حين تتحول المدارس إلى ساحات اشتباك: الاعتداء على المعلم كارثة وضرب الأطفال جريمة
إيهاب الأمين يكتب..
في الحارة الثالثة بمحلية كرري لم تكن الواقعة مجرد اعتداء عابر بل كانت مرآة كاشفة لاختلالات متراكمة دولة غائبة وقانون يستبدل بالقبضة وتربية تختزل في العصا وجمهور يصفق من طرف واحد.
ما أقدم عليه اللواء معاش المعتمد الأسبق لمحلية كرري ليس شجاعة ولا استرداداً لكرامة بل هو بكلّ بساطة جريمة، جريمة أن يمد رجل يده على معلم داخل أسوار مدرسة ثم يتهدده بإطلاق النار فهذا ليس أباً غاضباً هذا رجل قرر أن رتبته السابقة تمنحه حق أن يكون القاضي والجلاد في آن.
نحن ندين هذا الفعل إدانة قاطعة لا لبس فيها ولا تجميل إذ لا توجد إهانة تبرر اعتداءً جسدياً ولا غضب يبيح التهديد بالسلاح فحياة الناس ليست مشاعاً والمدرسة ليست ساحة تصفية حسابات ومن أراد حقه فطريقه واضح بلاغ في الشرطة، تحقيق في النيابة، وحكم من القضاء أمّا أن تأخذ حقك بيدك فتلك شريعة الغاب التي دفعنا ثمنها دماً في تاريخنا السوداني الحديث.
ومع ذلك كله فإن العدالة لا تتجزأ والتعاطف الشعبي العارم مع المعلم وهو تعاطف مفهوم ومبرر لا ينبغي أن يعمينا عن حقيقة سبقت الواقعة وهي أن المعلم أخطأ حين ضرب التلميذ لأن وزارة التربية والتعليم في السودان أصدرت توجيهاتها الصريحة بأن الضرب ممنوع في المدارس ليس لأن التلميذ ملاك لا يخطئ بل لأن الضرب ليس وسيلة تربوية ولأن جسد الطفل ليس ملكاً لمعلم مهما بلغت مكانته والمعلم الذي يرفع يده على تلميذ يرتكب اعتداء بموجب القانون والجهة التي يبلغ عنها هي الشرطة لا أن يأخذ الوالد حق ابنه بيده.
نحن في الأجهزة الإعلامية كتبنا مراراً وتحدثنا كثيراً وصرخنا طويلاً أن الضرب لا يُعلم لكنه يُدمر، والطفل الذي يُضرب لا يتعلم الصواب بل يتعلم الخوف ويتعلم الكذب ويتعلم أن العنف لغة مشروعة، الطفل الذي يُضرب ليكف عن فعل ما سيمارس ذلك الفعل أول ما يأمن العقوبة ويغيب الرقيب والطفل الذي يعتاد معلماً يضربه سيكره المادة والدرس وسيكره المدرسة وسيكره العلم كله.
والد التلميذ في هذه الحادثة كان يمكن أن يكون صاحب حقٍ يُعترف له به لمنه أضاع حقه بضربه للمعلم وتهديده بإطلاق النار وانتقل من خانة المشتكي إلى خانة المتهم، لم يعد أباً يدافع عن ابنه؛ بل صار رجلاً يواجه تهماً بالاعتداء والتهديد الجنائي وهذا هو الثمن الفادح لغياب القانون عن وعي الناس حين لا يثق المواطن أن شكواه ستُسمع وأن بلاغه سيُتابع وأن القضاء سينصفه يلجأ إلى يده وبذلك يخسر كلّ شيء حقه وموقفه وتعاطف الناس معه.
هذه الحادثة ليست شأناً فردياً بين أب ومعلم بل هي اختبار لمفهوم الدولة، فوزارة التربية التي منعت الضرب لم توفر آليات حماية للمعلم والتلميذ معاً وهنا يطل سؤال أين إدارة المدرسة التي كان ينبغي أن تتدخل قبل أن يصل الأمر إلى هذا الحد؟
المعلم يحتاج حماية من الاعتداء عليه والتلميذ يحتاج حماية من العقاب الجسدي ولا تناقض بين الحمايتين فكلتاهما حق يكفله القانون.
نقول للواء معاش رتبتك السابقة لا تمنحك حصانة من القانون وتهديدك بالسلاح ليس شجاعة بل جبن مقنع ستحاسب عليه ويجب أن تحاسب، ونقول للمعلم نحن معك في وجه الاعتداء لكننا لسنا معك حين ترفع يدك على طفل فالضرب ليس من أدواتك والعصا ليست جزءاً من منهجك، كرامتك محفوظة لكن كرامة التلميذ محفوظة أيضاً ونقول لوزارة التربية التوجيه إن منع ضرب التلاميذ لا يكفي نريد لوائح واضحة وآليات شكاوى وتدريباً للمعلمين على بدائل تربوية حقيقية وعقوبات رادعة لمن يعتدي على معلم أو تلميذ على حد سواء.
ونقول للجمهور لا تجزئوا الحقيقة فالتعاطف مع المعلم المعتدى عليه لا يعني تبرير ضربه للتلميذ والوقوف مع التلميذ لا يعني تبرير اعتداء والده، الحقيقة كاملة هي التي تصنع وعياً أمّا الحقيقة المجزأة فتصنع غوغاء.
المعلم يستحق الاحترام والتلميذ يستحق الحماية والأب يستحق أن يسمع صوته عبر القنوات القانونية أما أن يتحول الخلاف إلى اعتداء والاعتداء إلى تهديد بالسلاح والتهديد إلى فوضى فتلك هي الهزيمة التي لا يربح فيها أحد.
