مهما حدث: الكلمة الحرة لن تركع ولن يسكت الصادقون
إيهاب الأمين يكتب ...
حين تظن سلطة ما أنها باعتقال صحافي كتب عن تردي الخدمات أو اختلف مع السياسات أنها قد أسكتت صوتاً فهي في الحقيقة تفتح على نفسها ألف باب للمساءلة والتساؤلات وتضع نفسها في قفص الاتهام أمام شعب بأكمله وأمام تاريخ لم ينس بعد كيف سقطت عروش كانت تظن أنها باقية إلى الأبد. لقد أوجعنا ما تابعناه من أخبار أفادت عن اعتقال الزميلة الراقية سوسن محمد عثمان بواسطة سلطات حكومة ولاية النيل الأبيض، وهذا ليس مجرد خطأ إداري أو تجاوز فردي بل هو إعلان صريح عن عقلية ترى في النقد تهديداً وفي الكلمة الحرة خطراً وفي المواطن الذي يسأل عن حقوقه عدواً يجب إسكاته. هذه العقلية هي ذاتها التي أنتجت عقوداً من القمع وهي ذاتها التي ثار عليها الشعب السوداني ودفع من أجل الخلاص منها أثماناً لا تزال جراحها نازفة.
ما فعلته هذه السلطات هو تكرار قمئ بائس لتجارب سقطت تحت أقدام الجماهير فكل ديكتاتور في التاريخ ظن أن السجن والاعتقالات ستحل مشكلته مع الحقيقة وكل طاغية تصور أن تكميم الأفواه يبني استقراراً لكرسيه وما بنى أحد منهم سوى قبره بيده. اعتقال سوسن لأنها انتقدت تردي الخدمات وأشارت إلى خدمات والي فاشل ليس دفاعاً عن هيبة الدولة بل هو كشف لعري هذه الهيبة الزائفة وإثبات بأن من يقبض على سلطة لا يعرف كيف يحميها إلا بالقهر والخوف.
الصحافة ليست امتيازاً تمنحه السلطة وتمنعه متى شاءت بل الصحافة حق أصيل للمواطن قبل أن تكون مهنة للصحافي وسوسن لم تحمل سلاحاً ولم تدعُ إلى عنف ولم تتآمر على أحد، سوسن كتبت عن خدمات مفقودة وعن معاناة ناس بسطاء وعن والي يكرر أخطاءه كل يوم ويثبت مع كل موقف فشله الذريع، وعن واقع كان الأولى بالسلطة أن تعالجه لا أن تعتقل من يفضحه. أن يكون رد الفعل على مقال صحافي هو القيد والزنازين فهذا يعني أن السلطة لا تملك حجة ولا برنامجاً ولا حلاً ولا تملك سوى القبضة الحديدية التي ثبت مراراً أنها تتكسر أمام إرادة الشعوب.
إننا نقولها بوضوح لا لبس فيه أننا لن نقبل بهذا المسار ولن نقبل بأن يعود الصحافيون إلى سجون لم يخرجوا منها إلا بثورة، لن نقبل بأن تتحول الكتابة عن هموم الناس إلى تهمة أمنية ولن نقبل بأن تتصرف حكومة ولاية كأنها إقطاعية خاصة لا يحق لأحد فيها أن يقول إن الخدمات سيئة أو إن المواطن يستحق أفضل. سوسن محمد عثمان ليست وحدها وخلفها جيش من الصحافيين والكُتّاب والأحرار الذين لن يتركوا زميلتهم خلف القضبان والذين سيطرقون كل باب قانوني ومهني حتى تنال حريتها كاملة غير منقوصة.
وإلى والي النيل الأبيض نقول إن التاريخ لا يرحم من لم يتعلم من دروسه والذين سبقوكم إلى ذات الطريق انتهوا في مزابل السياسة والذين حاولوا إسكات الصحافة قبلكم لم يجدوا في النهاية من يدافع عنهم حين انقلبت عليهم الأيام فلا تختبروا صبر الشعب ولا تستفزوا ذاكرته… أطلقوا سراح سوسن محمد عثمان اليوم قبل الغد وأوقفوا هذا العبث بحرية التعبير قبل أن تجدوا أنفسكم في مواجهة مع جيل لم يعد يقبل أن يُحكم بالخوف.
سوسن حرة والصحافة حرة والكلمة لن تُعتقل، والحقيقة لا تقبل التكميم.
