القوى المدنية وعودة الاتحاد الأفريقي إلى الخرطوم: هل ينجح الفريق البرهان في فك العزلة
مهدي داود الخليفة يكتب ..
لم تعد القضية السودانية اليوم مرتبطة فقط بموازين القوة العسكرية بين الجيش والدعم السريع، وإنما أصبحت أيضاً معركة على الشرعية السياسية والدبلوماسية: من يملك القدرة على إقناع الإقليم والمجتمع الدولي بأنه يمثل السودان، ومن يستطيع أن يفرض أجندته على طاولة التفاوض، ومن ينجح في تحويل علاقاته الخارجية إلى أوراق ضغط داخلية؟
ومن هذه الزاوية، فإن التطورات الأخيرة في علاقة الاتحاد الأفريقي والهيئة الحكومية للتنمية «إيغاد» بالسلطة القائمة في الخرطوم تستحق قراءة أكثر جدية من مجرد الترحيب أو الإدانة.
فالانفتاح الأفريقي على الخرطوم لا يحدث في فراغ. وقد أعلن الاتحاد الأفريقي بالفعل عن اتصالات رفيعة المستوى مع قيادة السلطة القائمة في الخرطوم، كما بحث مبعوثه الخاص للسودان إعادة فتح مكتب الاتحاد الأفريقي في الخرطوم. والاتحاد يقول إن وجوده هناك يهدف إلى دعم عملية سياسية سودانية شاملة واستعادة الحكم الدستوري، وليس إلى منح شرعية سياسية لأي طرف.
لكن السؤال الذي ينبغي أن يشغل القوى المدنية السودانية هو:
لماذا استطاعت السلطة العسكرية أن تفتح لنفسها نوافذ مع المؤسسات الإقليمية، بينما عجزت القوى المدنية عن استخدام أدواتها السياسية والدبلوماسية لإحكام الخناق السياسي عليها؟
من الخطأ تفسير تحركات الاتحاد الأفريقي وإيغاد باعتبارها بالضرورة تراجعاً عن الموقف المبدئي تجاه الانقلاب أو اعترافاً بالسلطة العسكرية.
فالموقف الرسمي للاتحاد ما زال يؤكد الحاجة إلى استعادة النظام الدستوري، وإلى عملية سياسية سودانية شاملة، كما أن مجلس السلم والأمن يملك أصلاً صلاحيات واسعة في مجال منع النزاعات ودعم الحكم الدستوري وحقوق الإنسان وسيادة القانون.
لكن السياسة الدولية لا تقوم على المواقف المبدئية وحدها؛ وإنما على موازين القوى، والقدرة على التأثير، ووجود شريك سياسي قادر على تقديم بديل مقنع.
وهنا تحديداً تكمن المشكلة السودانية.
فالسلطة القائمة في الخرطوم، مهما كانت شرعيتها محل خلاف، تتحرك باعتبارها سلطة أمر واقع تسيطر على مؤسسات الدولة ومقارها، وتمتلك جهازاً دبلوماسياً، وتستطيع استقبال المبعوثين والوفود وتقديم نفسها باعتبارها عنوان الدولة السودانية.
وفي المقابل، تبدو القوى المدنية في كثير من الأحيان وكأنها مشغولة بصراعاتها الداخلية أكثر من انشغالها ببناء مركز سياسي قادر على مخاطبة العالم بلغة واحدة.
ربما يكون السؤال الأهم:
هل استطاعت القوى المدنية السودانية أن تقدم للاتحاد الأفريقي بديلاً سياسياً مقنعاً يجعل التعامل مع سلطة الأمر الواقع أكثر كلفة سياسياً؟
الإجابة، بكل أسف، ليست إيجابية.
إن تحالف «صمود» والقوى المدنية الأخرى التي ترفع شعار استعادة الديمقراطية والحكم المدني تواجه اليوم أزمة تتجاوز الخلاف حول الأشخاص أو البيانات السياسية.
