قراءة نفسية في الحرب السودانية(3)

آدم زكريا بكر يكتب…

* عضو جمعية مستشاري الصحة النفسية في ولاية واشنطن

في المقالين السابقين قلنا إنه كلما طال أمد الصراع، زادت التكلفة النفسية لتغيير الموقف. كما أنه يمكن للغضب أن يطغى على منطق الموازنة بين التكلفة والعائد؛ ويؤدي الانفصال الأخلاقي إلى أن يفصل الإنسان بين قيمه الأخلاقية وأفعاله ليبرر سلوكياته الخاطئة أو المؤذية دون أن يشعر بتأنيب الضمير. وفي هذا المقال نواصل تحليل المفاهيم النفسية وتطبيقها على موقف السودانيين من هذه الحرب وفق:

سابعا: معضلة أهون الشرين: وهي حالة أخرى لا ينبغي إغفالها، وهي عندما يدرك البعض أن الحرب كارثية، ويعتقدون أنها حقا مروعة، لكنهم يظنون أن البديل أسوأ. فهذا الموقف ليس بالضرورة غير عقلاني. فمثلا قد يعتقد البعض أن جيشا جديدا على النحو الذي تطالب به تأسيس قد يكون أسوأ من الجيش على علاته؛ وقد يرى شباب ثورة ديسمبر وحواضن الدعم السريع والهامش العريض أنه إذا انتصر الجيش فإن ذلك عودة الحركة الاسلامية وعودة بيوت الأشباح والتصفيات والاعتقالات التعسفية. وقد يعتقد شخص ما بصدق أنه إذا توقف الجيش عن القتال، فإن الدولة ستنهار، والجماعات المسلحة ستسيطر على البلاد، والمجازر العرقية ستتزايد، أو أن السودان سيتفكك. وعندها، قد يكون دعم استمرار القتال محاولةً منهم للحد مما يعتبرونه كارثةً أعظم وبديلا أسوأ.

ثامنا: الحرب تصبح حلاً للمشكلة التي خلقتها الحرب: ربما تكون هذه هي الحلقة النفسية الأكثر إثارة للقلق. فالحرب تولّد الخوف الذي يولد الكراهية التي تؤدي إلى الرغبة في الانتقام وخاصة عندما يتعلق بالبقاء والوجود والمحافظة على هوية جماعية ومن ثم استعداد أكبر للقتال ودعمه. وقد رأينا كيف أن تصريحات قيادي اسلامي بأن القوات المسلحة والكتائب الموالية لها لن تبقي قبائل بعينها في كردفان ودارفور ذكرها بالاسم بأنها سوف تُذبح ذبح الشياه والخراف وأن هذا الفعل لا يخجلهم بل هو جهاد يأمر به الدين. كما صرح بعض قادة في الجيش بأنهم لن يتوقفوا إلا في أم دافوق وهي بلدة في ديار التعايشة على الحدود مع أفريقيا الوسطى. هذه التهديدات الوجودية حُملت محمل الجد ومن ثم رأينا ضراوة المعارك في كردفان. فالعنف الناجم عن تلك المعارك يولد مظالم جديدة، تصبح بدورها مبرراً لمزيد من العنف. وهكذا، بعد دخول الحرب عامها الربع ، قد يصبح النزاع السياسي الأصلي غير ذي أهمية تقريباً. وحينما يكتسب الصراع زخماً ذاتياً وجوديا ومن الناحية النفسية قد لا يعود المرء يقاتل من أجل الهدف السياسي الأساسي بل يقاتل لأن العدو قد قتل أفرادا وجماعات منهم وارتكب مجازر بحواضنهم الاجتماعية تنفيذا لما هددوا به، فيقاتل بشراسة وحينها يقول الطرف الآخر لقد قتلوا منا الكثير ولابد من رد الصاع صاعين. وبذلك تصبح معاناة كل طرف دليلاً على ضرورة هزيمة الطرف الآخر. وتلك هي سيكولوجية دوامات الانتقام التي تعقد وتعيق فرص التوصل إلى سلام.

وتجدر الإشارة إلى أن أي حرب أهلية، وليست مواجهة مع عدو خارجي مثل الحرب الحالية، تتسم بطبيعة نفسية استثنائية؛ لأن الخصم يكون في آنٍ واحد سودانياً وعدواً وهذا يولد صراعاً عميقاً حول الهوية والوجود والبقاء. فلو كان العدو جيشاً أجنبياً، لكانت المعادلة هي “نحن السودانيون في مواجهة عدو يستهدف بلادنا” وهي معادلة واضحة ومباشرة نسبياً. وأما في الحرب الأهلية، فيصبح السؤال “من هو السوداني الحقيقي؟” وحين يحدث ذلك، قد تتحول السياسة إلى صراع وجودي. فالخصم لا يعود مجرد شخص لديه مصالح سياسية مختلفة بل يصبح الشخص الذي يدمر السودان، أو الشخص الذي لا يستحق الانتماء إلى السودان والبقاء حيا مهما كانت عراقة كيانه الاجتماعي. وهنا تكمن النقطة التي تصبح فيها الحروب الأهلية وحشية للغاية.

