الحرب كشفت المعادن… فلنحفظ عهد الوفاء للسودان
ابراهيم سالكا يكتب...
الحرب التي مرت على السودان لم تكن مجرد سنوات من الرصاص والدخان والنزوح والفقد وانهيار البيوت وتعطل الحياة بل كانت امتحانا انسانيا هائلا وضع السودانيين جميعا امام مرآة لا تخطئها العين فكشفت الحرب اجمل ما في هذا الشعب كما كشفت اسوأ ما فيه كشفت معدن الرجال في لحظات الشدة وكشفت معنى الجيرة والاخوة والصداقة والرحم وكشفت كذلك وجوها كنا نظنها قريبة فاذا بها بعيدة ووجوها لم نكن نعرفها فاذا بها اقرب الينا من كثير ممن حسبناهم اهلنا واصدقاءنا لقد مرت على السودان ايام ثقيلة لم يسلم منها بيت تقريبا ولم تبق اسرة بعيدة تماما عن الخوف او الفقد او النزوح او القلق على قريب او صديق وفي هذه المحنة الكبرى لم يكن السوداني يسأل اخاه عن قبيلته ولا عن منطقته ولا عن لونه ولا عن ثروته ولا عن انتمائه كان السؤال الاكثر صدقا وبساطة وانسانية هل انت بخير هل وصلت هل اهلك بخير هل تحتاج شيئا وهنا ظهرت واحدة من اعظم صور السودان التي ينبغي الا نسمح للحرب ان تطمسها فقد اقتسم الناس ما لديهم من طعام وماء ومأوى وامن وخوف وفتح كثيرون ابوابهم للغرباء قبل الاقارب وحملوا من لا يعرفون وساعدوا من لا ينتظرون منه مقابلا ووقفوا مع اسر لم يسبق لهم ان التقوا بها كان السودان في احلك ايامه لا يزال ينتج السوداني الذي يعرف معنى النجدة وهذه ليست محاولة لتجميل الحرب ولا للتقليل من فداحة ما خلفته من جراح وانما هي دعوة لان نحفظ الوجه المشرق الذي ظهر وسط الظلام وان ندرك ان في هذا الشعب طاقة هائلة من الرحمة والتكافل والشهامة لم تستطع الحرب ان تقتلها الى كل سوداني شارك اخاه الخوف قبل ان يشاركه الخبز والى من فتح بيته للنازحين والى من تقاسم الماء والطعام والدواء والى من حمل مريضا او اوصل امرأة او طفلا الى مكان امن والى من كان يتصل كل يوم ليطمئن على اهله واصدقائه والى من انفق من ماله رغم حاجته والى من بذل وقته وجهده دون ان ينتظر شكرا والى من وقف مع انسان لا يعرفه فقط لانه سوداني نقول شكرا لقد اثبتم ان السودان ليس مجرد حدود على خريطة ولا مجرد اسم في جواز سفر السودان هو هذا الانسان الذي يمد يده لاخيه عندما تضيق به الدنيا وهو الجار الذي يفتح بابه وهو الغريب الذي يصبح قريبا حين تجمعهما المحنة وهو القلب الذي لا يستطيع ان يرى انسانا يتالم ثم يمضي في طريقه وكأن شيئا لم يحدث لقد علمتنا الحرب ان العلاقات الانسانية الحقيقية لا تصنعها السنوات وحدها وانما تصنعها المواقف فقد تعرف انسانا عشرين عاما ولا تعرف حقيقته الا في ساعة واحدة من الشدة وقد تلتقي بانسان للمرة الاولى فتكتشف في موقف واحد انه اخ وصديق وسند ولهذا فان علينا نحن السودانيين جميعا ان نحفظ علاقات الحرب في ذاكرتنا الوطنية لا باعتبارها علاقات نشأت من الخوف فقط وانما باعتبارها واحدة من الحقائق القليلة التي كشفت لنا من نحن ومن هم الذين كانوا معنا عندما احتجناهم فمن وقف معك في زمن الحرب لا ينبغي ان يصبح غريبا عنك حين تنتهي الحرب ومن حمل معك الخوف لا يجوز ان تنسى له ذلك حين تعود الحياة الى طبيعتها ومن فتح لك بيته حين كانت الابواب تغلق يجب ان يبقى بيته مفتوحا في ذاكرتك ومن حفظ كرامتك في لحظة ضعفك يستحق ان تحفظ كرامته ما حييت ومن وقف معك حين لم يكن هناك ما يغري بالوقوف يستحق ان يبقى في الصف الاول من الوفاء وهذه ليست دعوة الى صناعة الخصومات ولا الى فتح دفاتر الحسابات القديمة وانما هي دعوة الى تأسيس اخلاق جديدة للسودان بعد الحرب اخلاق يكون فيها الوفاء قيمة عامة والنجدة سلوكا مجتمعيا وحفظ الجميل واجبا اخلاقيا والاعتراف بالمواقف جزءا من ثقافتنا الوطنية وفي المقابل علينا الا نخجل من الاعتراف بان الحرب كشفت ايضا وجوها اخرى كشفت