إنها أزمة قيادة وكفاءة وتنظيم ورؤية.
لقد كشفت تجربة الفترة الانتقالية أن امتلاك شعارات الثورة لا يعني بالضرورة امتلاك القدرة على إدارة الدولة، كما أن المشاركة في العمل السياسي المدني لا تعني تلقائياً امتلاك الخبرة في التفاوض الدولي أو إدارة العلاقات الإقليمية أو بناء التحالفات.
والأخطر من ذلك أن تجربة الحكم الانتقالي خلفت لدى عدد من المراقبين السياسين و الدبلوماسيين والجهات الدولية انطباعات سلبية بشأن قدرة بعض القيادات المدنية على إدارة الملفات المعقدة بكفاءة و اقتدار و قد تعززت هذه الانطباعات بفعل مظاهر عدم الكفاءة و الصراعات الداخلية، والشللية، والانفراد باتخاذ القرار، الي جانب ضعف المؤسسات و غياب اليات العمل المؤسسي الحقيقي داخل بعض المكونات و القوي السياسية.
وهذه ليست قضية شخصية، وإنما قضية سياسية ينبغي أن تواجهها القوى المدنية بشجاعة.
فالخصم السياسي لا يُهزم بمجرد أن تكون على حق؛ وإنما تحتاج إلى تنظيم، وقيادة، وخطاب، وأدوات ضغط، وتحالفات.
التجربة السودانية السابقة تقدم درساً مهماً.
في تسعينيات القرن الماضي، استطاع التجمع الوطني الديمقراطي أن يتحول، رغم تناقضاته، إلى عنوان سياسي رئيسي للمعارضة السودانية في الخارج. ولم يكن يمتلك سلطة الدولة أو مواردها، ولكنه نجح في بناء علاقات إقليمية ودولية جعلت قضية النظام في الخرطوم حاضرة بقوة في الأجندة الدولية.
ومن اللافت أن وزيرة الخارجية الأمريكية آنذاك، مادلين أولبرايت، التقت في كمبالا في ديسمبر 1997 قيادات التجمع الوطني الديمقراطي، في خطوة حملت رسالة سياسية واضحة بشأن موقف واشنطن من نظام الخرطوم في ذلك الوقت اذ أعلنت واشنطن انها تعمل مع دول المنطقة لعزل النظام السوداني.
بل إن وثائق أمريكية رسمية لاحقة اعتبرت اجتماع أولبرايت بقيادات التجمع في 10 ديسمبر 1997 إشارة إلى استعداد واشنطن للتعامل مع التجمع باعتباره بديلاً سياسياً لنظام الجبهة القومية الإسلامية.
لكن الدرس لا ينبغي أن يكون مجرد الحنين إلى الماضي.
وهذا يعني أن المطلوب اليوم ليس إعادة إنتاج التجمع الوطني الديمقراطي، وإنما استخلاص الدرس منه:
عندما تمتلك المعارضة السودانية قيادة سياسية ذات مصداقية، وهيكلاً منظماً، وخطاباً موحداً، وبرنامجاً واضحاً، تستطيع أن تجعل المجتمع الدولي يتعامل معها باعتبارها طرفاً لا يمكن تجاوزه.
السؤال الأكثر حساسية الآن هو: هل يمثل انفتاح مجلس السلم والأمن الأفريقي على الخرطوم بداية لمسار يؤدي في النهاية إلى رفع تعليق مشاركة السودان في أنشطة الاتحاد الأفريقي؟
لا توجد، وفق ما هو منشور رسمياً حتى الآن، قرينة كافية للقول إن رفع التعليق قد اتُّخذ قراراً أو أصبح وشيكاً.
