سوسن محمد عثمان.. فراشة الصحافة التي لم تنحنِ

الممشى العريض
خالد أبو شيبةيكتب …

رافقتني الأخت سوسن محمد عثمان في مشوار البدايات أيام التعب والشقاوة وأيام كنا نحاول أن نتحسس موطيء قدم لنا في هذه المهنة التي أحببناها رغم قسوتها وشظفها. عملنا معٱ في صحيفة “الدار” تلك الصحيفة التي خرج من بين صفحاتها السواد الأعظم من أبناء جيلنا وكانت بالنسبة لنا مدرسة حقيقية تعلمنا فيها أبجديات الصحافة والحياة.
كانت سوسن مثل الفراشة أينما حلت أضفت على المكان شيئاً من البهجة والجمال تصنع الدهشة دون ضجيج ولا ترى منها إلا ابتسامة حاضرة وروحٱ طيبة. كانت فتاة واثقة من نفسها في قمة التهذيب والاحترام والأدب ومحبة الخير للبلد والناس الذين تحمل لهم ودٱ صادقٱ لا تشوبه مصلحة ولا تعرف فيه طريقٱ للنفاق.
سوسن بت بحر أبيض لؤلؤة كوستي كما نلقبها كانت تحمل ولايتها في قلبها كما يحمل الإنسان أجمل ما فيه كانت تنحاز إنحيازٱ صريحٱ للناس والمكان والتفاصيل الصغيرة التي تصنع حياة أهل الولاية. كانت تبحث عن أخبارهم وقضاياهم وما يشغل بالهم وتحاول أن تجعل لهم مكانٱ بين صفحات الصحف في وقت لم يكن فيه كثيرون يلتفتون إلى ما يحدث بعيدٱ عن المركز.
لم تكن سوسن من أصحاب الغلو أو الشطط. كانت هادئة في كتاباتها كما كانت هادئة ورزينة في طباعها معتدلة في آرائها واضحة في مواقفها تكره النفاق والتزلف والتطبيل المخل الذي ابتُلي به كثيرون. لم تكن تعرف كيف تجامل على حساب الحقيقة ولم تكن من أولئك الذين يغيّرون مواقفهم كلما تغيّر صاحب السلطة.
والحق أنني لم أعرف سوسن يومٱ وهي تسيء إلى أحد. كانت كتاباتها تنتقد الفكرة ولا تستهدف الشخص وتختلف دون أن تجرح وتقول رأيها دون أن تبحث عن خصومة.
لهذا اندهشت كثيرٱ عندما علمت أنها احتجزت لثلاثة أيام لأنها انتقدت الوالي وطريقة إدارته لشؤون الولاية.. ثلاثة أيام! والسؤال الذي يفرض نفسه هنا: ما الجناية التي ارتكبتها سوسن؟
أليست هذه هي الصحافة التي يفترض أن تقول ما لا يريد المسؤول سماعه؟ أليس من حق الصحفي أن ينتقد أداء الوالي وأن يطرح الأسئلة حول قراراته وأن ينحاز إلى الناس وقضاياهم؟ وهل أصبح الاختلاف مع المسؤول سبباً كافياً لسلب الصحفي حريته؟
عندما كانت سوسن تبحث عن مكان لأخبار الولاية بين صفحات الصحف لم نكن نعرف هذا الذي تم تعيينه واليٱ وربما لا زال كثيرون بما فيهم جزء كبير من أهل الولاية يجهلون عنه الكثير. لكنه فيما يبدو كان يجهل سوسن أكثر مما نجهل نحن عنه. فلو كان يعرفها حقٱ ولو عرف تاريخها وشخصيتها وطبيعة كتابتها لما ظن أن احتجازها يمكن أن يطفئ صوتها أو ينتقص من قيمتها.
سوسن واحدة من جيل حمل الصحافة في أصعب أيامها وعرف المهنة من أبوابها الحقيقية وكتب للناس لا للسلطة.
ما حدث معها لا ينبغي أن ينظر اليه باعتباره خلافاً عابرٱ بين صحفية ومسؤول لأن القضية أكبر من سوسن وأكبر من الوالي القضية هي هل نريد صحافة تقول الحقيقة أم صحافة لا تقول إلا ما يرضي أصحاب السلطة؟ ثم ماذا نقول عن ولاية أصبح أكبر هموم حاكمها الانتقام من إمرأة كتبت ما لم يعجبه؟
تحية لسوسن تلك الفراشة التي عاشت عمرها وهي تضيف للامكنة شيئاً من الجمال وحين حاول البعض أن يضعها خلف الجدران ارتدت عليه المحاولة وليته كان يعلم أن الفراشات لا تُهزم بالسجون والكلمة الحرة لا تعتقل.