تاسعاً: تبرير النظام: وهي ظاهرة عندما

يدافع الناس أحياناً عن المؤسسات حتى تلك التي تلحق بهم الضرر لأن الاعتقاد بشرعية النظام أو مؤسسات الدولة يمنحهم استقراراً نفسياً. فعلى سبيل المثال فإن الجيش السوداني على علاته وانتهاكاته وتاريخه الدموي إلا أنه يُنظر إليه بأنه يمثل الدولة، وبالتالي فإن دعم الجيش يعني دعم الدولة. وعليه فإن معارضة الجيش تعني معارضة الدولة. وقد استطاعت الحركة الإسلامية وكتائبها ترسيخ هذه السلسلة من الأفكار في العقلية الجمعية، وقد

تكون هذه الظاهرة قوية بشكل خاص في المجتمعات التي ارتبط فيها الجيش تاريخياً بالوحدة الوطنية، أو السيادة، أو كيان الدولة ذاته. ومن ثم وصم كل من يتخذ هذا الموقف بالفلنقاي لا يحل المشكلة ، فهذا الموقف نفسي أكثر منه سياسي ومسألة وعي بالدور الأساسي لمؤسسات الدولة فاذا التزمت بدورها دُعمت وإن حادت جوبهت.

عاشراً: الصدمة لا تؤدي دائمًا إلى النزعة السلمية: قد أشرت سابقا في هذه السلسلة من المقالات أن المزيد من المعاناة لا يعني بالضرورة المزيد من الرغبة في السلام وفق مفاهيم ونظريات علم النفس، فالصدمة يمكن أن تؤدي إلى المزيد من المعاناة . ويمكن لشخصين أن يعيشا تجربة الحرب نفسها ويصلا إلى استنتاجات متناقضة، فمثلا قد يقول شخص ما لقد دمرتنا هذه الحرب، أوقفوها فورًا، بينما يقول آخر لقد دمرتنا هذه الحرب ولذلك، يجب علينا أن ننتصر. فقد يكون كلاهما مستجيبًا بصدق للمعاناة ذاتها؛ لكن يكمن الاختلاف في كيفية تفسيرهما لعلاقة السبب والنتيجة ولطبيعة التهديد.

حادي عشر : لا يوجد بديل: وهذه النقطة عبارة عن فخ إدراكي خطير بشكل خاص، فبمجرد أن يعتقد الناس أنه لا يوجد سوى خيارين وهما القتال والبقاء على قيد الحياة أو التوقف عن القتال والتعرض للدمار، يصبح السلام مستحيلاً من الناحية النفسية؛ وتُعرف هذه الحالة بالتفكير الثنائي الزائف أو التفكير بنمط الأبيض والأسود.

وفي حين أن المشهد السياسي الواقعي قد ينطوي على احتمالات عديدة مثل وقف إطلاق النار، ممرات إنسانية، مفاوضات، ترتيبات انتقالية، ضمانات أمنية، آليات للمساءلة، تقاسم السلطة، حكومة مدنية كاملة الدسم، ومراقبة دولية؛ لكن من الناحية النفسية، لا يرى المرء سوى الانتصار أو الإبادة. وتُعد هذه واحدة من أكبر العقبات التي تحول دون إنهاء الحروب الأهلية.

وأود الإشارة إلى أنه سيكون من الخطأ أيضاً افتراض أن كل من يدعم القوات المسلحة السودانية هو شخص مؤيد للحرب من الناحية النفسية، أو أن كل من يعارض المفاوضات تحركه مشاعر الكراهية. فقد يؤيد بعض السودانيين القوات المسلحة لأن سردية الجيش والحركة الاسلامية رسخت في الأذهان أنها المؤسسة الأكثر قدرة على الحفاظ على وحدة السودان ومنع قوات الدعم السريع من السيطرة على البلاد. وقد يكون لدى آخرين تجارب مباشرة مؤسفة مع قوات الدعم السريع تجعل فكرة التفاوض معها تبدو غير مقبولة أخلاقياً بالنسبة له. وفي المقابل، قد يرى سودانيون آخرون أن القوات المسلحة وحلفاءها مسؤولون عن أعمال عنف كارثية عبر تاريخه الدموي ولاسيما في هذه الحرب، ويعتقدون أن الانتصار العسكري للجيش بحد ذاته هو المشكلة والكارثة التي تجعلنا في دوامة الحرب لأن القوات المسلحة هي أسّ الداء.

ونواصل….