سرديات..

Great Things And Grievous..
إنجازات عظيمة وأشياء مؤسفة..

استقال البروفيسور البريطاني من اصول افريقية من الجامعة العريقة بسبب ما يراه عنصرية مقيتة، فهاج البريطانيون من أصول افريقية وماجوا، منددين بالعنصرية التي تلقي بظلالها على قرارات واحدة من أعرق الجامعات البريطانية!

تعيش جامعة كامبريدج البريطانية العريقة، هذه الأيام، واحدة من أسوأ مراحلها الأكاديمية، بسبب شاب بريطاني من أصول أفريقية، أصيب في طفولته بالتوحد، الذي أحاله إلى أبكم، عاجز عن النطق تماما، حتى بلغ الحادية عشرة من العمر. ..

حالة هذا الشاب الأفريقي، دفعتني بقوة، لمتابعة أدق تفاصيلها، لأنها كانت شبيهة بحالة صديق عماني، أصيب في حادث مروري بشلل رباعي صيّره قعيدا: لا ساقان تحملناه ولا ساعدان تعينانه على الحركة..كل أعضاء جسده معطلة، فقط ذهن وقاد، وعزيمة لا تلين على قهر المستحيل..فكان له ما أراد..

عشت تفاصيل صديقي العماني القعّيد، حتى أصبح روائيا، تتحدث عنه اعماله في سوق الأدب الخليجي والعربي بوجه عام، وتثبت للعالم أن لا حياة مع اليأس..

لذلك وجدت في حالة هذا الشاب البريطاني من أصول أفريقية، ما يدفعني اليها بشدة، من أجل المقاربة، والتأمل في القدرة على ترويض اليأس ثم الانتصار عليه..

قبل يومين، وتحديدا في الثاني عشر من اغسطس الحالي (١٢ اغسطس ٢٠٢٦)، روى الشاب المتحدر من أسرة غانية هاجرت الى بريطانيا في سبعينيات القرن الماضي، تفاصيل مأساته لصحيفة ذا تايمز البريطانية..

جاءت أسرتي من غانا الى بريطانيا في السبعينيات..وجد ابي عملا كسائق فيما التحقت والدتي بمؤسسة رعاية صحية..صارعا بقسوة من اجل البقاء..فالحياة في بريطانيا مستحيلة لمن كان من اسرة مهاجرة، ما لم تعمل ليل نهار، لتحقيق بعض ضرورات البقاء..اقول بعض الضرورات، لأن تحقيق كل ما نريد، كان دونه خرط القتاد..اخوتي نجحوا في تحقيق مقاصدهم في حدها الأدنى، إلا أنني فشلت..طفل مصاب بالتوحد، غير قادر على النطق..كنت أجلس لوحدي في البيت..اخوتي في مدارسهم..والداي في عملهما لساعات طويلة قاسية، ليوفرا بعض ضرورات الحياة، لاسرة أحد افرادها لا يرتجى منه كثير شيء؛ لأنه مكبّل بالتوحد..لا يتكلم ولا يفهم لغة الاشارة، ولا يستجيب إن سئل، ولا امل في بقائه..الصمت القاتل في البيت والضجيج الصاخب في ملاعب الأطفال يحاصراني بقسوة..اراقب الأطفال من النافذة وأنا غير قادر على مشاركتهم اللعب..تمنيت ان اشاركهم، ولكن بلدة بكتون

Barking and Becton District Park
شرقي لندن، التي ولدت فيها، تكره السود وانا اسود..بكتون تكره المعاقين، وأنا معاق..بكتون تعيش على النظام وانا لا أعرف ما هو النظام..هذه الاشياء الثلاثة جعلتني أوقن في قرارة نفسي أن بكتون لم تعطني شيئا، ولكنها علمتني أن أصنع شيئا من لا شيء
وكان ذلك الشيء هو الاصرار على عدم الاستسلام للإحباط الذي يكاد بخنقني.

بلغت الحادية عشرة من العمر فكانت أول كلمة انطقها في حياتي..فقلت للتوحد وداعا رغم سريان تداعياته-كما النمل- في كل حركاتي..بطء في الفهم..عدم قدرة على التجاوب مع المطلوب كما ينبغي..ومع ذلك طلبت من أسرتي ان يلحقوني بالمدرسة..بدا الطلب غريبا لهم، كأني بلسان حالهم يتساءل كيف لطفل بدأ لتوه يتعافى من التوحد، ان يلتحق بمدرسة؟ ولكنهم وافقوا في النهاية تحت اصراري..فالتحقت بمدرسة، بعد ان رفضت ثلاث مدارس قبلها، قبول طفل بطيء الفهم وغير اجتماعي.. في مركز للشباب واصلت دراستي مستفيدا من الكتب والأفلام التعليمية المتوفرة ..ثم التحقت بالجامعة وعمري لا يتجاوز العشرين عاما.. واصلت دراستي في جامعة ليفربول جون مورز ينيفيرستي
Liverpool John Moors University
وتوفقت فيها حتى نلت فيها درجة الدكتوراه في علم الاجتماع التربوي..