بل إن الاتحاد الأفريقي نفسه يربط انخراطه في السودان بعملية سياسية شاملة وباستعادة الحكم الدستوري. كما أن إعادة فتح مكتب الاتصال في الخرطوم جرى تقديمها باعتبارها أداة لتعزيز الحضور الأفريقي ودعم العملية السياسية، وليس باعتبارها إعلاناً عن رفع تعليق عضوية السودان.
لكن الخطر الحقيقي يكمن في مكان آخر.
إذا لم تتحرك القوى المدنية، فقد يتحول الانفتاح الدبلوماسي التدريجي إلى تطبيع سياسي تدريجي.
والفرق بين الاثنين كبير.
يمكن للاتحاد الأفريقي أن يتواصل مع سلطة الأمر الواقع لأسباب تتعلق بالوساطة أو المساعدات أو توصيل العون الإنساني أو وقف الحرب، دون أن يمنحها شرعية سياسية كاملة.
لكن إذا نجحت السلطة في إقناع المؤسسات الإقليمية بأنها الطرف الوحيد القادر على ضمان وحدة الدولة واستمرار مؤسساتها، بينما تبدو القوى المدنية منقسمة وغير قادرة على تقديم بديل، فإن ميزان الشرعية السياسية سيبدأ في التحول لمصلحتها.
من السهل تفسير كل تحول دبلوماسي بأنه نتيجة مؤامرة من هذه الدولة أو تلك.
وقد تكون لبعض الدول مصالحها وحساباتها بالفعل، ولا يمكن تجاهل تأثير التنافس الإقليمي في الملف السوداني.
لكن اختزال المسألة في «لوبي هذه الدولة او تلك» أو غيره قد يكون مريحاً سياسياً، لكنه لا يعفي القوى المدنية من مسؤوليتها.
الدول تتحرك وفق مصالحها، والقوى السياسية تتحرك وفق قدرتها على حماية مصالح شعبها.
فإذا تركت القوى المدنية الساحة الدبلوماسية خالية، فمن الطبيعي أن تملأها الأطراف الأخرى.
وإذا عجزت عن تقديم رؤية موحدة للاتحاد الأفريقي وإيغاد والأمم المتحدة والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، فلا ينبغي أن تفاجأ عندما تتعامل هذه المؤسسات مع الواقع الذي أمامها، لا مع البديل الذي تتمنى القوى المدنية أن يكون موجوداً.
القوى المدنية السودانية لا تحتاج إلى مزيد من البيانات التي تكرر رفض الحرب والدعوة إلى الديمقراطية.
المطلوب الآن هو إعادة بناء القدرة السياسية.
أولاً، تشكيل قيادة مدنية تفاوضية ذات كفاءة ومصداقية، لا تقوم على المحاصصة أو الشللية.
ثانياً، إعداد خطاب موحد تجاه الاتحاد الأفريقي وإيغاد والأمم المتحدة والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي.
ثالثاً، الانتقال من سياسة رد الفعل إلى سياسة المبادرة؛ أي تقديم مقترحات محددة بشأن وقف الحرب، وحماية المدنيين، والمساعدات الإنسانية، والترتيبات الأمنية، والمرحلة الانتقالية.
رابعاً، بناء شبكة دبلوماسية مدنية سودانية محترفة قادرة على التواصل المستمر مع العواصم والمنظمات الإقليمية والدولية.
خامساً، الفصل الواضح بين المشاركة في إنهاء الحرب وبين منح الشرعية السياسية للعسكريين.
وسادساً، الاعتراف بأن إشراك الأطراف المسلحة في التفاوض ضرورة لإنهاء الحرب، لكنه لا يعني منحها حق احتكار مستقبل السودان السياسي.
وفي ظل الحديث عن مشاورات «الخماسية» واتصالاتها مع مكونات مدنية مختلفة، فإن الفرصة ما زالت قائمة.
إذا كانت «صمود» وغيرها من القوى المدنية قد قدمت ملاحظات متقاربة حول آلية العمل، فإن المطلوب ليس التنافس على من يمثل المدنيين، وإنما التنافس على أفضل رؤية لإنهاء الحرب وبناء الدولة المدنية.
