يمنح البنك المركزي والمصارف التجارية فوائد جمة، أبرزها زيادة رسوم التحويلات والاعتمادات المستندية، واستقطاب حصائل النقد الأجنبي التي كانت تدور في السوق الموازي. وأضاف أن تحسين قدرة المصارف على التمويل يعزز الرقابة على حركة الأموال، مستشهدًا بتجربة ضخ العملات الأجنبية في يونيو 2026، والتي أسهمت في كبح أسعار الصرف في السوق الموازي وتغطية احتياجات الواردات.
مخاطر الصرف
وحذّر الأستاذ محمد نور من أن إلغاء القيود دون تقنين الواردات وإبعاد السلع غير الضرورية سيؤدي إلى قفزات حادة في طلب الدولار، مما يترتب عليه هبوط الجنيه وارتفاع تكاليف الإنتاج والنقل. وأكد أن إتاحة الاستيراد بآليات غير كفؤة سيفاقم الضغوط التضخمية في المرحلة الأولى، لا سيما مع وصول معدل التضخم إلى 150.2% وفق تقديرات البنك الأفريقي لعام 2025، مما يضاعف الأعباء المعيشية على المواطنين.
انفراجة مرتقبة
وأوضح كرم الله أن التحرير قد ينتقل إلى مرحلة ثانية انكماشية للتضخم حال نجاحه في زيادة عرض السلع، وفك اختناقات الإنتاج، وتوفير المواد الخام بأسعار منافسة. وأكد أن هذه الانفراجة تتطلب توحيد سعر الصرف واستقراره؛ ليتراجع التضخم تدريجيًا بعد فترة انتقالية، بما يجعل تحرير الاستيراد أداة استقرار واستعادة للتوازن بدلاً من أن يكون محركًا للغلاء.
مكاسب المصارف
ويرى الخبير الاقتصادي أن القطاع المصرفي سيكون الرابح الأكبر إذا نُفذ الإصلاح بصورة صحيحة، عبر نمو الاعتمادات المستندية وعودة الأموال الضخمة المتداولة خارج النظام المصرفي إلى الشرايين الرسمية. وأكد أن الهدف الأسمى يجب أن يركز على إعادة تجارة الاستيراد إلى أروقة البنوك لتستعيد دورها المحوري؛ محذرًا من أن الإلغاء دون إصلاح سعر الصرف سيعيد النشاط للسوق الموازي ويقلص إيرادات المصارف.
معادلة التدرج
واختتم كرم الله إفادته بطرح نموذج عملي يعتمد على التحرير التدريجي للقيد السعري مع الإبقاء على التتبع الإلكتروني للعملات الأجنبية، وتقسيم الواردات إلى ثلاث مجموعات: أولوية قصوى للسلع الأساسية، وأولوية ثانية للمدخلات الإنتاجية، بينما تخضع الكماليات لسعر تجاري كامل. وشدد على «المعادلة الذهبية» القائمة على ربط تحرير الاستيراد بالصادر لضمان التدفقات، مع مراعاة معدلات الفقر التي تجاوزت 80% عبر توفير شبكات حماية ودعم مباشر للسلع الأساسية.
رأي المراقبين
مخاطر الصدمة
يرى مراقبون ومحللون اقتصاديون أن التوقيت الراهن لطرح إلغاء القيد السعري يتزامن مع تحديات ميدانية ومالية بالغة التعقيد، مشيرين إلى أن غطاء النقد الأجنبي الشحيح لدى الجهاز المصرفي قد يجعل فتح الباب للاستيراد بآليات غير مقيدة بمثابة إطلاق لطلب هائل على الدولار. ويؤكد المراقبون أن هذا الضغط المفاجئ سيغذي سوق الصرف الموازي مباشرة، مما يتسبب في قفزات متتالية لأسعار العملات الأجنبية وتآكل متسارع للقوة الشرائية للمواطنين.
اختلال المعروض
ويحذر المحللون من أن تحرير عمليات الاستيراد دون وجود رقابة صارمة على نوعية السلع يفتح المجال أمام استيراد السلع الاستهلاكية ذات الربحية السريعة على حساب السلع الاستراتيجية والإنتاجية. وأوضحوا أن هذا الاختلال سينعكس في صورة وفرة وهمية لسلع غير أساسية، مقابل استمرار ندرة وارتفاع أسعار مدخلات الزراعة والصناعة والأدوية، مما يعطل محركات الإنتاج المحلي ويكرس حالة التبعية للاستيراد الخارجي.
الشمول المصرفي
ولفت مراقبون إلى أن النجاح الحقيقي لأي مقترح بتعديل سياسات الاستيراد لا يتوقف عند رفع الحظر الإداري، بل يعتمد كليًا على قدرة البنوك التجارية على توفير السيولة والعملات الأجنبية بأسعار منافسة لتلبية طلبات المستوردين. وأكدوا أنه في حال عجزت البنوك عن تأمين التمويل اللازم، فإن التجارة ستظل رهينة للسوق الموازية، مما يفقد الجهاز المصرفي فرصة استعادة دوره المحوري ويزيد من حجم السيولة المتداولة خارج النظام الرسمي.
معادلة التعافي
ويخلص المحللون إلى أن التحرير يحتاج إلى حزمة مكملة من القرارات السياساتية للحد من آثاره التضخمية؛ أبرزها تشديد الرقابة الجمركية، ووضع حوافز جاذبة لحصائل الصادر ومغتربي الخارج للتنسيق مع القنوات الرسمية. وأكدوا أن تحرير التجارة الخارجية لن يحقق التعافي المطلوب إلا إذا أُدرج ضمن رؤية شاملة تربط الاستيراد بالإنتاج، وتضمن حماية الفئات الأكثر هشاشة من موجات الغلاء الناتجة عن تعويم أسعار التمويل.
توازن إستراتيجي
يضع النقاش المثار حول تحرير الاستيراد السياسة النقدية والتجارية في السودان أمام اختبار حاسم؛ حيث تتوقف الفاعلية على الانتقال السريع من إدارة القيود السعرية إلى الحوكمة وتحديد الأولويات الإنتاجية. إن تحويل هذا المقترح إلى أداة لإنعاش الاقتصاد يتطلب ربطه بالتحول نحو الشمول المصرفي وتشجيع الصادرات؛ لضمان تدفق السلع الأساسية وصيانة قيمة الجنيه ودعم القوة الشرائية للمواطنين.
