
تقرير: الحوثيون يدربون فصائل إسلامية في السودان على تصنيع المسيرات
الغد السوداني (وكالات) – كشف تقرير نشرته مجلة «فورين أفيرز» الأميركية عن مؤشرات على توسع نشاط شبكات مرتبطة بإيران في السودان، مشيراً إلى أن جماعة الحوثيين اليمنية تؤدي دوراً في نقل الأسلحة والخبرات العسكرية إلى فصائل إسلامية تقاتل إلى جانب الجيش السوداني.
وبحسب التقرير، فإن العلاقة بين طهران وحلفائها السودانيين لا تقتصر على إمداد الجيش بأسلحة وطائرات مسيّرة، وإنما تتجه، وفق معطيات بحثية، إلى نقل الخبرات اللازمة لتصنيع وتشغيل الطائرات المسيّرة إلى جماعات محلية متحالفة مع الجيش.
ويضع التقرير السودان ضمن ساحات جديدة لنشاط ما يعرف بـ«محور المقاومة» المدعوم من إيران، في ظل ما يصفه بتحول في طبيعة الشبكة التي بنتها طهران خلال العقود الماضية، بحيث لم تعد إيران المصدر الوحيد للسلاح والتدريب، بل باتت جماعات حليفة لها، بينها الحوثيون، قادرة على نقل ما اكتسبته من خبرات إلى أطراف أخرى.
الحوثيون في بورتسودان
وتتطابق بعض هذه المعطيات مع تقرير بحثي صادر عن «سنتشري إنترناشونال»، أشار إلى وجود متزايد لعناصر حوثية في بورتسودان ومناطق أخرى، وقال، نقلاً عن مسؤولين إقليميين وغربيين، إن عناصر من الجماعة شاركوا في تدريب فصائل إسلامية متحالفة مع الجيش السوداني على تصنيع الطائرات المسيّرة واستخدامها.
ووفق التقرير البحثي، فإن هذه الأنشطة أثارت مخاوف منذ عام 2025 واستمرت خلال 2026، بالتزامن مع مؤشرات على تعمق العلاقات بين الحوثيين وشبكات إسلامية داخل القوات المتحالفة مع الجيش.
ويرى التقرير أن التطور الأبرز يتمثل في احتمال انتقال التعاون الإيراني في السودان من مرحلة تزويد حلفائه بأنظمة عسكرية جاهزة إلى مرحلة توطين المعرفة الفنية اللازمة لإنتاج بعض الأسلحة وتشغيلها محلياً.
إرث العلاقات بين الخرطوم وطهران
ويعود التواصل بين الحركة الإسلامية السودانية وإيران إلى تسعينيات القرن الماضي، عندما شهدت العلاقات بين الخرطوم وطهران تعاوناً أمنياً وعسكرياً واسعاً خلال عهد الرئيس السابق عمر البشير.
وخلال تلك الفترة، أقام البلدان علاقات وثيقة شملت التعاون في المجال العسكري والصناعات الدفاعية، فيما تحدثت تقارير دولية عن استخدام شبكات مرتبطة بإيران وحزب الله الأراضي السودانية ضمن مسارات لنقل الأسلحة إلى حلفاء طهران في المنطقة.
وانقطعت العلاقات الدبلوماسية بين السودان وإيران عام 2016، قبل أن تعود إلى مسارها خلال الحرب الحالية.
ومع اندلاع الحرب بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع في أبريل (نيسان) 2023، برزت مؤشرات على إعادة تنشيط قنوات التواصل بين الخرطوم وطهران، بالتزامن مع حاجة الجيش السوداني إلى أسلحة وقدرات عسكرية جديدة.
وكانت «رويترز» قد أفادت في أبريل 2024 باستخدام الجيش السوداني طائرات مسيّرة إيرانية الصنع، بينها طائرات «مهاجر-6»، في القتال ضد قوات الدعم السريع.
«سفروق» تثير تساؤلات
ومن بين المؤشرات التي يستند إليها التقرير البحثي ظهور طائرة مسيّرة سودانية تحمل اسم «سفروق»، كشفت عنها منظومة الصناعات الدفاعية السودانية خلال معرض دفاعي في إسطنبول عام 2025.
وأشار خبراء أسلحة، وفق التقرير، إلى أوجه تشابه بين تصميم «سفروق» والطائرة الإيرانية «أبابيل-T»، في حين يمتلك الحوثيون خبرة في تصنيع طائرة «قاصف-2K» التي ترتبط بتصاميم عائلة «أبابيل».
