السودان يجوع… والأرقام لا تقول كل الحقيقة
بروفيسور/سيف الدين عبد الرحمن
19.5 مليوناً في دائرة الجوع، و المناطق الأشد تضرراً خارج عدسة الإحصاء
في السودان، لم يعد الجوع مجرد إحساس بمعدة خاوية صار رقماً في تقرير، و طفلاً هزيلاً في مخيم، و أماً توزع أمبازاً بين أبنائها. لكن حتى الأرقام نفسها بدأت تجوع. فحين تصل الحرب إلى قرية، و تحاصر مدينة، و تقطع الطريق أمام فرق الإغاثة، لا تختفي المجاعة؛ الذي يختفي هو الدليل الذي يستطيع العالم أن يقيس به حجمها. و لهذا قد يكون أخطر ما في مجاعة السودان ليس عدد الجائعين الذين نعرفهم، بل أولئك الذين لا نملك حتى قدرة الوصول إليهم لإحصائهم.
تقدر أحدث بيانات التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي IPC أن نحو *19.5* مليون سوداني يواجهون مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي، أي قرابة *41%* من السكان. لكن الرقم الأكثر خطورة هو أن نحو *5 ملايين* كانوا في مرحلة الطوارئ، و نحو *135 ألفاً* في المرحلة الكارثية، مع توقع ارتفاع عدد المصنفين في المرحلة الخامسة إلى قرابة *200 ألف* شخص خلال يونيو-سبتمبر 2026.
و تتركز الكارثة بصورة خاصة في دارفور و كردفان. ففي سبتمبر 2025 كان نحو *71%* من سكان شمال دارفور في المرحلة الثالثة IPC 3 أو أعلى، و *60%* في جنوب دارفور، و *59%* في وسط دارفور. و في كردفان بلغ المعدل نحو *58%* في جنوب كردفان، و *51%* في غرب كردفان، و *50%* في شمال كردفان. و كانت دارفور و كردفان تستحوذان على نحو *98%* من إجمالي المصنفين في المرحلة الخامسة آنذاك.
أما الولايات التي تراجعت فيها حدة القتال نسبياً، فلم تخرج من الأزمة؛ فقد ظل نحو *42%* من سكان الجزيرة و الخرطوم، و *51%* من سنار في المرحلة الثالثة IPC 3 أو أعلى خلال الفترة التقديرية الأخيرة.
و في المقابل، تبدو النسب أقل في الشرق و الشمال: نحو *20%* في البحر الأحمر، و *24%* في نهر النيل، و *25%* في الشمالية و كسلا. و لكن انخفاض النسبة لا يعني بالضرورة التعافي، بل يعكس اختلافاً في شدة الحرب و القدرة على الوصول إلى الغذاء و الأسواق.
و الأخطر من كل هذه الأرقام أن بعض المناطق الأكثر تضرراً لم يعد من الممكن قياس أوضاعها بصورة منتظمة بسبب الحرب و انعدام الوصول. و لذلك فإن الرقم الرسمي *19.5 مليوناً* ليس بالضرورة سقف الأزمة؛ بل هو عدد يمكن قياسه ضمن البيانات المتاحة.
أما الأطفال، فهم يدفعون الثمن الأكبر. و تشير التقديرات إلى أن نحو *825 ألف* طفل دون الخامسة سيعانون من سوء التغذية الحاد الوخيم خلال 2026، بينما تجاوزت معدلات سوء التغذية الحاد في بعض مناطق دارفور المستويات المرتبطة بخطر المجاعة.
و كلما اشتدت الحرب، أصبح قياس الجوع أصعب؛ و كلما أصبح القياس أصعب، أصبح الرقم الرسمي أقل قدرة على وصف الحقيقة.
لذلك السؤال المهم هو: كم من السودانيين يعيشون في مناطق لم يعد العالم قادراً حتى على الوصول إليها لقياس حجم جوعهم؟
المجاعة في السودان ليست ظاهرة غذائية منفصلة عن الحرب؛ إنها إحدى نتائجها المباشرة. و لذلك لن تكفي شاحنات الإغاثة وحدها. المطلوب فتح الممرات الإنسانية، حماية المدنيين، استعادة الأسواق و الإنتاج الزراعي، و ضمان وصول الغذاء دون عوائق، بالتوازي مع وقف الحرب.
السودان لا يحتاج إلى انتظار إعلان مجاعة شاملة حتى يتحرك العالم؛ فالأرقام المتاحة الآن تكفي *لإعلان حالة طوارئ إنسانية* .
*أيها العالم… أوقفوا هذه الحرب قبل أن يصبح الجوع هو السلاح الأخير الذي يقتل السودانيين*
المصادر: IPC، FAO، WFP، UNICEF.