في عام ٢٠٢٣ التحق الشاب جيسون أرداي Jason Arday بجامعة كامبريدج كأستاذ (بروفيسور) وذاع صيته كأصغر شاب (من السود) ينال درجة الأستاذية في مجال علم الاجتماع التربوي..

ثم بدأ نجمه يسطع أكثر وأكثر حين انخرط في الاعمال الخيرية والركض لمسافة ١٥٠ ميلا، لجمع المال، لمساعدة المحتاجين من السود..حقق نشاطه الاجتماعي نجاحا كبيرا حين أنشأ مؤسسة Jason Arday Foundation في جامعة ليفربول لمساعدة الطلبة السود من المعاقين بالتوحد، ثم جمع نحو ١،٢ مليون جنيه استرليني لمساعدة الشباب السود، بعد مقتل الشاب الامريكي من اصول أفريقية جورج فلويد..

غير ان النجاحات الاكاديمية والاجتماعية التي حققها جيسون، لم ترق لاكاديمي أمريكي عنصري في كامبريدج، اسمه ناثان كوفناس، إذ دبّج مقالا في موقع اليكتروني اسمه Substack، طاعنا في اطروحة جيسون لنيل الدكتوراه، واصفا اياها بالمنتحلة من اطروحات سابقة لأكاديميين آخرين..

صحيفة ذا تايمز اللندنية العريقة تعيد نشر مقال الاكاديمي الامريكي فينتشر خبر الانتحال على نطاق واسع.. جامعة كامبريدج تجد نفسها مرغمة على التحقق من الادعاء؛ فتشكل لجنة لتقصي الحقيقة..

لجنة التحقيق تواصلت مع جامعة ليفربول التي نال فيها الشاب درجة الدكتوراه، للتأكد من صحة ادعاءات الاكاديمي الامربكي التي تقول بان اطروحة جيسون منتحلة..الجامعة تؤكد-بعد ان كونت لجنة من الاكاديميين للتحقق من الطعن المقدم- ان اطروحة جيسون سليمة ولا غبار عليها…

الاكاديمي الأمريكي ينشر مرة أخرى، في اليوم التالي، مقالا طاعنا في الأطروحة مستندا هذه المرة، الى فقرات (نشرها مع مقاله) يقول عنها منتحلة، ويكذب في الوقت ذاته؛ ادعاءات جيسون الاجتماعية، بما في ذلك المبالغ التي جمعها ومبادرة الركض لثلاثين يوما؛ ليثبت بها، في نهاية المطاف، أن الشاب جيسون كذاب ونفيه للانتحال ما هو الا كذب بواح…المقال يزيد الزيت على نار الجدل المشتعل في كامبريدج..

كامبريدج لم توقف لجنة التقصي، التي شكلتها للنظر في ادعاءات الأكاديمي الأمريكي، من الاستمرار في عملها، ولم تصدر قرارا يدحض ادعاءات الأكاديمي الامريكي ويؤكد، بناء على افادة جامعة ليفربول، صحة شهادة البروفيسور الشاب جيسون أرداي..

البريطانيون من أصول أفريقية يتابعون موقف الجامعة بغلق (فجيسون له مكانته الاجتماعبة في اوساطهم؛ والشاهد مؤسساته الخيرية التي يستفيد منها الكثيرون منهم) ..

جيسون يحاصره الهمز واللمز والغمز، حيث يمم وجهه نحو أروقة الحرم الجامعي.. الضيق يخنقه..لذلك لم يجد سبيلا، لحياة خالية من المنغصات ومما يعكر صفو العمل الأكاديمي، سوى الدفع باستقالته من جامعة كامبربدج العريقة؛ فيستقيل!

الاستقالة تدفع القضية لتأخذ منحى يتبناه البريطانيون من اصول افريقية: الوقوف مع جيسون في سياق نبذ العنصرية..

نبذ العنصرية يتلقفه بسرعة دعاة حملة Black Lives Matter وناشطوها..

تهمة العنصرية التي يدق طبولها البريطانيون من أصول أفريقية، تغلق مضاجع الجامعة العريقة وتحاصرها..

كامبريدج في ورطة؛ بسبب الاكاديمي الأمريكي المعروف بعنصريته وتبنيه لآراء تحط من قدر (السود) اكادبميا..

هذه السردية مستوحاة من مذكرات البروفيسور جيسون ارداي Jason Arday التي صدرت تحت عنوان
*Great Things And Grievous..*

The title is a play on the idea that Jason’s life had both great things-becoming a professor in Cambridge, and Grievous things- altuism, racism, poverty and silence..

المذكرات لخصها لي، في أهم ما جاء فيها من نقاط، صحافي بريطاني عملنا معا في مؤسسة اعلامية واحدة في الخليج..