ويطرح هذا التشابه، بحسب التقرير، تساؤلات بشأن احتمال انتقال خبرات مرتبطة بتصنيع المسيّرات من إيران عبر الحوثيين إلى جهات سودانية متحالفة مع الجيش، إلا أن هذه المعطيات لا تكفي وحدها لإثبات وجود عملية نقل تكنولوجيا بصورة مباشرة.
ممر عبر البحر الأحمر
ولا تقتصر المعلومات الواردة في التقارير على التدريب، إذ تحدثت «سنتشري إنترناشونال» عن اعتقاد بأن الحرس الثوري الإيراني استخدم الحوثيين في نقل شحنات من الأسلحة الخفيفة إلى بورتسودان.
ويكتسب البحر الأحمر أهمية خاصة في هذا السياق، نظراً إلى قرب الساحل السوداني من مناطق سيطرة الحوثيين في اليمن، وما يمثله الممر البحري من أهمية استراتيجية لحركة السلاح والتجارة في المنطقة.
كما تشير التقارير إلى أن الإمدادات الإيرانية، بما فيها الطائرات المسيّرة، أسهمت في تعزيز القدرات العسكرية للجيش السوداني خلال مراحل مختلفة من الحرب.
صعود الفصائل الإسلامية
ويتزامن الحديث عن تعمق العلاقات مع إيران مع تصاعد دور الفصائل الإسلامية في القتال إلى جانب الجيش السوداني.
وأفادت تقارير دولية بانخراط آلاف المقاتلين المرتبطين بالحركة الإسلامية ونظام البشير السابق في الحرب، ومن بين أبرز التشكيلات المرتبطة بهذا التيار «كتيبة البراء بن مالك»، التي شاركت في معارك في الخرطوم والجزيرة ومناطق أخرى.
ويرى مراقبون أن الحرب أعادت التيارات الإسلامية إلى صدارة المشهد العسكري والسياسي، بعد تراجع نفوذها عقب سقوط نظام البشير في أبريل 2019.
نموذج جديد للنفوذ الإيراني
ويكتسب ما ورد في «فورين أفيرز» أهمية تتجاوز العلاقة الثنائية بين إيران والسودان، إذ يشير إلى نموذج أكثر لامركزية في عمل الشبكات المرتبطة بطهران.
فالجماعات التي تلقت على مدى سنوات السلاح والتدريب والخبرات الإيرانية أصبحت، في بعض الحالات، قادرة على نقل جزء من هذه الخبرات إلى جماعات أخرى.
ويمثل الحوثيون أحد أبرز الأمثلة على ذلك، بعدما راكموا خلال سنوات الحرب في اليمن خبرة واسعة في استخدام وتصنيع الطائرات المسيّرة والصواريخ.
وبحسب التقارير البحثية، فإن انتقال هذه الخبرات إلى السودان، إذا تأكد، قد يعني تحولاً في طبيعة الدور الإيراني هناك، من مجرد تقديم السلاح إلى بناء قدرات محلية لدى فصائل مسلحة.
تداعيات تتجاوز الحرب
ويثير احتمال حصول فصائل ذات خلفية أيديولوجية على تقنيات تصنيع وتشغيل الطائرات المسيّرة مخاوف تتعلق بمستقبل المؤسسة العسكرية والأمنية في السودان بعد انتهاء الحرب.
فامتلاك تشكيلات مسلحة قدرات إنتاجية مستقلة قد يجعل عملية دمجها أو تفكيكها أكثر تعقيداً، كما يمكن أن يمنحها نفوذاً عسكرياً وسياسياً يتجاوز مرحلة القتال الحالية.
وفي الوقت ذاته، فإن وجود قنوات محتملة تربط إيران والحوثيين بفصائل سودانية يضيف بعداً إقليمياً جديداً للحرب، خصوصاً في ظل الموقع الاستراتيجي للسودان على البحر الأحمر.
وبذلك، تطرح التقارير الأخيرة احتمال انتقال السودان من كونه ساحة لتلقي الأسلحة والمسيّرات الإيرانية إلى ساحة لنقل وتوطين بعض الخبرات التي طورتها شبكة حلفاء طهران خلال العقود الماضية، مع بقاء حجم هذا التعاون وطبيعته الدقيقة محل بحث وتحقق.
