إجراءات “بنك الخرطوم”.. حوكمة مصرفية أم إعاقة للسيولة؟

الخرطوم/الغد السوداني  ـ أمين محمد الأمين
​تفاعلت الأوساط الاقتصادية والمصرفية مع الاشتراطات الأخيرة التي فرضها بنك الخرطوم لإلزام العملاء بالحضور الشخصي لتحديث البيانات؛ حيث انقسمت الآراء بين مؤكدٍ على ضرورة الخطوة للامتثال للمعايير الرقابية ومكافحة غسل الأموال وفق سياسات بنك السودان المركزي لعام 2026، ومحذرٍ من تداعياتها على حركة السيولة ونفاذ الملايين للخدمات المالية في ظل ظروف الحرب والنزوح الراهنة.

موجز القرار
​وكان مجلس إدارة بنك الخرطوم قد أصدر موجبات تنظيمية تقضي بضرورة الحضور الشخصي للعملاء إلى المقار والفروع العاملة لتحديث بياناتهم المصرفية، مع اتجاه لتقييد بعض المعاملات الإلكترونية لمن يتخلف عن الإجراء. يهدف القرار إلى تنقية قواعد البيانات وتأمين الحسابات ومكافحة غسل الأموال، غير أنه يواجه تحديات ميدانية معقدة تتصل بظروف النزوح وصعوبة الوصول للفروع.

التعافي الاقتصادي
​أكد الأستاذ المشارك بقسم الاقتصاد بجامعة كسلا، الدكتور عادل إدريس محمد علي، أهمية الإسراع في تحديث بيانات عملاء المصارف رغم الظروف الاستثنائية القائمة، واصفًا الإجراء بالخطوة المحورية لنقل الاقتصاد نحو مرحلة التعافي. وأوضح أن سياسات بنك السودان المركزي للعام 2026 تجعل من وجود قاعدة بيانات دقيقة ومحدثة شرطًا أساسيًا لتحقيق الاستقرار المصرفي، وإدارة السيولة النقدية بأعلى درجات الفعالية والكفاءة.

​الأهداف الرقابية
​وبيّن الخبير الاقتصادي أن عمليات التحديث المباشر عبر الفروع تهدف بالأساس إلى مكافحة جرائم غسل الأموال وتمويل الإرهاب، فضلاً عن تحجيم النشاط المتنامي لسماسرة العملة والمضاربين. وأشار د. إدريس إلى أن هذه الخطوة تتيح للمؤسسات المصرفية مطابقة البيانات الرسمية للعملاء مع واقعهم الميداني الحالي، مع التثبت التام من مصادر دخلهم ومشروعية التدفقات المالية الحسابية.

معالجة الواقع
​وأضاف الأستاذ المشارك أن تداعيات الحرب الراهنة وما ترتب عليها من نزوح واسع وتغير مستمر في العناوين وأرقام الهواتف تجعل من عملية التحديث ضرورة ملحة؛ لضمان وصول الخدمات إلى أصحابها الحقيقيين. ولفت إلى أن الإجراء يخدم بصورة مباشرة خطط التحول الرقمي وتعزيز الشمول المالي المستهدف ضمن الموجهات السياساتية للمصرف المركزي، بما يضمن استمرار المعاملات وفق أطر آمنة وموثوقة.

​مكاسب وتحديات
​واختتم الدكتور عادل إدريس إفادته بتوقع أن ينعكس هذا التحديث إيجابًا على رفع مستويات الأمان التجاري، وتحسين جودة الخدمات المصرفية، ودعم استقرار الاقتصاد الكلي. وعلى الجانب الآخر، أقرّ بوجود تحديات إجرائية قصيرة المدى تتمثل في الازدحام الشديد على الفروع ومشقة وصول بعض المواطنين، داعيًا الإدارات المصرفية للتعامل معها بمرونة عبر كثافة التوعية وتمديد المهلة الزمنية المتاحة للتحديث.

التزامات دولية
​أوضح الخبير الاقتصادي، الدكتور عادل عبد العزيز الفكي، أن تحديث بيانات العملاء يُمثل إجراءً مصرفيًا إلزاميًا تطبقه كافة البنوك، ولا يقتصر على تطبيق «بنكك» التابع لبنك الخرطوم. وأشار الفكي إلى أن هذا التدبير يأتي استجابةً للالتزامات الدولية المتعلقة بمكافحة الإرهاب وغسل الأموال، لاتساق مع معايير السلامة المالية المعتمدة عالميًا؛ حيث يشترط النظام المالي حضور العميل شخصيًا للفرع المختص، وإبراز إثبات الشخصية ومستندات تأكيد مصادر الدخل للتحقق من مطابقة البيانات.