وإذا صحت المعلومات المتداولة عن اجتماعات قادمة بين الخماسية وبعض القوى المدنية، فإن السؤال يجب ألا يكون: من دُعي إلى الاجتماع ومن لم يُدعَ؟
بل:
ماذا سيحمل المجتمعون إلى طاولة الخماسية؟
هل سيحملون أسماء وتحالفات جديدة؟
أم سيحملون مشروعاً وطنياً واضحاً؟
هل سيطالبون فقط بإبعاد الإسلاميين؟
أم سيقدمون تصوراً متكاملاً لدولة مدنية ديمقراطية لا تقوم على الإقصاء؟
هل سيعارضون الجيش والدعم السريع معاً؟
أم سيقدمون تصوراً عملياً للوصول إلى جيش وطني واحد وإنهاء ظاهرة الجيوش والمليشيات؟
هذه هي الأسئلة التي ستحدد ما إذا كانت القوى المدنية ستتحول إلى فاعل سياسي مؤثر أم ستظل مجرد طرف ينتظر ما تقرره القوى الإقليمية والدولية.
المشكلة الحقيقية ليست أن الاتحاد الأفريقي فتح نافذة في الخرطوم.
المشكلة أن القوى المدنية لم تفتح، حتى الآن، نافذة أكبر في عواصم العالم.
وليست المشكلة أن البرهان يحاول استعادة العلاقات مع الاتحاد الأفريقي وإيغاد.
المشكلة أن القوى المدنية لم تنجح في بناء ضغط سياسي ودبلوماسي يجعل استمرار الحرب والسلطة العسكرية أكثر كلفة على المستوى الإقليمي والدولي.
لقد تغير السودان، وتغيرت الحرب، وتغيرت موازين القوى، لكن بعض القوى المدنية ما زالت تعمل بعقلية ما قبل الحرب.
وهذا لن يكون كافياً.
السودان يحتاج إلى جيل جديد من القيادة المدنية؛
قيادة تجمع بين الشرعية السياسية والخبرة الفنية، وبين المعرفة بالداخل السوداني وفهم النظام الدولي، وبين القدرة على التفاوض
والقدرة على بناء التحالفات.
قيادة لا تبحث عن المواقع، وإنما عن إنهاء الحرب.
قيادة لا تعتبر امتلاك المنصة امتلاكاً للشرعية.
وقيادة تدرك أن الديمقراطية لا تستعاد بالشعارات، وإنما ببناء قوة سياسية مدنية قادرة على حماية مشروعها.
لقد أثبتت تجربة التجمع الوطني الديمقراطي أن المعارضة السودانية يمكن أن تكون مؤثرة عندما تمتلك رؤية وتنظيماً وعلاقات دولية. واليوم، بعد أكثر من ثلاث سنوات من الحرب، ربما تكون الحاجة أكبر من أي وقت مضى إلى إعادة بناء هذا الدور، ولكن بأدوات القرن الحادي والعشرين، وبعقلية تتجاوز الأشخاص والتحالفات المؤقتة.
فإذا كانت القوى المدنية تريد فعلاً إحكام الخناق السياسي على سلطة الأمر الواقع، فعليها أولاً أن تحكم تنظيم صفوفها.
وإذا لم تفعل، فقد يستمر الاتحاد الأفريقي في التواصل مع الخرطوم، وقد تستمر إيغاد في البحث عن مساراتها، وقد تنجح السلطة العسكرية تدريجياً في فك عزلتها.
وحينها لن تكون المشكلة أن العالم خذل القوى المدنية السودانية.
بل سيكون السؤال الأكثر إيلاماً:
هل كانت القوى المدنية قادرة أصلاً على استثمار الفرصة التي أتاحتها لها الحرب؟