من تخلى عن قريبه ومن اغلق بابه ومن ادار ظهره لجاره ومن انشغل بنفسه بينما كان غيره يغرق في الخوف والجوع والنزوح لكننا لا نريد ان نخرج من الحرب حاملين الكراهية لقد حملنا ما يكفي من الاحزان ولا نريد ان نضيف اليها احقادا جديدة نسامح من نستطيع ان نسامحه ونترك ما عجزنا عن فهمه لله لكننا في الوقت نفسه لا نكذب على ذاكرتنا ولا نزور التاريخ ولا نسوي بين من وقف معنا ومن غاب عنا فالوفاء ليس انتقاما من الذين خذلونا بل اعترافا بالذين لم يخذلونا والذاكرة ليست خصومة وانما درس ومن حق الاجيال القادمة ان تعرف ان السودان في زمن الحرب لم يكن كله خرابا وانقساما وخوفا بل كان فيه ايضا سودانيون كثيرون اختاروا ان يكونوا بشرا في زمن كان يمكن للانسان فيه ان يفقد انسانيته بسهولة ولعل اعظم ما ينبغي ان نفعله بعد الحرب هو ان نحول هذه العلاقات التي صنعتها المحنة الى جسر دائم بين السودانيين فقد آن لنا ان نفهم ان ما جمعنا في زمن الخوف يمكن ان يجمعنا في زمن البناء واذا استطعنا ان نتكاتف ونحن نبحث عن ملجا فلماذا لا نتكاتف ونحن نبني مدرسة واذا استطعنا ان نتقاسم اللقمة في زمن الندرة فلماذا لا نتقاسم المسؤولية في زمن البناء واذا استطعنا ان نحمي بعضنا في زمن الرصاص فلماذا لا نحمي بعضنا من الفقر والجهل والمرض والخصومة والفرقة ان العلاقات التي ولدت في الحرب يمكن ان تصبح بذرة لسودان جديد اذا احسنا رعايتها سودان يعرف ان القبيلة مكون اجتماعي لا جدار يفصل السوداني عن اخيه وان الجهة ليست سببا للخصومة وان الاختلاف لا يعني العداء وان الوطن اكبر من كل الانتماءات الضيقة وان كرامة الانسان السوداني ينبغي ان تكون فوق كل حساب لقد دفعت بلادنا ثمنا باهظا حتى نصل الى هذه الحقيقة ولذلك لا ينبغي ان نعود بعد كل هذا الوجع الى ذات الاسباب التي اوصلتنا الى الهاوية لا نريد ان تكون الحرب مجرد صفحة سوداء في تاريخ السودان ثم نطويها ونعود الى ما كنا عليه نريد ان تكون درسا وطنيا كبيرا نعرف منه قيمة الانسان وقيمة الجيرة وقيمة الاخوة وقيمة التسامح وقيمة التكاتف وقيمة الوطن لقد كشفت الحرب الاقنعة ولكنها كشفت كذلك الوجوه الجميلة التي تستحق ان تكون عنوانا للسودان القادم فلنحفظ هذه الوجوه ولنحفظ هذه المواقف ولنحفظ هذا الوفاء ولنجعل من الذين عبروا معنا زمن الحرب شركاء في بناء زمن السلام اما الذين خذلونا فنتركهم لضمائرهم ولله ولا نحملهم معنا الى المستقبل فالسودان الذي نريده بعد الحرب لا يحتاج الى مزيد من الثارات بل يحتاج الى ذاكرة عادلة لا تنكر الجميل ولا تعيش على الانتقام يحتاج الى قلوب تعرف كيف تسامح دون ان تنسى وكيف تنسى الاساءة دون ان تنكر الدرس وكيف تحفظ الوفاء دون ان تصنع خصومة وفي النهاية الى كل سوداني وقف مع سوداني اخر في زمن المحنة والى كل ام احتضنت طفلا ليس طفلها والى كل اب فتح داره للغريب والى كل شاب حمل على كتفه هم انسان لا يعرفه والى كل طبيب وممرض ومتطوع وسائق وتاجر ومزارع وموظف ونازح ومغترب وكل انسان فعل خيرا في هذه الحرب دون ضجيج انتم الوجه الذي نريد ان نتذكره للسودان وانتم الحكاية التي ينبغي ان تروى لابنائنا وانتم الدليل على ان الحرب مهما كانت قاسية لا تستطيع ان تنتزع من هذا الشعب كل رحمته لقد مررنا جميعا من تحت سقف واحد اسمه الخوف وتعلمنا جميعا درسا واحدا اسمه الانسان فليكن ما بعد الحرب وفاء لما كان فيها من مواقف نبيلة وليكن السودان الذي نبنيه معا اكراما لكل يد امتدت وكل باب فتح وكل لقمة قسمت وكل دمعة مسحت وكل روح ظلت تقول في احلك اللحظات انا معك فقد تنتهي الحرب ذات يوم لكن المواقف التي صنعتها الحرب يجب الا تنتهي لان بعض المواقف لا ينبغي ان تكون مجرد ذكريات بل ينبغي ان تصبح اخلاقا وطنية ومنهجا للسودانيين في المستقبل.
سالكا