استحواذ مصرفي
​ووصف الخبير الاقتصادي الوضع في السودان بالحالة الاستثنائية، مُرجِعًا ذلك إلى استحواذ بنك الخرطوم على نحو 80% من إجمالي العملاء النشطين بالجهاز المصرفي بفضل انتشاره عبر تطبيق «بنكك»، وهو ما يُفسر التدافع والازدحام الشديدين أمام فروعه. وأضاف أن الأزمة تتفاقم بفعل ظروف الحرب الراهنة التي تُعطل وصول آلاف المواطنين إلى فروعهم المصرفية، نتيجة النزوح الداخلي واللجوء الخارجي، أو التواجد في مناطق تنتشر فيها ميليشيا الدعم السريع المتمردة.

​رسائل أمنية
​ولفت الفكي إلى أنه رغم الطابع الفني والتقني للإجراء، إلا أنه يحمل في أبعاده رسالة أمنية وسياسية قوية للسكان المتواجدين في مناطق سيطرة الميليشيا المتمردة، مفادها غياب الأمان الاقتصادي في ظل خضوع تلك المناطق للميليشيا. واختتم إفادته بالتأكيد على أن التحدي المحوري يكمن في ابتكار صيغة مرنة تلبي متطلبات الامتثال الدولي، وتراعي في الوقت ذاته الظروف الإنسانية المعقدة، بما يضمن عدم حرمان ملايين المواطنين من مظلة النظام المصرفي.

​إجراء ضروري
​أكد المستشار الاقتصادي، الأحمد حسن الفادني، أن تحديث بيانات الحسابات المصرفية يُمثل خطوة ضرورية من الناحية الفنية، لا سيما لتعزيز إجراءات مكافحة غسل الأموال وتطوير جودة البيانات بالقطاع المصرفي. وأوضح الفادني أن الغاية الرئيسة من هذا الإجراء تكمن في التثبت من صحة بيانات العملاء وطبيعة أنشطتهم ومصادر أموالهم، فضلاً عن رفع كفاءة الجهاز المصرفي في الرقابة وإدارة السيولة النقدية، مشيرًا في الوقت ذاته إلى أن التوقيت الراهن يتطلب مرونة عالية مراعاةً للظروف الاقتصادية والاجتماعية الاستثنائية.

​مخاطر التداول
​وحذّر المستشار الاقتصادي من التبعات الاقتصادية لردود أفعال المتعاملين؛ إذ إن التخوف من تجميد الحسابات أو صعوبة الوصول إليها قد يدفع قطاعات واسعة من المواطنين والتجار إلى سحب أرصدتهم والاحتفاظ بها نقديًا. وأشار إلى أن هذا السلوك قد يُفضيان على المدى القريب إلى تتسارع وتيرة السيولة المتداولة خارج المظلة المصرفية الرسمية، مما يفاقم الضغوط التضخمية ويفتح الباب أمام تسعير المضاربات على العملات والأصل السلعي.

​رهان الثقة
​ويرى الفادني أن مخرجات هذه الخطوة ستكون إيجابية على المدى المتوسط والطويل شريطة تطبيقها بآليات مرنة ومطمئنة، بينما قد تتحول إلى عكس ذلك على المدى القصير حال تسببها في تراجع ثقة المتعاملين وزيادة التدافع نحو السحب النقدي. وشدد على أن نجاح عملية التحديث لا يقاس حصرًا بعدد الحسابات المُعدلة، وإنما بقدرتها على إبقاء السيولة داخل الشرايين المصرفية وتعزيز ثقة الجمهور بالبنوك.

حلول واعدة
​واختتم الفادني إفادته بضرورة أن تتقترن هذه الخطوات الرقابية بحزمة من التسهيلات والإجراءات الداعمة، وفي مقدمتها تمديد المهل الزمنية، وتوسيع منافذ التحديث الإلكتروني، فضلاً عن تبسيط المعاملات وتوجيه خطاب إعلامي شفاف يطمئن المودعين على سلامة أموالهم. وأكد أن هذه التسهيلات من شأنها ضمان تحقيق الأهداف التنظيمية دون التأثير سلبًا على الاستقرار النقدي والجهاز المصرفي.